فاضل السباعي.. الأدب حينما يهتم بقضايا الحرية الشخصية للأفراد

فاضل السباعي علامة روائية سوريا مهمة، واستطاعت أن تترك أثرها في الساحة الأدبية محلياً وعربياً، وسواء اتفقنا معها أم اختلفنا فهي بحاجة إلى دراسة حقيقية ومتأنية بعيدة عن الأحكام الانطباعية السريعة.

الأيام السورية؛ بتول حسن

بعد تجربة غنية بالعطاء الأدبي والفكري امتدت لأكثر من 70 عاماً، رحل أحد أهم أعلام الثقافة السورية الكاتب والأديب ” فاضل السباعي” بتاريخ 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، تاركاً إرثاً أدبياً متنوعاً بين القصة والرواية والمسرح والدراسات والنقد، كما ترك قصة مميزة لسوري رفض الرضوخ لأفرع المخابرات، وجابه النظام من مناطق سيطرته.

الولادة والنشأة

ولد الأديب الراحل فاضل السباعي حلب عام 1929، في بيت تراثي خلف الجامع الأمويّ، يسمى زقاق الزهراوي، في بيت سكنه والي المدينة زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، كما أشار في أكثر من موضع.

وهو الابن الأول لـ”أبو السعود السباعي”، نشأ في عائلة تتكوّن من تسعة عشر طفلاً من البنين والبنات، أنجبهم والده من زواجين، وتجدر الإشارة إلى أن السباعي كان يقتل الأب في العديد من نصوصه وغالباً ما يموت بسبب مرض، ليترك نساء وأطفالاً يواجهون الحياة بإرادة قوية وعزيمة لا تلين.

التعليم

تابع تعليمه في مدارس حلب حيث حصل على شهادة التعليم الابتدائي عام 1943 وشهادة الدراسة الثانوية في 1950في ثانوية المأمون بحلب.

انتقل “السباعي” إلى مصر للدراسة في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول والتي سُميت جامعة القاهرة فيما بعد، وعاد بعد أن أتم دراسته إلى مسقط رأسه أواخر يونيو 1954، ثم اتجه للتدريس وكتابة القصة.

انضم إلى نقابة المحامين في عام 1955، ومارس المحاماة في حلب كما عمل مدرسا بثانوياتها، بدأ بكتابة الشعر والقصة القصيرة منذ الخمسينيات كما كتب الرواية والمقالات،

العمل

عمل محاميًا، وعُين مديراً لمعهد سيف الدولة في إحدى ضواحي حلب ونُقِل منصبه إلى دمشق عام 1967 واستوطن فيها، حيث عمل موظفاً في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حتى عام 1969، ثم عمل في المكتب المركزي للإحصاء (1969-1972) وشغل منصب مدير الإحصاء في دمشق، وفي الثاني والعشرين من تشرين الأول 1977 سافر إلی باريس والتحق هناك بدورة للأرشيف.

بعد عودته الى سوريا انتقل من جامعة دمشق إلى الإدارة المركزية في وزارة التعليم العالي، ليعيّن مديراً للترجمة والنشر، وكان حتى تقاعده عام 1982 يشغل موقع مدير في وزارة التعليم العالي.

في شهر نوفمبر من العام ذاته ترك “السباعي” العمل الحكومي ليتفرغ للكتابة، فأعلن عن تأسيس دار إشبيلية للدراسات والنشر والتوزيع بدمشق عام 1987.

فاضل السباعي قي شبابه (زمان الوصل)

موضوعات السباعي

السباعي أديب الموضوع دون إعلانات أو يافطات يضعها فوق نصوصه، فهو لم يقتصر على موضوعات محددة، ولم يخلص حياته وأدبه لشريحة محددة، إنما توسع في الموضوعات إلى درجة كبيرة، فتارة تراه يصور الحياة الأسرية لطبقة ميسورة، وأخرى لأسرة فقيرة، وتارة يتحدث عن الطالب، وأخرى عن الموظف.

