عن حادثة اغتصاب الطفل السوري.. هرميّة القوة والاستقواء على الأضعف في الشرق الأوسط

لا تقتصر هذه الممارسات العنصرية والاستقواء على الضعيف واستغلاله مادياً وجنسياً على لبنان، بل تبدو سمةً مجتمعيّة في الشرق الأوسط، فدول الخليج العربي تحفل بتاريخ مخجل من العنصريّة والانتهاكات تجاه مجمل العمال الأجانب والعرب.

243
الأيام السورية؛ عمار عكاش

جاءت حادثة اغتصاب الطفل السوري في منطقة البقاع في لبنان صادمةً، وساعد تصوير الجناة للحادثة في فعل ينمّ عن سادية مقززة على حصول تفاعل واسع مع الحادثة، فلم يعد هناك مجال للشك والتنصّل من الواقعة. وتأتي الحادثة ضمن مسلسل انتهاكات متواصل لحقوق اللاجئين السوريين برعاية مؤسسات السلطة اللبنانية، وبتحريض من مؤسسات إعلاميّة عديدة. ألقى الكثير من الناشطين والمتابعين السوريين واللبنانيّين بالمسؤولية على حزب الله، كونه حزباً طائفياً ميلشوياً استولى على السلطة بدعم إقليمي، ويقوم بتطويع مؤسساتها الأمنية بما يناسب مصالحه، كما حمّل هؤلاء المسؤولية إلى حلفاء حزب الله في السلطة، واعتبروا أن عدم تفعيل دور المؤسسات القانونية اللبنانية أدّى إلى ترسيخ فكرة الإفلات من العقاب، الأمر الذي سمح لمثل هؤلاء المغتصبين بالتمادي مدركين أن انتماءهم إلى حزب الله وانتماءهم العشائري سيحميهما، ولنتذكر هنا حكاية الناشطة نادين جوني المؤلمة، فرغم أن حكايتها تداولتها كل وسائل الإعلام لم تتمكن من تحصيل حقوقها في حضانة طفلها، ورحلت حاملة معها غصة، وتاركة غصة في قلوب كل من يحلمون بوطن عصري يحمي حقوق جميع بناته وأبنائه، لنعرف احتكام تنفيذ القانون إلى هرميّة بناء القوة في لبنان.

بكل تأكيد لم يخطئ الناشطون الذين لخّصوا المشكلة بوجود نظام طائفي يقوم على تحالف زعامات من عائلات تحكم لبنان بمنطق البَكَويّة التي تتقاسم مزارع، فلا يمكن لنا أن نتوقع من مجرمي الحرب الأهلية اللبنانية وقد أصبحوا حكاماً أن يكترثوا لحماية البشر ولسيادة القانون ـ لا يمكن أن ننتظر الكثير من وزير داخلية اعترف بقتل شخصين على الهواء ـ كما أن اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، يشبه صيغة حرب باردة بين زعماء الطوائف في لبنان الذي مازال غارقاً في الرهاب الهويّاتي الطائفي، هذا الرهاب الذي ينظر إلى السوريين كمسلمين سنة ودواعش مهددين للتوازن الطائفي في لبنان.

