عودة مشاكس الدراما في مرايا جديدة 2019

الأيام السورية؛ يامن مغربي

نتذكر في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، حينما كانت الدراما المصرية تكتسح الشارع العربي عاطفياً وعقلياً، كان في سوريا محاولة نهوض ساذجة لصناعة شيء مختلف، تنافسي، وأكثر تطوراً. إنها بالضبط المرحلة الماغوطية (محمد الماغوط) والعدوانية (ممدوح عدوان)، ومع جيل كامل من الفنانين والمثقفين من أمثال هيثم حقي ومأمون البني وعبد النبي حجازي ونهاد قلعي ونبيل المالح ودريد لحام.. الخ.

في تلك الفترة منذ حوالي 35 سنة وتحديداً في العام 1982، عندما كانت سوريا تُحكم بالحديد والنار. خرج ياسر العظمة من تحت عباءة دريد لحام ليقدّم مشروعه الفني والثقافي والسياسي، فكان المشروع الدرامي (مرايا).

خلال أكثر من ربع قرن لا يمكن لأي سوري أن ينسى تجربة مرايا مع العظمة، وما قدّمته للمجتمع، وإن أردنا إعطاء الحق لأصحابه؛ لقلنا أنّ مرايا كان لها الدور فاعلاً وإيجابياً في خلق حالة انتقادية من الواقع المعاش، وإن كان بلغة مواربة، ولكنها بلا شك خلقت أثراً من خلال النقد التدريجي والمتراكم.

مع أحداث الثورة السورية وتراجع الدراما، كان لمرايا ذات التراجع، لكن مؤخراً ذاع خبر عودة مسلسل مرايا الى الشاشات في الموسم الرمضاني المقبل قبل شهور قليلة، بعد توقفه لما يقارب الخمس سنوات.

عودة العظمة تأتي في ظروف عدة تمر بها الدراما السورية والعربية، ما بين ادعاءات بأنّ الدراما السورية تتعافى من جهة، وتوقعات بسيطرتها هذا العام على الموسم الرمضاني العربي

عودة المسلسل في رمضان 2019، بعد هجرة مؤسسه وبطله الفنان ياسر العظمة من سوريا واستقراره في عدة دول عربية، ومحاولة إطلاقه سابقاً في الجزائر، أثار بعض الجدل بين المتابعين، خاصة وأن كل فريق سياسي في سوريا يدّعي أن العظمة ينتمي إليه، سواء كان موالياً أم معارضاً، خاصة وأن العظمة لم يصرح بأي موقف سياسي منذ العام 2011، وإن تواترت الأحاديث من المعارضة والموالاة للنظام السوري عن مواقف عدة فعلية اتخذها العظمة، منها فتح بيته في الزبداني عام 2011 للنازحين في الشتاء، وما إلى هنالك، بينما يقول البعض أن الدراما السورية تحاول النهوض، عبر استعادة كوادرها الغائبة والتأكيد أن الأمن والأمان قد عادا والتصوير في دمشق لم يعد مستحيلاً كما السابق، هذا ما يروّج له النظام السوري منذ مدة ليست بالقصيرة.

عودة العظمة تأتي في ظروف عدة تمر بها الدراما السورية والعربية، ما بين ادعاءات بأنّ الدراما السورية تتعافى من جهة، وتوقعات بسيطرتها هذا العام على الموسم الرمضاني العربي، مع انخفاض عدد الأعمال المصرية بشكل غير مسبوق مع احتكار الإنتاج هناك.

وإذا غصنا في أسباب الجدل الحاصل فلا بدّ من ربطه بحالة من الحنين تجتاح عقول السوريين وخاصة المهجرين منهم.

مرايا؛ عمل مرتبط بذاكرة السوريين على مدى عقود، العظمة وعلى مدى سنوات كان صوتهم في انتقاد السلطة وأفرع الأمن في سوريا، ولو كان هذا الانتقاد أو المواجهة تحت سقف الوطن وبحدود معينة بطبيعة الحال، إلا أنّ شكل السخرية المطروحة، وتوقيتها، ومن ثم غيابها على مدى سنوات الحرب، تجعل لياسر العظمة مكانة في هذا الحنين، خاصة مع غياب أي تصريح مباشر للعظمة لما دار ويدور في سوريا منذ سنوات. وقد قالها العظمة: “موقفي هو كل ما قدّمت في مرايا خلال كل تلك السنوات”.

