عيون ملونة

قصة قصيرة/ فاضل السباعي

جعل يركض ويركض. يقوده شارعٌ إلى شارع. لا يتلفت خلفه ليرى ما إذا كان أبو كركور في إثره، أو كانت تانك العينان المتفرستان تطلان عليه من شباك السيارة.. حتى وصل إلى ذلك الشارع الخلفي الذي كان قد انتزع من على رصيفه… وأخذ يموء طالباً أمه.

فاضل السباعي

جعل يركض ويركض. يقوده شارعٌ إلى شارع. لا يتلفت خلفه ليرى ما إذا كان أبو كركور في إثره، أو كانت تانك العينان المتفرستان تطلان عليه من شباك السيارة.. حتى وصل إلى ذلك الشارع الخلفي الذي كان قد انتزع من على رصيفه… وأخذ يموء طالباً أمه.

في أحد الشوارع الخلفية كان يمشي الهوينى، وهو يحسّ امتلاءً بعد وجبة دسمة فرغ للتو من تناولها.

فجأة، رأى سيارة سوداء تتسمر بجواره، تُطل عليه منها عينان واسعتان. نزل منها رجل، واتجه نحوه. حاول أن يهرب منه. و لكن الرجل بدا حاذقاً في اقتناص أمثاله ممن ينفصلون عن أمهاتهم بعد الفطام. جلس أمامه القرفصاء، يغريه، يستألفه، ثم التقطه من رجله، وإذا هو في قبضته وحمله بيديه الاثنتين، في قرف بادٍ، وعاد به إلى سيارته. جعله إلى جانبه. والرجل، ذو العينين المتفرّستين، يُطل عليه من المقعد الخلفي. أمره بأن يقلِبه ظهراً لبطن وتلمس موضعاً من جسده، ثم أن يرفعه بيديه ليتأمل عينيه.. قبل أن يعلن بفرح:

– يا له من قطٍ أبيض، وذي عينين كل واحدة بلون!
كان القط الصغير يعرف أن فروته بيضاء، وهو يعتني بها لعقاً بلسانه على الدوام، هكذا تعلم من أمه. ولكنه لم يكن يعلم أن العينين عنده يختلف لون كلٍّ منهما عن الأخرى، فذلك ما لا تُعيره القطط اهتماماً، وهو يلاحظ الآن أن ذلك ميزةٌ تَسُر بني البشر!

في انطلاق السيارة به من شارع إلى آخر، وفي حديث الرجل إلى سائقه، استطاع أن يعلم أنه ظل يحلُم، منذ زمن طويل، بأن يحظى بقط أبيض وذي عينين ملونتين، ليضمه إلى مجموعة القطط في بيته! إنه يفهم ما ينطق به البشر، ذلك شأن القطط الأليفة، ومن عجبٍ ألا يفهم هؤلاء معنى لمُوائهم، وإن صدر بمختلف النغمات والنبرات! حاول أن يموء محتجاً: “أنا لا أريد أن يضمني بيتك، أيها السيد المحترم! الحرية عندي أغلى. لا أريد أن تُفرض عليّ صداقةٌ حتى إن كانت لواحد من أبناء جنسي. أنا حر في اختيار الأصدقاء !”… وتذكر أمه، ورعايتها، وحنانها.

أهاب الرجل، المتصدِّر، بتابعه:
– خذه إلى الطبيب البيطري حالاً !
– حاضر، يا “باشا”.

ولماذا الطبيب، بيطرياً كان أو غيره ! إنه لا يشكو وجعاً، مثل بني البشر الذين يتوجعون من أوهى الأسباب. ما يشكو. ولكن الرجل تركه للسائق وغادر السيارة. ما هي إلا جولة حتى وجد نفسه محمولاً ليرمى بين يدي رجل يرتدي حلّة بيضاء. وما وعى إلا وماءٌ يُدلق عليه يكاد يُغرقه، وفروته تُدلك بقوة، ومع الماء صُبت مواد ذات رائحة… وغُسل وغُسل، وهو يموء ويموء كُرهاً بالماء، وليس من يرحم. بعد التغسيل نُشف جسمه، وجُفف بهواء ساخن، ومررت عليه فرشاة تسُل من فروته الشعر المتساقط. وبعدئذ خاطبه غاسله:

– الآن… أصبحت قطاً يُشهّي البوس، جديراً بأن تدخل بيوت الأكابر!
وطبع، الغليظ، على رأسه قبلة، أتته منها رائحة أنفاس غير طيبة.
– ومن أين جئتم بهذا القط المدهش؟
أجاب السائق متحذلقاً:
– وجدناه خارجاً من… المزبلة!

