عيد السوريين.. بحث عن لحظة فرح في أجواء مسكونة بالحزن

كيف لفرح العيد وبهجته أن يدخل قلبي، فأنا منذ خمس سنوات وإلى الآن لم أشتر حلوى العيد، ولا حتى أصنعها في البيت، وكلما طلب زوجي ذلك أسارعه بالقول؛ بأن ذلك خيانة لابني الشاب، كيف أفرح وقد وارى الثرى جثمان حمادة.

43
الأيام السورية؛ علياء الأمل

كنا وما زلنا نفرح لقدوم العيد، وترقص القلوب للعيد وبهجته، فهو منة الله على عباده، لكننا في سوريا يأتي العيد علينا ثقيلا وحزيناً، حسب قول أم حمادة؛ التي فقدت ابنها البكر في يوم وقفة العيد إثر قصف للطيران الأسدي على قريتهم التي ذهب ضحيته ٢٠ شخصا من أبناء قريتها ومن ضمنهم ابنها الوسيم.

موت وفقد ليلة العيد

تروي لنا تفاصيل ذلك؛ أنه بعد الإفطار مع أسرته خرج لعند صديقه عبد الله ثم ذهبا لساحة القرية ليكونا شهيدين جميلين بإذن الله.

تضيف؛ كيف لفرح العيد وبهجته أن يدخل قلبي، فأنا منذ خمس سنوات وإلى الآن لم أشتر حلوى العيد، ولا حتى أصنعها في البيت، وكلما طلب زوجي ذلك أسارعه بالقول؛ بأن ذلك خيانة لابني الشاب، كيف أفرح وقد وارى الثرى جثمان حمادة.

في هذا العيد قررت أن أخرج من حزني، فأعددت الحلويات من معمول بالجوز والبسكوت المعجون بجوز الهند نزولا عند رغبة بناتي وزوجي، واشتريت لأول مرة ثوبا جديداً فغمرت السعادة أسرتي البسيطة التي اشتاقت للفرح ليدخل ديارنا بعد فقد ابنهم حمادة.

زيارة القبور ومناجاة الأحبة

في صباح العيد اختلطت ذكريات الأمس بيوم العيد، فعند صغري كنت التحق بجدتي لزيارة المقبرة، وأذكر كيف تجلس جدتي قرب القبر، وتتأوه متحدثة لزوجها المتوفى، وكيف كانت تتحدث له وكأنه على قيد الحياة، وحال عودتنا أضحك وأقول لوالدي أن جدتي تتحدث مع التراب والأحجار، لكني في صباح هذا العيد كنت أنا من يناجي التراب، فقد سارعت إلى المقبرة كغيري من أمهات الشهداء، أناجي فلذة كبدي وأحدثه عن ألم فراقه.

ترجع أم حمادة بذكرياتها حال عودتها إلى البيت، وتقول؛ عندما كنت صغيرة أعيّد والدي بعد عودته من صلاة العيد ليقوم بإعطائي العيدية مع بقية أخوتي.

“العيدية” وقرحة الأطفال

والدي كان عامل بيتون، يعمل عملا شاقا حتى يؤمّن لنا عيشا كريما، أتناول العيدية التي لم تكن تتجاوز الفرنكين أي عشرة قروش من الليرة، أفرح كثيرا بها وما إن أغيب ساعة حتى أعود للبيت وآخذ غيرها، وأيام العيد أبقى بين الأراجيح والقلابات منذ الصباح حتى المساء، وكلما انقطعت أقترب من الباب فإذا جاءنا ضيوف أعلم إن الفرج قد جاء.

تضيف؛ يصاب والدي بالضجر مني ومن أخوتي لكثرة طلباتنا، وكنا نلعب بالقرب من البيت في لحظات العيد الأولى ونحن في انتظارِ لقدوم أعمامي وأخوالي حتى نؤمّن على العيدية من الكل، إلى أن يمتلأ الجزدان، ثم ننطلق للأراجيح والقلابات ولا نعود للبيت إلا وقد صرفنا كل ما بجعبتنا.

كان عيدا وسعادة، واليوم يلي بروح ما بيجي متله حسب قولها.

بأي حال يا عيد

تقول والألم يعصر قلبها؛ اليوم عيدي وأنا على المقبرة وقد لفني الحزن والسواد، وإذا عدت إلى البيت لا أستطيع أن أعطي أحفادي العيدية التي يطلبونها، فنحن بالنزوح بالكاد نتمكن من تأمين الخبز لسد رمق العائلة.

عيدنا؛ فقر وتشرد وبعد أحبة، وفقدان فلذات أكبادنا، عيدنا سيبقى أسودا إلى أن تعود كامل سوريا موحدة وبكل أطيافها أحبة وأهل وأخوة، نتنقل بكل أرجائها دون خوف أو وجل من باقي النسيج السوري؛ لتكتمل الفسيفساء السورية ونحن جسدا واحدا لا تفرقنا المحن والآلام.

مصدر أرشيف الأيام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.