غسّان كنفاني: لماذا لا تكون ندّاً قبل أن تموت

خاص بالأيام - أحمد عليّان

“نسفوك كما ينسفون جبهةً وقاعدةً و جبلاً وعاصمة” هكذا بدا غسان كنفاني في قصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، إنّها “محاولة رثاء بركان”.

غسّان الذي فرّ وعائلته من مدينة عكا الفلسطينية إلى لبنان في عام النكبة 1948، وله من العمر 12 عاماً، تنقّل بحكم اللجوء بين بيروت ودمشق والكويت، وأخيراً عاد ليستقرَ في العاصمة اللبنانية التي أنتجَ فيها جلَّ إبداعه حتّى اغتيل في 8 يوليو/ تموز عام 1972.

أصابع الاتّهام الفلسطينية والعربية أشارت نحو إسرائيل ورئيسة وزرائها آنذاك غولدامائير التي أدرجت اسم غسّان مع مجموعةٍ كبيرةٍ من المناضلين ضمن قائمةٍ أعطتها للموساد عُرفت لاحقاً باسم “قائمة غولدا”، لكنَّ إسرائيل لم تعترف بهذه الجريمة السياسية حتى اللحظة.

فما هو الخطر الذي شكّله غسّان على إسرائيل، وهو الفلسطيني اللاجئ في بيروت والمريض بالسكّر؟

غسان كنفاني (عرب 48)

الفدائي الذي لم يحمل بندقية:

اتّجه غسان كنفاني الذي درس الأدب العربي في جامعة دمشق، إلى النضال بالقلم، وحارب في مقالاته ورواياته وقصصه القصيرة التخلّف والجهل على ذات الوتيرة التي حارب بها محتلّ بلاده، فكانت مجموعته القصصيّة “أرض البرتقال الحزين” عام 1962، التي يقول فيها: “لماذا لا تكون ندّاً قبل أن تموت”.

يقول الذين عاصروا كنفاني: إنّه كان يحدّث أطفال المخيّمات عن فلسطين، ويشرح لأيّ إنسانٍ يلتقيه القضية الفلسطينية، حتّى قال فيه محمود درويش: ” لو وضعوك في الجنة أو جهنم، لأشغلت سكانهما بقضية فلسطين”.

وجد كنفاني في مجلّة الحرية الناطقة باسم حركة القوميين العرب منبراً له، وأصبح مسؤولاً عن القسم الثقافي فيها، ثمَّ أصبح رئيسَ تحريرٍ لجريدة “المحرّر” اللبنانية، وأصدر فيها (ملحق فلسطين)، تلاها انتقاله للعمل في جريدة “الأنوار” اللبنانية، كلّ ذلك قبل أن تتأسّس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967، التي انضمَ كنفاني لها وأصبح ناطقاً رسمياً باسمها، كما أسّس مجلّةً للجبهة تحمل اسم “الهدف” حيث أصبح رئيس تحريرها.

ولعلَّ تركيز غسّان على صناعة جيلٍ من الأطفال يكبرون على حليب القضيّة وخبزها، كان أكثر خطراً على دولة احتلال من كتيبة فدائيين.

خلال عمله صحفيّاً، كان من جهةٍ ينوّر ويعبّئ ويحشد الشعب الفلسطيني ليواجه المحتل، ومن جهةٍ أخرى يقاتل إسرائيل في عقر دارها الإعلامية، أي في أوروبا، حيث وجّه عشرات الدعوات للصحفيين الأوربيين، وشرح لهم القضية الفلسطينية وأخذهم إلى المخيّمات البائسة، وكانت الدنماركية آني هوفر التي قصدت سورية ثمَّ بيروت لتعرف عن فلسطين، ضيفةً في مكتب كنفاني الذي كان مرجعاً للقضية، وطلبت منه زيارة المخيّمات إلا أنّه اقترحَ عليها أن تتمهّل لتعرف أولاً عن القضية الفلسطينية، السيّدة آني بعد 10 أيّامٍ فقط أصبحت زوجةَ غسّان ليرزقا لاحقاً بطفلين فائز وليلى.

إلى جانب مقالات غسّان، كانت رواياته ومسرحياته وقصصه الـ 18 تؤدّي نفس الفكرة: إنشاء جيلٍ جديد يحرّر البلاد، الدعوة إلى التشبّث بالأرض، كما حصل في روايته الشهيرة “رجالٌ في الشمس”، حيث قتل غسّان أبطال روايته خنقاً في الخزان الذي كانوا يختبئون فيه أثناء رحلتهم غير الشرعية (تهريب) من فلسطين إلى الكويت بحثاً عن لقمة العيش، وكأنّما أردا القول: إنَّ الخروجَ من فلسطين يعني الموت، تبعها بروايةٍ أخرى حملت عنوان : “ما تبقّى لكم” وفيها تبشيرٌ بالكفاح المسلّح، فوُصف بالفدائي الذي لم يحمل بندقية.

غسّان كنفاني في مكتبه (ويكيبيديا)

ولعلَّ خروج رسومات الفنان الفلسطيني الشهيد ناجي العلي من إطارات الجدران في مخيّم عين الحلوة إلى الصحف والمجلات يُحسب إنجازاً لكنفاني، الذي استوقفته جمالية الرسومات على جدران المخيم أثناء زيارته له، فقدّم لناجي ما كان يحتاجه الأخير ليبصر نضاله الضوء.

شرعن أقوى الأعمال الفدائية:

في سبتمبر/ أيلول 1970، أي قبل اغتياله بعامٍ واحد، قامت مجموعةٌ من الفدائيين التابعين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بإجبار ثلاث طائرات على الهبوط في مطار “دوسن فيلد” العسكري في الأردن، واحتجزت 310 أشخاصٍ كرهائن، مقابل إطلاق سراح الفدائية ليلى خالد ومعتقلين آخرين، ولأنَّ كنفاني هو المتحدّث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان في واجهة الحدث، وقال ردّاً على سؤال صحفي أسترالي: “لم نرتكب خطأً بخطف الطائرات، على العكس، قمنا بواحد من الأشياء الأكثر صحّة في تاريخنا”.

كان غسان في بيته الكائن في منطقة مارتقلا البيروتيّة، عندما خرجَ من منزله ورافقته ابنة أخته المدلّلة والملهمة له، لميس.

كان الوقت ظهراً، عندما دخل غسان بسنواته الـ 36 إلى سيارته التي تفجّرت به وبلميس ابنة الـ19 عاماً.

لحقَ بغسان الكثير من المناضلين كناجي العلي وغيره ممّن حاولوا إسعاد “أرض البرتقال الحزين”، فسقوها فكرهم الثوري ونضالهم، ومن ثمَّ دماءهم.

مصدر موقع عرب48 الجزيرة موقع بوابة نيوز
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.