من الجيد أننا سمعنا أصوات لبنانيّة كثيرة تطالب بمحاكمة المغتصبين، لكن المشكلة تتخطى حادثاً أو مجموعة حوادث فهي بنيويّة الطابع، فباعتقادي أن منطق التسلط على الضعيف ومن يقعون في أسفل سلالم النظام الاجتماعي آلية اشتغال أصيلة في المجتمع اللبناني المنتَج ما بعد الحرب الأهلية وفي المجتمعات العربيّة، صحيح أن هذا النوع من التسلط يكاد يكون عالمياً لكن شكله ونسبته وضحاياه تختلف من بلد لآخر، حسب القدرة على الوصول إلى الإعلام و مدى وجود مؤسسات مدنية وحكومية تدافع عن المستضعفين، ومدى رسوخ سيادة القانون وتطبيق آليات المحاسبة، لكن ما يميز الحالة اللبنانية أيضاً هو العنصرية الاستعلائية التي تتحكم بوعي شرائح غير قليلة من المجتمع اللبناني أو إن توخينا الدقة “شعوب الشعب اللبناني” على حد تعبير حازم صاغية، فالطريف أن عدداً غير قليل من اللبنانيين يعون انتماءهم الهوياتي في طوائفهم، لكنهم يجتمعون على هذه العنصرية الاستعلائية تجاه شعوب المنطقة وشعوب أخرى غير أوربية ( بيضاء)، فرغم أن الهوية اللبنانية غير واضحة المحدّدات في ذهنيتهم الجمعية، لكنهم بنوا آخراً يستعلون عليه دون بناء ذات واضحة، وهذه خصوصية لبنانية فريدة تضاف إلى تناقضات بلد التناقضات.

من الجيد أننا سمعنا أصوات لبنانيّة كثيرة تطالب بمحاكمة المغتصبين، لكن المشكلة تتخطى حادثاً أو مجموعة حوادث فهي بنيويّة الطابع، فباعتقادي أن منطق التسلط على الضعيف ومن يقعون في أسفل سلالم النظام الاجتماعي آلية اشتغال أصيلة في المجتمع اللبناني.

لا شيء يفضح العنصرية الاستعلائية والاستقواء على الأضعف في لبنان مثل إساءة معاملة العاملات المنزلات الأجنبيات من بعض الدول الآسيوية والأفريقية، فطيلة عقدين من الزمن ومنظمات الأمم المتحدة توثق انتهاكات مروعة بحقهنّ: من التعذيب الذي يصل إلى حد التسبّب بالوفاة والعاهات المستديمة، والاغتصاب والتحرش الجنسي، وممارسات ساديّة مختلفة، بحيث أن وضع هؤلاء العاملات ينطبق عليه تعبير الاستعباد حسب توصيفات المنظمات التابعة للأمم المتحدة، حتى أن إحصائيات عام ٢٠١٦ كانت تشير إلى موت ما معدّله عاملتين منزليتين أسبوعياً إما انتحاراً أو قتلاً، ورغم أن العديد من الناشطين الحقوقيين اللبنانيين والمنظمات المدنية كانت تدين هذه الممارسات إلا أنّ أصوات هؤلاء لم تشكل زخماً شعبياً وإعلامياً ضاغطاً يجبر المسؤولين اللبنانيّين على القيام بتحرّك ما.

أذكر هنا مثالاً على العنصرية واللامبالاة تجاه معاناة العمالة الآسيوية من كارثة تسونامي عام ٢٠٠٥، أطلق حينها الفنان اللبناني مارسيل خليفة فيديو تضامني مع ضحايا الكارثة وعلق على ضعف التضامن مع ضحايا الكارثة بقوله: “لا مبالاة مقرفة أو بالأحرى عنصرية تعشعش في مجتمعاتنا العربية، العالم بأسره مدّ يد المساعدة الى المنكوبين، أما نحن لا، رغم وجود أكثر من 80 ألف مواطن من التابعية السيريلانكية على سبيل المثال في بلد صغير مثل لبنان.” وأضاف: “فلنجمع التبرعات لنكفر عن ذنوبنا تجاه العمالة الآسيوية”.

