عن “فيصل عمام” وأصدقائي والأسد

مرحبا فيصل.. يزن، كامل، نصر.. أحمد، عامر، قتيبة، أبو درويش، أبو شادي؛ الآن، أبكيكم أحياءً وقتلى وفي المنافي، وأنا مغمض العينين، كي أسقي قلبي بالذكريات، عساه يستحيلُ وسادةً تضعون رؤوسكم إليها أيها الأحبّة المتعبون.

الأيام السورية؛ أحمد بغدادي

في منطقة مزة 86 بدمشق، وعند ساحة “عروس الجبل” استأجرنا منزلاً أنا وأربعة شباب من مدينة البوكمال وريف دير الزور، في نهاية عام 2009، حيث كنت أعمل في “مجلة ألف” ضمن هيئة التحرير.. أما عن الأصدقاء، فقد كانوا طلاباً في معهد السكرتارية، القريب من مكان السكن في مزة فيلات غربية.

وهذه الأخيرة، تعدّ خزاناً بشرياً للمترفين، ومسؤولي النظام – ضباطاً ووزراء، وفنانين، وغيرهم من ذوي المناصب العليا. أما مزة جبل 86، بشقيها (خزان – مدرسة)، فهي مرتعٌ مكتظ بأتباع النظام، وأغلبهم من مرتبات الجيش والأمن، كضباط صغار وصف ضباط، و”شبّيحة”.. ونادراً ما يتواجد هناك من “طوائف أخرى”.

فقد عمد “حافظ الأسد” إلى استقطاب “هؤلاء” نحو العشوائيات (أبنية مخالفة)، وخاصةً في “دمر البلد، عش الورور، قدسيا، المزة جبل، جبل الرز، عدرا العمالية، ضاحية الأسد..” ونلاحظ، أنّ كل هذه المناطق تطلّ على العاصمة دمشق، وتحيطها، وكأنه يريد أن يضعَ العاصمة داخل دائرة من مؤيديه! هذا عدا عن الثكنات العسكرية والفرق والألوية، التي تشكّل حزاماً حول دمشق، وخاصةً الفرقة الرابعة بقيادة “ماهر الأسد” شقيق “بشار”، والتي تعتبر من أشرس الفرق العسكرية، وأكثرها دموية إلى جانب “الحرس الجمهوري” المتواجد في “قطنا”، والذي له باع طويل في المجازر والدمار والاعتقالات أثناء الثورة السورية.

تعرفتُ عبر أصدقائي “يزن الحسن، ونصر العلي (استشهد لاحقاً ضمن معارك الجيش الحر في مدينة المياذين بدير الزور) على شاب وسيم وفكاهي، ومتهور أحياناً، اسمه “فيصل عمام”، من يبرود، كان أيضاً في معهد السكرتارية، وقد انضمّ إلينا في المنزل، بعد أن كان يستأجر منزلاً قريباً من الساحة مع الأسماء ذاتها، لكنه آثر اللحاق بهم إلى المنزل الجديد.

في بداية الثورة، وأذكر نهاية عام 2011 أضحت أعصاب الجميع مشدودة، وهنا أقصد “الأحرار السوريين”، أما عن المؤيدين، فقد انساقوا وراء رواية النظام، كالقطيع اللاهث إلى بركةِ ماءٍ آسنة!
لقد كانت أياماً جميلة، ومخيفة في آن. ورغم الخوف من بطش قوات النظام وأجهزته الأمنية، كنّا نشعر بسعادة عارمة، ونشوة غريبة، وكأننا خرجنا للتوّ من كهف مظلم، يزدحم بالحشرات والأفاعي!

وفعلاً، نحن كنا في كهف “آل الأسد”، يُمارَس علينا كافة أنواع الاضطهاد والتسلط، والقسوة، وعلاوة على ذلك، يرغموننا على إظهار الاحترام للقاتل، والتبجيل، منذ طفولتنا حتى سنوات الدراسة الجامعية، وبعد ذلك، نمضي في الحياة منبوذين وموسومين بالتبعية المطلقة لهذا النظام المافيوي، بحسب ظنّه؛ لكنه، لم يدرِ أن أيام التحرر وكسر القيود قد جاءت، وحتماً، سوف نجتث هذه الطغمة، وما حصل في الثورة السورية أكبر دليل على احتقان الشعب السوري وصبره على الجور والاستبداد لسنوات طوال، وسوف يكون الحصاد قريباً.. لا بدّ؛ ومع استمرار إهراق الدماء لعشر سنوات، إلا أن هذه الضريبة حتمية أمام قاتل عالمي، وعميلٍ نسجَ شباكه في كل موطئ مخابراتي حول العالم!