وما كان هذا الحوار ليعنيه كثيراً. و لكن الرجلين تناولا كلمة لم يفهم معناها، وتحدثا عن “عملية جراحية” تتعلق بذلك، وعن موعد، وعن وعن.. أقلقه هذا الكلام كثيراً حتى إنه ظل، طول الطريق، يفكر في هذا الذي سمع.

على الباب، باب الحديقة العريض، رأى حرساً ذوي أحذية ثقيلة فارتعش، وهم يحملون بنادق فارتعب. وفي داخل البيت استقبله الأولاد فرحين. كان الخبر قد سبقه إليهم. و أخذوا يتخاطفونه، يحتضنونه، ويقبّلونه، ويلاعبونه، وهو يضيق بهم . وأقبلت الأم تقول بغضب:
– ألن يشبع، حضرته، من القطط! أربعة وهذا الخامس!
وإذن، فإن هنا أربع قطط، رآهم وقوفاً حوله، وقد شالت ذيولُهم، يرسلون إليه نظرات تجمع بين الاستغراب و الاختيال!
لفت الولد الأكبر نظر أمه:
– انظري، يا ماما، إن عينيه مختلفتا اللون!
– هاتِ لأرى.
تأملته و ابتسمت.. ثم أخذت تمسح ظهره بيد حنونة، مدغدغة رقبته:

– ما شاء الله! عين خضراء و عين عسلية اللون. هذا حُلمُ أبيكم القديم.

ثم إنه ترك لشأنه، يَسرح، في هذا البيت الفسيح، مع القطط الأربعة، و قد انقاد لهم: أسود، وأشقر، ومرقش بالأبيض والأسود، والرابع رمادي غريبٌ في توزع لونه. رآهم يدخلون غرفة صغيرة فيها ما يأكلون: تلمس بشاربيه، تشمم وتذوق، ثم أقبل يشاركهم الأكل دون منازعة. وبعد الأكل أحس عطشاً. وكانوا يشربون من وعاء فيه الماء يجري، فلعق منه حتى الارتواء. في المكان أسرّة، لكل واحد منهم سرير، من الإسفنج اللين المتموج سطحُه، قد جُلل بقماش. وفي الزاوية هناك ما يشبه “صندوقاً” ذا كُوة، في قاعه تربة من نوع ما، يدخل القطط إليه ويخرجون، ففعل مثلهم.

ولقد ود التحدث إلى هؤلاء القطط. ولكنه أحس أن مسافة ما تفصل بينه و بينهم: هل مردّ ذلك إلى أنهم يرون فيه وافداً جديداً غريباً، فهو الارتياب! أو قطاً صغيراً قليل الشأن، فهو الاحتقار! أم على العكس من ذلك: لاحظوا فيه عينيه الملونتين، فهي الغيرة إذن!.. أم ماذا يا ترى؟ إن في نفسه أن يسألهم عما إذا كانوا سعداء حقاً وهم يعيشون في هذا البيت الأنيق، أم أنهم يحنون إلى عالم الحرية، هذا الذي انتُزع منه صباح هذا اليوم؟

في المساء احتضنه الباشا، داعبه ولاطفه، ثم قال لأولاده:

– هذا القط نحن محظوظون به، يا أولادي. وهو أيضاً محظوظ بنا: من الرصيف، إلى الطبيب، إلى بيتنا. سأسميه “محظوظ”، و لكن باللفظ الإنجليزي “لاكي”!