ويتناول حياة الأحداث والجانحات بتفصيلات معقدة، وتتوسع شريحته التي يتناولها وذلك تبعاً لأشياء كثيرة.. ويمكن أن تتوزع موضوعات السباعي في الإطار العام إلى:

1/ الهمّ السياسي: حيث يتناول في أدبه موضوعات سياسية حارة تهم المواطن وتحاول تشخيص الأمراض والأسباب التي أدت إليها، وطرائق العلاج ولو بطريقة غير مباشرة.
2/ الهمّ الاجتماعي: حيث يعنى بموضوعات الطبقات الاجتماعية التي يتوزع إليها المجتمع، ويتعرض لغياب طبقة وأثر هذا الغياب على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
3/ الهموم الجمعية: التي تتناول مشكلة شريحة عريضة من خلال مشكلة فردية لأحد المنتمين إلى هذه الشريحة.
4/ الحريات والوطن: وفي عدد من القصص التي تحمل اسم (المواطن س) نجد المؤلف ملماً بقضايا الحرية الشخصية للأفراد، وضرورة أن يكون الإنسان منسجماً مع آرائه وأفكاره، وضرورة ألا يكون الإنسان مجبراً على تبني أفكار لا يقتنع بها أو بجدواها.. ويلمح إلى أهمية الاختلاف في التفكير والرؤى بين الأفراد.

فاضل السباعي (التاريخ السوري المعاصر)

السباعي الأديب المتعدد

فاضل السباعي نموذج لأبناء جيله من المثقفين السوريين والعرب، فدراسته الأكاديمية تختلف اختلافاً جوهرياً عن العمل الذي يمارسه في إبداعه وحياته، ويعود الفضل في ذلك إلى نهم المعرفة الذي عرف به، مما جعل إبداعاً واحداً لا يستوعب أنشطته وجولاته، لذلك رأينا فاضل السباعي يكتب القصة القصيرة، وأصدر فيها مجموعات عديدة منها، (“الشوق واللقاء” عام 1958، ”حياة جديدة” عام 1959، “مواطن أمام القضاء” عـام 1959، ”الليلة الأخيرة” عام 1961، ”نجوم لا تحصى” عام 1962، “12 قصة من حلب” العام 1964، “حزن حتى الموت” عام 1973، “رحلة حنان” عام 1975، ”الابتسام في الأيام الصعبة” عام 1983، “الألم على نار هادئة” عام 1985، ”اعترافات ناس طيبين” عام 1990).

كما كتب الرواية، وأصدر منها: (“ثريا” عام 1962، “ثم أزهر الحزن” عام 1963، “الظمأ والينبوع” عـام 1964، “رياح كانون” عام /1968/، الطبل عام 1992، “بدر زمانه” حكاية أسطورية – دمشق 1992).

وللسباعي إسهامات في مجالات الأعلام، إذ قدم ضمن سلسلة أبطال العرب: (عقبة بن نافع عام 1975، طارق بن زياد عام 1975، عمر المختار عام 1975، موسى بن نصير عام 1975، عمرو بن العاص عام 1975، غومة المحمودي عام 1975، عبد الكريم الخطاب عام 1977).

وفي سلسلة نوابغ العرب كتب؛ (عبد الرحمن الكواكبي عام 1975، سليمان الباروني عام 1975، عبد الحميد بن باديس عام 1976).

كما له كتاب عن إبراهيم هنانو وثورته ومحاكمته جاء بعنوان “الزعيم إبراهيم هنانو، ثورته ومحاكمته: دراسة تاريخية والسيرة، العام 1961.

وأصدر في أدب الرحلات، كتاب بعنوان “رحلة إلى المغرب” في العام 1977.

أصدر سلسلة ”شهرزاد الـ21“ قصصًا للصغار والكبار.