لا تقتصر هذه الممارسات العنصرية والاستقواء على الضعيف واستغلاله مادياً وجنسياً على لبنان، بل تبدو سمةً مجتمعيّة في الشرق الأوسط، فدول الخليج العربي تحفل بتاريخ مخجل من العنصريّة والانتهاكات تجاه مجمل العمال الأجانب والعرب، وفي سوريا بدأ استقدام الخادمات من الدول الآسيوية يزداد منذ عام ٢٠٠٥ ولم يطل الأمر كثيراً حتى لحقت سوريا بركب دول الخليج ولبنان في التنكيل بالخادمات، فكان ربّ المنزل يقوم برشوة فرع الأمن حين تلتجئ إليه الخادمة، فيقوم فرع الأمن بتعذيبها وإعادتها إلى رب المنزل، أو يقوم رب المنزل بإعادة الخادمة إلى مكتب الاستقدام ويكتفي بالقول: ” لم تعجبني ، إنها لا تجيد عملها”، ويكون ذلك سبباً كافياً لتعرضها للتعذيب عقوبةً لها لأن صاحب المكتب ربما يخسر عمولته، بل إن بعض المكاتب كانت تمتلك أدوات تعذيب كعصا الفلقة والكرباج، وبالكاد نوقشت هذه الظاهرة في الإعلام السوري. ولدى طرح الموضوع كانتْ ترد تعليقات غير قليلة تقول دعونا نهتم بمشاكلنا أولاً، وتعليقات أخرى تلوم الخادمات الراغبات بالجنس على التحرش بهن واغتصابهن.

وأكثر من ذلك صدر خلال مسار الحرب الأهلية السورية تقرير دولي صادم يتحدث عن قيام عدد من الموظفين السوريين في منظمات الإغاثة الإنسانية باستغلال النساء السوريات النازحات جنسياً مقابل تقديم المساعدة الإغاثية لهنّ. خلاصة القول إن العنصرية تجاه مجموعات بشرية محددة في العالم العربي سواء أكانت من البلد نفسه أم من خارجه مسألة بنيوية في الشرق الأوسط، ولعل عدم وقوع لبنان فريسة لنمط شمولي للدولة (كما هو حال معظم الدول العربية) يحدث معه استيلاء على المنظومة الإعلامية وتكميم كامل للأفواه هو ما يسمح بظهور كثير مما يقع من انتهاكات على وسائل الإعلام، ويساعد المنظمات الحقوقية على التوثيق.

ما يميز لبنان في موضوع العنصريّة عن جيرانه العرب في الشرق الأوسط خصوصية تاريخية وسياسية وطائفية خلقت وهم الاستعلاء العنصري على محيطه.

ما يميز لبنان في موضوع العنصريّة عن جيرانه العرب في الشرق الأوسط خصوصية تاريخية وسياسية وطائفية خلقت وهم الاستعلاء العنصري على محيطه، وهذا ما تعبر عنه بدقة رانيا مصري:

“توجد العنصرية في لبنان ليس فقط على نطاق خطاب الأفراد، أو خطاب العائلة أو الخطاب المجتمعي، بل يتم تمكينها عبر إطار عملٍ مؤسساتي، سواء من خلال قوانين يتم سنّها، أو قوانين مقترحة لدعم سياسات محددة، ثمة إطار محدد نعيش ضمنه في لبنان، وبالتالي تصبح القضية المطروحة بالنسبة لنا على اعتبار أننا نعيش في مجتمع عنصري: “كيف يمكن لنا أن نواصل تطهير أنفسنا كأفراد من العنصرية المحيطة بنا، فحين تعيش في بركة سباحة ملوّثة، فلا يمكن لك تفادي انتقال شيء من البكتيريا إلى جلدك، وإلى نفسيتك، وإلى عمليات تفكيرك” *، وهذا بالضبط ما يحدث فحين نستنشق هواءً مسموماً، ونشاهد مواد بصرية مسمومة، ونستمع منذ طفولتنا لتنميطات تسمّم كلامنا وعقولنا، ما المتوقع منا سوى دهس المسحوقين في أسفل سلالم النظام الاجتماعي، أو إشاحة النظر عن معاناتهم.


عمار عكاش: كاتب ومترجم سوري ـ مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

مصدر * https://www.youtube.com/watch?v=neFWNztrcGA :IFI Lecture - Mixed Feelings, Racism and 'Othering' in Lebanon from a Lebanese perspective
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.