فتى في المعتقل(٩) -ديمة السكوب

موتٌ ينتظر قُبلةَ موت!!
أيّها الفتى الأشمّ
مازلتُ أذكرُِ
كيف استَلَّ المرضُ
خِنجرَه وتسلّل إلى
جسدِك الطّاهرِ
في غفلــةٍ من كلِّ
الأشياءِ ،والموجودات
وحتّى… من الرّفاق
بل… من الكينونة
هي غفلةٌ من كلّ شيء
إلاكَ …أنت
حينها لثَّمَ المرضُ
وجهَ جدرانِ المهجع
واجتثّ معالِـمَها
قطّعها… جزءًا جزءًا
فَـبدتْ ممسوخةَ الملامح
بلا أسنان، وبلا عيون
غضبتْ جدرانُ المهجع
فارتْ ذرّاتُ الإسمنتِ
المقموع…
والمكتظّ بِالإذلال
المكبّلِ بالصّراخ
والّلعنات!!
تطايرَ هباءُ الغضب
مثاقيلَ
على نحو السّرعة
من قلبِ الجدران
تَدافُعُه، كان مؤلِـماً لـهُ،
وصافِعًا لِلجدران
الّتي سكن فيها
وسكنت هي فيه
منذ قضبانٍ،
سنينَ طويلة
عندما وصلت
مثاقيلُ هباءِ الغضبِ
إلى سقفِ مهجعِ الموت
وارتطمتْ
في جبهتها المُدَبّبة
اندفعت مرتدّةً
بِمساراتٍ مائلة
في اتجاهاتٍ متضادّة
والتفتتْ بِعينين
تدوران ثلاثمائةً وستين (٣٦٠)
سوطًا وسلكًا رباعيّـًا
والتقطَتْ في طريقها
فُتاتًا من بطاطا عفِنة
وكِسَرًا من خُبزٍ آسِن
وبقايا لِـبـرغـلٍ حَمِض
مع كثيرٍ من:
الأبخِرة والميكروبات
فَالتصقتْ جميعُها بِالهباء
ثمّ … تَكوّرتْ
بعد التكوُّر حددتْ وُجهتَها!!
توجهتْ إليك ياحبيبي
فَأنت صغيرُ هذا
القبرِ المنفى
رفاقُك الـمُسنّون،
ومن قبلِك بِكثير
اضمحلتْ أنسجتُهم
بِفِعلِ الـهـرَم
وتآكلت خلاياهم
من التّعذيب
جفّت أجسادُهم
ونفدوا من كلِّ شيء
سوى القهرِ والاستقواءِ
والهوانِ والآلامِ والأوبئة
أما أنت …،
فَصيدٌ مُشتَهى
لِهذه الكُرات…
جائعةٌ هي، أيضًا
أهلكَها الهواءُ والفناءُ
الّذي استجدَتْه
من قِطَع أجسادِ رفاقِكَ
البالِية
مقهورةٌ هي، أيضًا
سحَقَها الذلُّ
الّذي تُسبّح بِحمدِه
منذ ستّين بُسطارًا
سطحُها المتعرّج
غيرُ مكتملِ الاستدارة
الموتورُ بِالطّفرات
جينًا بعد جين
تُغطّيه نتوءاتٌ
تدفعُها تقعّراتٌ عميقة
التقعّرات والنّتوءات
تُنبّئُ عن الشرّ
الـهـادر بِكُمونٍ في
جـوف هذه الكُتَل
الـمُمرِضة
تَتَسلّلُ كلٌّ منها
إلى مساماتِك المتّسخة
المحشوّة بِالعَرَق والغبار
والمتأرجِحةِ على
أزيزِ أنّأتِ جلدِك الرّقيق
على مهلٍ تدحْرجتْ كُراتُ
الغضبِ والمرض
بِبطءٍ سَرَتْ في شرايينك!!
لقدْ فقدتْ سرعتَها
ما إن حطّت داخلَ أنسجتِك
احتكاكُها الـمُتعثِّر
بِخلاياكَ الـمُترنِّحة
وبِدمِكَ الّذي اختلّ تكوينهُ
والمكتظّ من زنزانتين ونصف
بِمُمرِضاتٍ أخرى
زادَ وتيرةَ أنينِك!!
أنينُك اللاهثُ بِلا أنفاس
والوهْنُ الـمُنشِب مخالبَه
في كُـلِّـك
ركَلَها بِاستجداء
فامتزجتْ بِثنايا أنسجتِك
واختلطتْ بِدمِك
وانزرعتْ في خلاياك
خليّة خليّة
خارتْ قُواك
استبَدّ بِكَ المرض
وانتقلتَ من
طَورٍ إلى طَور
ومن استبدادٍ إلى استبداد
فقدتَ القُدرة على الوقوف
ها أنت تقفُ ثمّ تسقط…
وتقف… ثمّ تسقطْ
وتسقطُ …. وتسقط، كلما
وقفتَ أو فكّر الوقوفُ بِك!!
جلدُك المكسوُّ بِالقروح
يزداد بكاؤه الدمويّ
مع كلِّ سقوط…
وأنتَ… وحدك هنا
لا يحرّك رفاقُك ساكنًا
هم عاجزون حتى
عن الشّفقة عليك…
فَكلُّهم مُثقلٌ
بِالمرض والإعياء
والضّربِ والهرَم والتّعذيب
وكلُّ واحدٍ منكم
مُلقىً في مكانِه
قابعٌ كما الموْت اّلذي يتحيّن ُ
موتًا آخرَ لِينقَضّ عليه
نعم: موتٌ يرقبُ الـموت !!
موتٌ يتراءى أمام عينيه
وعينيك
كَـدُخانِ تبغٍ أَزِف على
النفاد في ليلـةٍ باردة
ضمّت أضلاعَ كلٍّ منكما
وأطبقتْ عليها
فَتكوّمت ذِراعاكما فوق بعضها
لا تلوي على ذات
قفصٍ صدري
ثمّة ، سَيترمّم!!
وبعد أن لثَمَ الموتُ جسَدك
مُتردّدًا تارةً ، لِصِغرِك
ومُتلذّذًا تارة ، بِآهاتِك
أسندتَ رأسَك على كتِفِه
بِانتظارِ قُبلتَه الأخيرة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.