عاد ” كامل العلي” (أعدمه لاحقاً تنظيم داعش في المياذين أمام أسرته وأقاربه بتهمة الانتماء للجيش الحر) إلى المنزل فرحاً، وهو يصيح: “مظاهرة كبيرة في المرجة، شاركتُ فيها، وكأن “حافظ الأسد” خرج من قبره مرتعداً؛ لقد خلخلنا أركان النظام”. فقفز فيصل عمام قائلاً: “لابدّ أن يبرود الآن سوف تخرج عن بكرة أبيها، يجب أن أسافر غداً لأشارك أهلي وأبناء منطقتي في المظاهرات”.

أما يزن، وأنا، كنا نعدّ طعام العشاء، ونغنّي بتناغم أغنية “يا حيف” لـ سميح شقير”.

غادر بعد أيام فيصل إلى يبرود، حيث كانت الطرق المؤدية إلى هناك مغلقة، ولم نسمع عنه خبراً إلا بعد أسبوع تقريباً.. لا اتصالات، ولا حتى “أنترنت”، بحسب ما أخبرنا حين تمكّنا من التواصل معه.

“عامر الجمل” ـ لا ناقة له فيها ولا جمل ـ اغتالوه في البوكمال من قبل مسلحين مجهولين، انتقاماً لأفعال أخيه “صدام الجمل” القيادي البارز في تنظيم داعش؛ وهنا تأتي المفارقة.. لقد عرفته لبضعة أسابيع في دمشق، كان يزورنا في المنزل: شاب رقيق ودمث، ومسالم، ولم يترك إلا الأثر الطيب في قلوبنا، لكنه قُتلَ؟! بجريرة أخيه!

لم أستطع يوماً التفكير في هذه المتداخلات المُبهمة، والتشابك الغريب، بأن يصبح الأخ فجأةً مجرماً وشقيقه عبارة عن وردة نضرة، تُقطف وتُسْحَق لمجرد الانتقام!

ولن نذهب بعيداً، فتنظيم “داعش” حالة طارئة، وتلاشت، وإجرامه لا يُقاس نسبياً بدموية النظام السوري، وهذه من المسلّمات، فأغلب منتسبي هذا التنظيم هم عملاء للنظام وإيران وروسيا، وأيضاً، لكل جهاز مخابراتي دولي “دواعشه”، ابتداءً بأمريكا و”إسرائيل”، ووصولاً للسعودية، وغيرهم من دول لها مصالح عليا في سورية.

دفعت “يبرود” كباقي المدن السورية ثمناً باهظاً، وإن أردنا الحديث عن مدينة دير الزور وأريافها، وحمص ودرعا، وداريا والمعضمية والغوطة و.. و..إلخ؛ لن تكفي قرونٌ من الزمن لذكر تفاصيل الجرائم والانتهاكات والدمار والمجازر التي أقدم عليها نظام الأسد وحلفاؤه بحق الشعب السوري!

تفكّكَ هذا الجمعُ الرائع، ولم يبقَ منّا سوى اثنين، أنا ويزن، حيث اضطررنا إلى ترك المنزل بسبب “تهافت” الشبيحة على كل شخص غريب في الحي.. وقتها، وجدنا منزلاً في حي “بساتين الرازي”، القريب من داريا وأتوستراد المزة، وانضم إلينا “أبو شادي.. يالله” وهذا لقبه، كونه كان يسخر من صاحب المنزل الذي يقطن جوارنا، ودائماً يصيح في أطفاله “يا لله.. ياللاااااااااااااااااااااااه”.. ولم ندرِ يوماً لماذا هو على عجلة!

وأيضاً أبو شادي كان مشهوراً في سوق الهال بمنطقة الزبلطاني، حيث إنه خبيرٌ بقوافل “البطاطا والطماطم” التي تأتي من درعا الجريحة!