وخلال مناداة الأطفال له بهذا الاسم الأعجمي، لم يَفُته أن يسترق السمع إلى ما بدأ يدور بين الزوجين من حوار. الرجل يردد اسم لاكي مقروناً بكلمة “إخصاء” (ويا لها من كلمة غامضة!)، والمرأة تصر على ما تُسميه “نزع المخالب” (ويا لها من كلمة غامضة أخرى!). و قد ردد الاثنان رقماً أو رقمين عدة مرات: ثلاثة أشهر، ستة أشهر… و هو لا يفهم مما يسمع شيئاً أي شيء!

فلما آن لأهل البيت أن يناموا، رأى الخدم يقومون بمهمة البحث عن القطط الأربعة، وهو خامسهم، في أرجاء البيت الكبير، والقبض عليهم، وإيداعهم فيما يسمونه “بيت القطط”. وهو لم يُتعِب أحداً في الإمساك به، قبل أن يجد نفسه يُرمى في ذلك المكان فوق سرير إسفنجي جديد مجلل بقماش زاهي الألوان.

وفي هدأة الليل، ووراء الباب المغلق، رأى لاكي المسافة تضيق بينه وبين أصدقائه الجدد. تعرف عليهم واحداً واحداً: “عنبر”، “حمّور”، “هارون”، و”سيام”.. وعرّفهم بنفسه:

– في الصباح كنت أمشى الهوينى على الرصيف، في أحد الشوارع الخلفية، حراً طليقاً.. سيارة توقفت.. نزل السائق.. لم أستطع الإفلات منه..

ضحك القطط الأربعة:

– إنه “أبو كركور”، هذا يأخذنا ليحلِق لنا فِراءنا كلما طال شعرنا!
وانفتحت السِّير وكرت الحكايات: “عنبر” الأسود، التُقط من قارعة الطريق، كما التقطه هو أبو منصور.. “حمور”، دخل البيت ضيفاً في غياب أصحابه في سفر، ثم لا يعرف لِمَ لم يستردوه… “هارون”، وُجد ضالاً بعد خروجه من بيت أصحابه، فاقتنصوه.. “سِيَام، هذا الرمادي اللون، الأسود الأنف، يدّعي أنه جيء به بالطائرة من بلاد بعيدة، و أن له أوراق نسب وجواز سفر!

أما الفِراء المحلوقة، فقد عرف أنه يُحلق لهم كلما طالت شعورهم. وقد كانوا يَحلِقون، بين الآونة والأخرى، للأربعة دفعة واحدة، فغيروا العادة بأن أخذوا يحلقون لاثنين فقط دون الآخرين، ولكن الباشا رأى أن ذلك يُظهر الحليقين وكأنهما أجربان بالقياس إلى القطَّين المؤجلة حلاقتهما، فقرر توحيد يوم الحلاقة!

***

وكما جرى لاكي على أن يستقي المعلومات من أصدقائه وهم في “بيتهم” ليلاً يسمُرون، فقد وجد أن المعلومات من نوع آخر يمكنه أن يستمدها من بيت الأسرة، وخاصة ما بات يستمع إليه من أحاديث يتداولها الباشا مع ضيوفه في اجتماعهم في ذلك الصالون، تعلو منهم الأصوات وتفرقع الضحكات، وفي الأيدي كؤوسٌ ترتفع إلى الأفواه، وبعدها تُلتقط حباتٌ من صحون في متناول الأيدي!

إنهم يتناقشون، ويُطيلون النقاش فيما عَرَف أنه “السياسة”: كيف يسوس الحاكم الرعية؟ كيف يسوق القائد مرؤوسيه؟ كيف يصل أحدهم إلى ما يصبو إليه؟ ولم يكن يُسمح للقطط الأربعة، أو الخمسة، بالدخول إلى الصالون دائماً، ولكنهم يتسللون في غفلة من العيون أحياناً. وقد وجد لاكي نفسه، في البداية، ينتقل بين الأحضان، بصفته قطاً جديداً صغيراً جميلاً، يصغي إلى عبارات الاستحسان بألوان فروته وعينيه. و قد سمع، في ليلة، أحدَهم -ذاك الأعلى صوتاً – يخاطب ربّ البيت في مباسطة فاضحة:

– كأننا نراك، يا باشا، تجعل من هذه القطط في بيتك “حقل تجارب”، تتمرن بها على سَلّ قوة الرعية، وتطويعها، وتدجينها !!
ويا له من ضحك، صدر عن الجميع، صاخباً معربداً، قبل أن يُسكتهم رفعُ الكؤوس إلى الشفاه.
سَلُّ قوة، تطويعٌ وتدجين.. ماذا يعني هذا!
ثم كان لا بد من أن يعرف لاكي من أصدقائه، أن عملية الإخصاء تعني أن يفقد القط فحولته.. ذلك ما حل بهم واحداً بعد آخر، لدى دخولهم هذا البيت أو قبل قدومهم إليه.
مرة سأله صديقه عنبر، الذي بدا أقرب القطط إليه، وهما معاً في شرفة في البيت تطل على شرفة للجيران:
– أترى إلى تلك “القطة” هناك، الجميلة، المتأنقة، في عنقها طوق ذو جلاجل!

أجابه لاكي:

– أراها، وإنها ترنو إلينا من بُعد.
– هل تهفو نفسك إليها؟
– جداً.
– بعد الإخصاء، الذي سيجري لك عما قريب، لن ينتابك هذا الإحساس. ذلك ما أنا فيه منذ عدت من عند الطبيب وفي أسفل بطني ضِماد !

ولم يَطل الأمر كثيراً بـ لاكي، بعد هذا الحديث. فذات صباح، منعوا عنه الأكل تمهيداً لعمل شيء. وبأمر من الباشا، حمله أبو كركور إلى الطبيب ذي الحلة البيضاء (بئس اللون الأبيض!). وبدلاً من أن يتناوله هذا بالغسل والتطبيب كالمرة الأولى، غرز في ساقه إبرة، فغلبه النعاس، وأغفى إغفاءة ما أفاق منها إلا وقد انتهى كل شيء! ولم يحزن عليه من أصدقائه إلا عنبر.. وأما الباشا، والأولاد والخدم والحشم، فقد استقبلوه فرحين وكأنه زُف إلى عروس! و تخيل، هنا، أمه: كم كانت تحزن عليه لو أنها إلى جواره!

خسر لاكي حريته، ثم فحولته.. وماذا بعد ذلك؟ “نزعُ المخالب”. وهو لا يكاد يدرك حقيقة الأذى الذي سيحيق به من جراء ذلك، فقد وجد نفسه منذ وعى مزوداً بمخالب تمكنه من الدفاع عن نفسه. ولكن بدا له الآن أن لها منافع أخرى. فقد رأى أصدقاءه القطط، وهم في جريهم على الأرض، إن هموا بالتوقف انزلقت قوائمهم على البلاط، فإن نهاياتها لا تعدو أن تكون قطع لحم قد نُسِل منها ما يَنشب في الأرض ويعين على الثبات.

و لكنه لاحظ، في ذلك كله، أن الباشا، رب هذه الأسرة الثرية التي تُدعى “القواديسي”، لم يكن يحظى بمحبةٍ حقيقية من قبل زواره المحترمين هؤلاء. ذات ليلة تسلل، مُقعِياً بين أقدام اثنين من الضيوف كانا متجاورين حتى الالتصاق فسمع طرفاً من حديثهما، الذي كانا يَنفَسان فيه على الباشا ما تملك، في غفلة من الدهر، من ثراء و نفوذ وصولجان. أحدهما قال للآخر هامساً:

– ابن القواديسي، باتت له صولة و جولة ! رَحِم الله أباه في سوق النجارين، يا للي بعد اعتماد المزارعين على الآبار الارتوازية في سقاية أراضيهم، استغنوا عن استخدام “الغَرّاف”، فكف عن صنع “القواديس”، حتى كاد يموت من الجوع ! واليوم ابنه يملك، – قولة الكذاب -، نصف البلد!

