عن مفهوم البطل لدى جماهير الانتفاضة السورية

إن أبطالنا ينتمون إلى عصر آخر، سواء بمفهوم ديني، أو مفهوم ماركسي، لكن ألم يئن الأوان كي نتوقف عن خلق الأبطال، وأن نصبح نحن أبطالاً بسيطين في حياتنا اليومية، ممسكين بها، وقادرين على بناء مستقبلنا، بدل تركه للأبطال والمخلصين؟.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

في مسار الانتفاضة السورية والحرب الأهلية، تغيرت نظرة السوريين إلى الكثير من الأنظمة والأحزاب السياسية والفنانين بناء على موقفهم ومقارباتهم من النظام السوري والانتفاضة السورية. فسقط أبطال كثيرون يعتبرون رموزاً في الثقافة العربية من عيون السوريين، القسم اﻷكبر منهم أبطال تقليديون تشكلت صورتهم في خضم الصراع مع إسرائيل والاستعمار، بعضهم ذوي خلفية ماركسية أمثال ليلى خالد التي وقفت مع نظام اﻷسد ضمن معادلة يسارية تبسيطية، وآخرون ذوي خلفية دينية طائفية أمثال حسن نصر الله، وهنالك سمير القنطار الذي بدأ شيوعياً وانتهى شيعيا!.

يعبر معظم السوريون البسطاء عن صدمتهم بهؤلاء الأبطال بأسلوب شعبي: “كنا نظنهم أبطالاً يقاومون إسرائيل فإذا بهم يقفون مع الطاغية بشار”.

مثل هذا التعليق الذي ينم عن عقلية تدفع كثيراً من الناس إلى اتخاذ موقف إيجابي أوتوماتيكياً من أي بندقية موجهة إلى إسرائيل نابع من طبيعة مجتمعاتنا ذات البنية التقليدية الملوّنة ببعض التلاوين الحداثية، فلم تكن قضية الديمقراطية مطروحة على جدول أعمالها بقدر ما كان يشغلها المستبد العادل الذي تشبع في ظله من رغيف الخبز ولا يغالي في قسوته اﻷبوية إن غضب، وكان همّ اﻷحزاب اﻷساسية والنخب اﻷكبر مقارعة العدو الخارجي المحتل كإسرائيل أو الولايات المتحدة (أو القوى الإمبريالية)، وعلى هذا اﻷساس يبدو هؤلاء اﻷبطال مسيحاً مخلصاً.

ربما سقط من عيون السوريين أبطال كثر، لكن لم تتغير فكرة البطل كثيراً والحاجة الماسة إليه، البطل هو شخص مقدس يقارب مكانة اﻷنبياء، ويكفي ألا يؤمن به شخص حتى ينبذ من مجموع جمهور الثورة المعارض.

كان جمهور الانتفاضة السورية والمعارضة قبل الثورة يشتم اللبنانيين المعارضين لخط حزب الله الطائفي، وعلّق بعضهم صور حسن نصر الله في بيوتهم، وانقلبوا اﻵن إلى النقيض في كره مطلق لحزب الله وخطه، واستغرق منهم اﻷمر وقتاً أطول كي يدركوا أن حماس أيضاً حركة لا تكترث كثيراً بالسوريين بعد نعيها قاسم سليماني أحد مجرمي الحرب في سوريا.

وخلال مسارات الحرب في سوريا بالكاد وجد السوريون بعض اﻷبطال المنتمين إلى مأساتهم بسبب تطييف الثورة وأسلمتها والجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها معظم الفصائل وانتشار الارتزاق والارتهان لدول أخرى.
كان أبرز من احتل موقع البطل الأيقوني لدى جمهور المعارضة هو عبد الباسط الساروت الذي مثّل نمط البطل الشعبي المتواضع المتفاني أكثر مما مثل نمط البطل القوي الخارق، فهو كان يغني أغاني الناس البسطاء في منطقته، ويتحدث لهجتهم، ولم يكن له خط فكري واضح، بقدر ما كان مشغولاً بالمقارعة المسلحة للنظام حتى الرمق اﻷخير من حياته.

