عودة السوريين إلى ديارهم

 

بقلم: خطيب بدلة

أعيدوا السوريين إلى ديارهم.. هذه العبارة يقولها لي صديقي الشاعر الكبير العم صالح سناري، كلما تحدثتُ إليه عبر الهاتف، ويضيف بلهجته المعاتبة المحببة: شو قاعدين تشتغلوا في اسطنبول، إذا ما بودكم تعيدوا الناس لبلادهم؟

لو كان أحدٌ غير العم صالح يقول لي هذا الكلام، لسألته بطريقة استفزازية: مَنْ أكون أنا حتى أعيد ما يزيد عن ستة ملايين سوري، هَجَّرَهم ابن حافظ الأسد من ديارهم؟ أأنا جورج دبليو بوش، مثلاً، أم أبو حسين أوباما؟ وإذا تمكنت من إعادتهم، مَنْ يضمن لي أنهم سيستطيعون إعادة تأهيل منازلهم التي هدمها الطيران السوري الصديق، بالتعاون مع الطيران الروسي الشقيق؟ وإذا قبلنا بأن هناك أشياء خيالية تحدثُ في الواقع، وبناءً على هذا، أغمضَ الواحدُ منهم عينه، وفتحها، ليجد بيته جاهزاً للسكنى، فَمَنْ يضمن لنا ألا تعاودَ الطائرات قصفَهُ، وقتل ساكنيه الذين عادوا إلى ديارهم، بناءً على نصيحتي؟ وإذا تمكنتْ الفصائل الإسلامية التي تحكمُ منطقةً ما من عقد هدنة مع إيران، أو مع روسيا، أو مع الأمم المتحدة، أو حتى مع بقايا نظام الأسد، وطلبتُ أنا من السوريين الهاربين من ديارهم أن يعودوا، فهل يمكنني أن أكفل لهم تمديد الهدنة مرة أخرى، وأؤمِّن لهم، فوق ذلك، المازوت، والماء، وأمبيرات الكهرباء، ووحدات الموبايل واشتراكاً قوياً بالإنترنت؟

المشكلة العويصة التي ستعترضُني، حينما أكون بصدد مطالبة السوريين بالعودة إلى ديارهم، أن تكون نساءُ بعضهم معتادة على الخروج في الشوارع سافراتٍ، أو متبرجات، ووقتها لن يستطيعوا التفاهم مع الهيئات الشرعية وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تعتبر أن أهم علامات نجاح الثورة السورية إلحاق المزيد من الكبت والقمع ومصادرة الحرية بالسوريات.

لم أفكر، ولو لحظة، أن المقصود بكلام العم صالح سناري أن يتنازل السوريون عن ثورتهم مقابل السماح للمهجرين بالعودة إلى ديارهم، فهو يعرف، مثلما أعرف، أن بقاء وريث حافظ الأسد في السلطة سيعني، حتماً، استمرارَه في قتل السوريين، وتهجير مزيد منهم، لأنه اعتاد ذلك خمس سنوات، فإنْ لم يَقتل ويُهَجِّر فإن جلده سوف يَحكُّه، ولا أظن العم صالح يرضى بأن يحكم سورية رجلٌ يحك جلده في حضرة رؤساء الدول.

يتابع العم صالح سناري، على الرغم من تجاوزه سن الثمانين، ما يكتبه نشطاء الثورة على “فيسبوك”، باهتمام، وقد حدّثني، مرّة، عن شاب، يُدْعَى ياء سين، يدافع عن استمرار الحرب ضد النظام السوري حتى آخر طلقة في آخر بندقية، وهو يستخدم في منشوراته لغة عجيبة، فيقول، مثلاً، إن على أهل السنّة والجماعة في شتى أنحاء العالم أن ينصروا أهل الشام، ويقاتلوا معهم ضد الجيش النصيري العميل للمجوس الروافض المتحالف مع شيوعية الإلحاد التي يمثلها الــ..ـ بوتين، وهو لا يرضى بوقف القتال، ما دام هناك شاب مسلم واحد قادر على حمل السلاح.

العم صالح يقرأ، ويتخيّل المدعو ياء سين مدججاً بالأسلحة والقنابل، ومنبطحاً على بطنه في الخندق، وأمامه اللابتوب الذي يتابع منه أعماله الجهادية، لكنه اكتشف، ويا للغرابة، أنه، منذ بداية الثورة، باع ما تحته وما فوقه، وأخرج أولاده الذين في سن العسكرية، تهريباً، إلى ألمانيا، وهؤلاء، بدورهم، أنجزوا معاملة (لَمّ شَمل) لبقية أفراد الأسرة، وهو الآن يُعاين جمال الحياة الألمانية، ويغني (يا دي النعيم اللي انت فيه يا قلبي)، ولا يقبل أن تنقص رفاهيته مقدار أنملة، وفي أوقات الفراغ، يحرّض على استمرار المحرقة في سورية التي ما عادت تعني له شيئاً.

قال لي عم صالح: هناك، يا عزيزي، مزاودون من مختلف الملل، والنحل، والأجناس، والموديلات، يهمهم استمرار الدمار، وتزايد المهجرين.. أرجوكم لا تأخذوا بكلامهم، واعملوا على إعادة السوريين إلى ديارهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.