فرد عليه الآخر، مدارياً فمه بيده:

– اسكت ! والله لو سمعك لألقى بنا نحن الاثنين في غيابة سجن وما سمع بنا أحد!
ولقد سمع لاكي مرة الباشا ينادم زوجته، ورأسها على صدره، فيقول:

– إني لأعجب من انصرافك عن حب القطط، يا زوجتي الحبيبة! يقولون إن المرأة تحب القطط لتشابه المزاجين، فكلتاهما تتلقيان الدلال ثم تتنكران له في لحظة غضب! وأما الرجال، فإنه يقال أن مزاجهم أشبه بمزاج الكلاب، فالرجل والكلب يصبران ويتحملان طويلاً قبل أن يستبد بهما الغضب العاصف!

وقبل أن تظهر بوادر الغضب على الخانم، رأى لاكي يد الباشا تربت خد زوجته واعداً إياها بعقد يُطوق هذا الجيد الرائع!

وكما لاحظ لاكي أن الباشا يُتقن فن الكر والفر، والهجوم والمداراة فقد رآه – كذلك- لا يكف عن التباهي بحبه لقطط البيت وبمبادلتهم هم له هذا الحب. فهو يقول أن سِيام – في تسلله إلى غرفة النوم – يفضل أن ينام في سرير الزوجية، في الشق الأيسر منه حيث اعتاد هو الهجوع فيه ! وهارون لا يُرى – إذا دخل هذه الغرفة- إلا مستلقياً فوق بيجامته المرمية هكذا على الكرسي، فكذلك يطلب من الخدم أن يتركوها! وحمور يتمدد على البنطال فوق الكرسي الآخر مسترخيا ! وأما عنبر، فإنه يحلو له – بزعم الباشا- أن يغفو بجوار حذائه الثقيل، دون أن يفوته أن يرسل إحدى قوائمه إلى داخل فردة منه قبل أن يستغرق ! وقد ود لاكي لو يسأل صديقه عنبر عما إذا كانت هذه حقاً عادة فيه، لولا أن سمع الباشا يقول: و سوف أُعلم لاكي غداً كيف يتولع بحذائي الجديد!

وقد حدّث لاكي في أمره أصدقاءه، فما اهتزت فيهم شعرة من فِرائهم المختلفة الألوان. يراهم يأكلون، ويشربون، ويلعبون، ويلعقون أجسادهم بألسنتهم الرطبة، ويتناومون متمددين على الأرائك والطنافس والبلاط، تحت أشعة الشمس أو قريباً من المكيفات، يتثاءبون خاملين، ويتمطَّون، بأن يُباعد أحدهم ما بين قوائمه الأمامية والخلفية حتى يمس بطنه الأرض، أو هو يُقارب ما بينهما مقوساً ظهره… وفي ذلك يعبر الباشا عن منتهى إعجابه بما يُسميه “هذا التشكيل البديع” ! وإن ليُسمي بَركة أحدهم على الأرض، باسطاً قائمتيه الأماميتين ومضمراً الخلفيتين، بأنها قعدة “أبو الهول”… ومن هو هذا القط المهول؟

أخذ لاكي، وهو يقضي لياليه في بيت القطط، يفكر بصوت عال:

– الباشا، يا أصدقائي، يأسرنا، يُدجننا، يستأصل أعضاءنا، يُغير طبيعتنا الحيوانية، ويحاول أن يُنسينا حتى المواء. ذلك من أجل أن يستمتع بمشاهدتنا قائمين نائمين، متثائبين متمطّين، ويرى في ذلك تشكيلات تروق له.. ولا ينسى أن يُرضي الخانم، بأن لا يُبقي لأحدنا مخلباً في قائمة، حفاظاً على أثاث بيتها!