البطل اﻵخر الذي يحتل مكانة متميزة أيضاً لدى جمهور المعارضة هو عبد القادر الصالح المعروف بحجي مارع، ومثّل بالنسبة للناس شخصاً وطنياً، وكان يرضي كذلك حسهم المحافظ، وعرف عنه تسامحه كشخص مع العلمانيين، كان دون شك على علاقة طيبة بتركيا، رأى فيه الناس أيضاً شخصاً نذر نفسه للثورة.

ربما سقط من عيون السوريين أبطال كثر، لكن لم تتغير فكرة البطل كثيراً والحاجة الماسة إليه، البطل هو شخص مقدس يقارب مكانة اﻷنبياء، ويكفي ألا يؤمن به شخص حتى ينبذ من مجموع جمهور الثورة المعارض المؤمن بالمقاومة المسلحة للنظام، ولا يجوز حتى كتابة حكاية مختلفة عن هؤلاء اﻷبطال ومسار تحولاتهم وممارساتهم على اﻷرض، فيجب أن تتركز السرديّة في نمط البطل التراجيدي النظيف في كل شيء، البطل الذي يحارب الاحتلال الداخلي اﻷسدي كما حارب الأبطال الآخرون إسرائيل والاستعمار. لنتأمل معظم ما كتب في هذين البطلين فحتى المقالات التي حاول أن تحلل ظاهرة الساروت كانت مشبعةً بالشعريّة وبالرثائية، وانصبت معظم المنشورات على موقع فييس بوك على رثاء الساروت ونقد وشتم من لا يرثيه ويراه بنفس الرمزية حتى لو كان معارضاً للنظام!.

من الطبيعي أن يوضع هؤلاء الأبطال على مشرحة التحليل، يحق لنا أن نكتب عن دوافعهم لمعارضة النظام وعقليتهم، وعن الفصائل التي حاربوا معها وما مارسته، بهذه الطريقة نؤنسنهم، ونؤرّخ للحظة الراهنة، ومن الطبيعي ألا يتفق جميع المعارضون للنظام في رؤيتهم لأي بطل، بل ومن الطبيعي أن لا يرغب بعضنا بأن يؤمن بأبطال، لكن ما هو غير طبيعي (وإن كان مفهوماً بناءً على مستوى التطور الذي بلغه السوريين وماضيهم وخبراتهم) أن يترافق أي مديح لبطل بشتم لمن لا يراه بطلاً.

مؤخراً أعلن سهيل أبو التاو – المشهور بإطلاقه صواريخ التاو على طائرات النظام وإسقاطها – عن استعداده للذهاب لقتال اليونان كرمىً لعيون تركيا، من جعلوا من التاو نبياً، تجاهلوا تصريحه، وسعد به الطائفيون، وهنا أسال لو أن سهيل أبو التاو قتل في معركة مع النظام قبل أن يصدر هذا التصريح المخجل، ألم نكن لنجد نفس نمط الرثاء الذي يؤلهه كبطل ويشتم من لا يؤلهه.

ثمة أناس كثر قد يموتون أبطالاً، لكنهم لو بقوا على قيد الحياة ريثما تنتهي الحرب، ربما تحولوا إلى قادة فاسدين، أو منتفعين، المشكلة حين يتحول هؤلاء إلى قدوة في كل شيء.

ثمة أناس كثر قد يموتون أبطالاً، لكنهم لو بقوا على قيد الحياة ريثما تنتهي الحرب، ربما تحولوا إلى قادة فاسدين، أو منتفعين، المشكلة حين يتحول هؤلاء إلى قدوة في كل شيء، لنأخذ من منطقتنا مثالاً من الثورة الجزائرية، فكثير من أبطال الثورة الجزائرية تحولوا إلى جزء من جهاز الدولة البيروقراطية ومنتفعين من النظام، ولسخرية القدر وقفت جميلة بو حيرد موقفاً مخجلاً مدافعاً عن جرائم النظام السوري.

إن أبطالنا ينتمون إلى عصر آخر، عصر مقاومة ومقارعة المحتل، سواء بمفهوم ديني، أو مفهوم ماركسي يقوم على مقارعة الامبريالية . وربما يدفعنا اليأس إلى خلق مزيد ومزيد من اﻷبطال، لكن ألم يئن الأوان كي نتوقف عن خلق الأبطال، وأن نصبح نحن أبطالاً بسيطين في حياتنا اليومية، ممسكين بها، وقادرين على بناء مستقبلنا، بدل تركه للأبطال والمخلصين.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.