تبرز عدة تحديات أمام العمل المنتظر، العظمة يعرف أنّ شكل الانتقاد وحدوده لم يعد مقبولاً لدى السوريين بشكله السابق، ويعرف أيضاً أنّ شكل الانتقاد السابق حتى لم يعد مقبولاً أيضاً لدى النظام، وأنّ السقف ما عاد مرتفعاً من وجهة نظر النظام السوري كما كان سابقاً.

ياسر العظمة ومرايا يشكلان علامة بارزة في ذاكرة الجزء الأعظم من السوريين، والتي ما زالت حتى اليوم تُشاهد رغم مرور كل تلك السنوات

التحدي الثاني؛ هو غياب أعمدة مرايا على مدى السنوات السابقة، سليم كلاس، وحسن دكاك، وعصام عبه جي، وهالة حسني، وتوفيق العشا (مع حفظ الألقاب)، أصبحوا في ذمة الله، وهم إلى جانب العظمة قطع أساسية في هذه السلسلة الطويلة، حتى مع وجود باقي الفنانين الذين شكّلوا هذه الأعمدة (عابد فهد مثالاً)، هذه الأعمدة ما كانت ضيوفاً في الأجزاء الممتدة منذ الثمانينات، بل كانت صاحبة مشروع نقدي موجّه، وشريكة أساسية فيه، ونستطيع ذكر عشرات اللوحات التي غاب عنها العظمة، وكانت الأسماء السابقة وحدها فيها.

الفنان ياسر العظمة؛ يغامر مغامرة كبرى اليوم، الرجل صاحب مشروع فني وثقافي على مدى أعوام، ساهم فيه ببناء أجيال كاملة، مقدماً لنا لوحات من الأدب العالمي ومما سمع وشاهد وقرأ، بمستوى عال، ويعتبر أسطورة للكثيرين ليس في سوريا فقط بل في العالم العربي ككل، ونجاح المغامرة هذه المرة مرتبط بالكثير من العوامل التي لا ترتبط به فقط ولا بفريق عمله، البلد في حالة انهيار، والجميع يعرف هذا، قواعد الإنتاج تغيّرت وما يسمى الحصار على الدراما السورية مستمر، كما الأزمات اليومية، وهذا بحدّ ذاته تحد لقدرة الفنان الكبير على الإنتاج.

من جهة أخرى انبرى البعض لمهاجمة العظمة بعد نيته العودة إلى سوريا وإعادة العمل بمرايا، وحاولوا المس بمواقف الرجل وحاولوا إلصاقه بالنظام، ولا أحد يعرف على ماذا اعتمد هؤلاء؟ وهم أنفسهم لم يقدموا سوى أسوأ ما يمكن في الإعلام السوري منذ ما يقارب الأربعة أعوام تحت بند السخرية والنقد الفني (إعلام معارضة أم نظام)، مستغلين حالة الفوضى المنتشرة في الثقافة والفن السوريين، متناسين تاريخاً كاملاً لرجل قدّم فناً مميزاً ومبتكراً في عصر كانت الدراما عبارة عن مشروع متهالك. فن قد نتفق أو نختلف معه، إلا إن العمل في بلد منغلق وديكتاتوري كسوريا بحد ذاته مغامرة وأشبه بتضحية.

ياسر العظمة ومرايا يشكلان علامة بارزة في ذاكرة الجزء الأعظم من السوريين، والتي ما زالت حتى اليوم تُشاهد رغم مرور كل تلك السنوات، وهذا إن دل على شيء، فهو دليل على أصالة الكوميديا التي صنعها والفن العميق والنقد الجريء في عصر كانت الدراما وفنانوها عبارة عن طبالين للنظام السوري.

وعليه فإنّ أي نقد استهزائي لا يحمل أسس النقد الفني والأخلاقي هو أشبه بجعجعة لإثارة غبار، تحت اسم حرية الإعلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.