يزن خرج من المنزل ذات مساء لابتياع حوائج البيت، وزيارة أصدقائه المقيمين بعد عشرات الأمتار من مطعم” فلافل على كيفك”، ولم يعد يزن! نعم، اختفى لمدة أيام، حتى أخطرنا أحد الأصدقاء أنّ حاجز “طلعة المطعم” اعتقله.

وهكذا.. نحن في “عش الدبابير” الذي يتفرّع إلى آلاف الأعشاش في سورية، ووجارٍ للذئاب، وأوكار للأفاعي!

أبو شادي، ذاك الرجل الزئبق، الذي لم يتجاوز عمره 32 عاماً، كان لنا منه النصيب الأكبر في الضحكات، رغم الألم اليومي داخل عينيه، وقهرنا الذي نشاهده ويطعننا كمديةٍ تتسلل في الظلام، إلا أن “أبو شادي” اختفى أيضاً، ولم نعرف عنه شيئاً بعد أن هجرنا البيت جميعاً لأسباب مالية وأمنية! وقد عرفتُ بعد سنوات أنه يقود سرباً من الأوز في أرياف ألمانيا، ولا يهاجر معه، حيث أحاله إلى سربِ حمام زاجل نحو سوريا!

نعم، أذكر اللحظة الأخيرة التي تركتُ فيها منزل بساتين الرازي؛ لقد كنتُ برفقةِ “أبو درويش” (طالب ماجستير لغة عربية) ويشجّع نادي “ريال مدريد” أو “برشلونة”.. لا أذكر، ولا يهم، فكلا الفريقين ضمن جغرافيا تابعة لتاريخ “إسلامي منهار”، وهو متعصب جداً للثورة –أبو درويش، ويكره بريطانيا التي جاءت بعائلة الأسد وآل سعود.

كان ذاك اليوم مشؤوماً؛ لقد تركنا خلفنا ذكريات جميلة، رغم المدة القصيرة التي قضيناها في المنزل… وأذكر من الذكريات المضحكة “بيضة قتيبة”، وهو شاب كان يتردد إلينا كل حين، ولكنه كان جائعاً بشكل دائم، ولو إنه حوّلَ نهمه وتفكيره بالطعام لمخططات سياسية، لكان بشار الأسد قد سقط منذ الأشهر الأولى، لما لدى قتيبة من هندسة ومخططات لا تخطر في بال “إبليس” للسيطرة على “فروج البروستد” وحتى “التوت” المتساقط من أعلى الشجرة التي كانت أمام المنزل!

مرةً… من باب الدعابة، وقفت فوق الكرسي في المنزل، وتسلقتُ أعلى جدار الغرفة لأضع “بيضة دجاجة” في زاوية ضيقة على حافة الإسمنت البارز الذي يدعم جدران البيت، فتفاجأ الجميع بعد يوم أنها مفقودة، نعم، قتيبة صاحب القامة الطويلة عمد إلى مناشدتها وافتراسها بنصف رغيف خبز، بعد أن سلقها أثناء غيابنا عن المنزل!

ولقد دقّ “أحمد الفراتي” رأسه في الجدار ضاحكاً حينما اكتشفنا تلك الجريمة “البيضاء”، وأذكر أنه نظم قصيدة شعر شعبي بحقه!

“الفراتي” شاعر من ريف دير الزور، (القورية) التي دوّخت النظام بشعاراتها ويافطاتها كما “كفرنبل”. كان يرتاد المنفى المؤقت الخاص بنا بين الحين والآخر.

قتلوا فيصل تحت التعذيب في سجن صيدنايا خلال اليوم الذي جاءت فيه مذكرة الإفراج عنه لذويه بتاريخ 19 تموز/ يوليو 2018.

وبعد أن أفرجوا عني في ساحة الأمويين بدمشق ” ركلاً” بالأقدام عقب اعتقالي الأول الذي دام 27 يوماً في فرع التحقيق العسكري 248، علمتُ من بعض الأصدقاء أن فيصل تم اعتقاله قبلي بأسبوعين تقريباً بتاريخ 8 أذار/ مارس 2012.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.