ولم يكن لهذه المقولات أن تفعل شيئاً في نفوس أصدقائه، هؤلاء الذين خسروا الحرية والفحولة والقدرة على النضال. إنهم يستمعون إليه بأعين ناعسة، وقد اعتادوا أن يأكلوا مما يُقدم إليهم من طعام لا يتغير مذاقه، أين هو من تلك “الموائد المفتوحة”! وما زالوا يشربون من هذا المنهل العجيب! ويتبرزون داخل الصندوق، فلا يحفرون بمخالبهم في الحدائق ويطمّون! مفتقدين الحنين إلى قارعة الطريق، متهيِّبين السعي في مناكب الأرض.. إلا عنبر، الذي سأله مرة:

– وماذا تتوقع منا أن نفعل؟
– نستسنح الفرصة، وننطلق إلى الحرية.
– جربتها، يا لاكي.. فلما نزلوا إلى الشارع يبحثون عني تعمدت ألا أغيب عن أنظارهم. خشيت أن يقذفني الأولاد الأشقياء بالحجارة، وعَدْوي – مع سِمنتي- لم يعد سريعاً. كما أني فقدت المقدرة على التنازع مع القطط حول لقمة الأكل. وأما رغبتي الجنسية، فقد ماتت من يوم أن غرزوا في ساقي تلك الإبرة اللعينة، التي عرفتها أنت مرة وذُقتها أنا مرتين!

ودّ لاكي الصغير لو يبكي حزناً على ما آل إليه صديقه الصَّدوق من اليأس الفظيع، وأن يبكي – قبل ذلك – حزناً على حاله هو وعلى ما سوف يؤول إليه. وتملكته، منذ الساعة، عزيمة صادقة على أن يغادر هذا البيت هارباً، قبل أن يبلغ الأشهر الستة من عمره، فيتأبطه أبو كركور، ثم يعود به وقد ضُمدت قوائمه الأربع. ورسم لنفسه أن يتسلل من الباب إن أمكنه ذلك، وإلا رمى بنفسه من إحدى شُرُفات البيت إلى الحديقة، يعلق بين أغصان الشجر يستقبله المرج الأخضر، يتحطم على أُصص الزَّريعة، ينجو، يموت.. إنه يريد التحرر بأي ثمن من هذا النعيم الكاذب، الذي يفقد فيه كل مقومات الحياة. سماه “محظوظ”، ومن قال له أنه سعيد بالعيش في بيته؟!

* * *

فُتح الباب على مصراعيه مرة. كان لاكي قربه، مُقعياً على قائمتيه و كأنه يتفرج على ما يَعتلون إلى الداخل. ولم يصعب عليه أن يتسلل من بين الأقدام، قافزاً على الدرج بخفة، مستعيناً بمخالبه التي لم يئن لهم أن ينسُلوها من قوائمه، مجتازاً الحديقة، منسرباً من الباب الخارجي، على مرأى من الحراس الذين لم يبادروا إلى استعمال بنادقهم ضده!

جعل يركض ويركض. يقوده شارعٌ إلى شارع. لا يتلفت خلفه ليرى ما إذا كان أبو كركور في إثره، أو كانت تانك العينان المتفرستان تطلان عليه من شباك السيارة.. حتى وصل إلى ذلك الشارع الخلفي الذي كان قد انتزع من على رصيفه… وأخذ يموء طالباً أمه.

أحس بلسع البرد. لطا في مكمن. وما هو حتى وافته أمُه الحنون، ثم لحق بها إخوته. أقبلت عليه بلهفة. كان يلهث، وكان متعرق الجسم. و فيما هي تشمه من هنا وهناك، اكتشفت أنه قد..

– فعلوها، بني الإنسان ! إنهم لا يحترمون حيواناً!
شكا إليها:
– و كانوا يستعدون لنزع مخالبي، يا أماه!

قالت في أسى:

– الإنسان يظل إنساناً!

وجعل يتخيل، وهو في مكمنه، أن الأولاد هناك قد خرجوا من البيت يبحثون عنه في أرجاء الحديقة.. ثم أولئك ينطلقون إلى الشوارع القريبة، والنداءات منهم تتلاحق: “لاكي! لاكي!”، وقد ظنوا أنه خرج من البيت خطأ، وأنه ضلّ طريق العودة إلى بيتهم المترف!

على النوع، كان القط المسكين ينزوي في ركن، ويأسى على نفسه.

إلا أن كثيراً من حزنه يتبدد، عندما يُنشب مخالبه في الأرض، محدثاً نفسه:

لي مخالب، فأنا قادر على البقاء!”

مصدر الكاتب فاضل السباعي في موقع القصة السورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.