ويأصدر سلسلة ”الكتاب الأندلسي“، التي استهلّها بكتاب من تأليف شيخ المستشرقين الإسبان البروفسّور ”خوان فيرنيت“ بعنوان: ”فضل الأندلس على ثقافة الغرب“، والكتاب الثاني ”الأندلس في عصر بني عبّاد، دراسة في سوسيولوجيا الثقافة والاقتصاد“ تأليف الباحث المغربي د. أحمد الطاهري.

وكتب أيضاً، المقالة، والنقد، قصصاً عن اللغة الفرنسية.

بورتريه فاضل السباعي (صحيفة العرب)

اهتمامه بحقوق الإنسان

عمل في مجال حقوق الإنسان، وكان أحد الأعضاء المؤسسين في “اتحاد الكتاب العرب” منذ 1969. يَعُد نفسه من أنصار حقوق الإنسان ومن المطالبين بعودة مؤسّسات المجتمع المدني، وهو واحد من المثقفين السوريين الألف الذين وقّعوا عريضة ”ربيع دمشق 2001“.

الاعتقال

اعتقل مطلع الثمانينيات خلال لقائه عدداً من الطلبة في أحد مدرجات جامعة حلب وأودع الزنزانة، حيث أشار إلى اعتقاله في أكثر لقاء، وظلّ حتى رحيله نائياً بنفسه عن السلطة وظلّ مناهضاً للاستبداد في كتاباته منتقداً ممارسات النظام، خاصة في تعامله مع الانتفاضة الشعبية عام 2011.

الأديب فاضل السباعي في ايامه الأخيرة (صفحة الكاتب على فيسبوك)

ترجمات ورسائل جامعية

تُرجمت بعض قصصه إلى بضع عشرة لغة، منها: الفرنسية والإنكليزية والألمانية والروسية والفارسية والتركية وغيرها.

من أغلفة كتب فاضل السباعي

أعدّت المستعربة البولونية ”بياتا سكوروبا“ أطروحة عن روايته ”ثم أزهر الحزن“ ونالت عليها درجة الماجستير من جامعة كْراكوف.

وأعدّ المستعرب السويدي ”فيليب سايار“ أطروحة عن أدبه عنوانها ”رسالة في فنّ الفانتازيا في قصص فاضل السباعي“ قدّمها في جامعة استوكهولم.

وفي آب 2017 نالت الطالبة السورية “كلثوم سليمان” درجة الشرف على أطروحة الماجستير من جامعة إسطنبول وعنوانها “السرد القصصي عند فاضل السباعي”.

تحوّلت روايته ”ثم أزهر الحزن“ إلى مسلسل تلفزيوني تحت اسم “البيوت أسرار”.

صورة أخيرة للكاتب فاضل السباعي(بلا رتوش)

الحياة العائلية

أنجب ثلاث بنات “سوزان”، وبعدها “سهير” و”خلود” (وهما فنانتان تشكيليتان) وابنًا “فراس”. وهو جدّ لعشرة من الأحفاد والأسباط، أنجبوا ثمانية أطفال.

غادر البلاد في تشرين الأول 2013 إلى حيث معظم أفراد أسرته في فلوريدا/ الولايات المتحدة الأميركية متجنّسين ومقيمين، متابعًا نشاطه في شبكة التواصل الاجتماعي، وعاد إلى سوريا عصر الاثنين الثامن من حزيران 2015.

فاضل السباعي علامة روائية سوريا مهمة، واستطاعت أن تترك أثرها في الساحة الأدبية محلياً وعربياً، وسواء اتفقنا معها أم اختلفنا فهي بحاجة إلى دراسة حقيقية ومتأنية بعيدة عن الأحكام الانطباعية السريعة.

فاضل السباعي بين عائلته في فلوريدا (عربي بوست)
مصدر (إبراهيم الجبين، فاضل السباعي آخر رواد القصة العرب)، (علي سفر، فاضل السباعي الساخط أبداً) (محمد علاء الدين، في رحيل الأديب فاضل السباعي.. عن الزيف والأصالة والحياة) (الصفحة الشخصية للكاتب على فيسبوك)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.