عن الفسيفساء السورية والصور النمطية بين مكوناتها

هل من المبكر التبنؤ بملامح وعي السوريين الذي يتشكل في المنافي؟ هل سنجد أنفسنا إزاء مجموعات سورية أكثر تنوعاً، وإزاء ثقافات فرعية عديدة تخلق تنوعاً حقيقياً يتجاوز مفهوم الفسيفساء الراكدة المتلاصقة ويتخطاه إلى اللوحة التجريدية المتمازجة الألوان المختلطة؟

117
الأيام السورية؛ عمار عكاش

لم تحظَ المكونات السوريّة بحرية التعبير عن نفسها، وكانت العلاقة بينها تتشكل ما بين العلني المسموح بالتصريح عنه وفق خطاب عام يومي متداول، وما بين المبطن الذي لا يجوز الإفصاح عنه، نتيجة مجموعة محرّمات وضعها النظام تحدّد ما هو مسموح وما هو ممنوع جعلت البشر يعيشون نوعاً من التقيّة.

من الأحاديث التي كان من المحرّم الحديث عنها: موضوع الطوائف الدينية في سورية، على سبيل المثال كثيراً ما كان يقال لهجة أهل الساحل للاستعاضة عنها بكلمة لهجة العلويين في الساحل (رغم أن الساحل السوري يضم عدة لهجات، حتى العلويين ذاتهم لم يكونوا موحدي اللهجة)، وكان الكثير من السوريين لدى لقائهم لأول مرة بشخص ما لا يسألونه عن دينه أو طائفته، لا لأنهم أنجزوا قطعاً مع هذه المسائل، بل لتجنّب التطرق إلى هذا الموضوع، بل يكون السؤال غالباً عن اسم مدينته أو قريته، ومن ثم يتم التنبؤ بطائفة هذا الشخص أو خلفيّته الإثنية أحياناً من خلال لهجته، وأحياناً من ملامحه الفيزيائية ( التي كثيراً ما تخضع لتنميطاتٍ شعبية موهومة وساذجة)، ويتم ربطها بمهنته وخلفيته الطبقية والاجتماعية، ومن خلال هذه العملية التي تتم بصورة عفوية غير تحليليّة يعرف الشخص كيف يخاطب من يلتقيه، ويؤسس نقاط مشتركة معه بشكلٍ عفوي.

وعلى هذا الأساس كانت الكثير من الأحاديث العابرة تجري بين شخصين ينتظران في طابورٍ ما في دائرة حكومية، وبين طالبين مستجدّين في جامعة ما، بين شوفير تكسي وزبون، كانت هذه الأحاديث تشكل فضاءاً عاماً تواصلياً يمزج بين المسايرة، وتجنّب الصدام، والتعبير عن بعض الأمور المشتركة التي تشغل بال الناس مثل: غلاء الأسعار، مشاكل الاقتصاد، تأخر سن الزواج، وأيهما أفضل متابعة الدراسة أم تعلّم مصلحة (أي مهنة ما يدوية أو تجارية)، ويتم تجنّب الأمور التي قد تخلق الخلافات، وإن تطرق إلى السياسة يكون سقف الحديث الفساد ( لأن النظام أيام بشار الأسد كان يطيب له هذا الحديث فهو بذلك يربط الموضوع بوجود ضعاف النفوس، وبطريقة ما يلقي بالمسؤولية على الشعب، إنه حديث أخلاقي مثالي وليس حديثاً سياسياً!).

كثيراً ما كان يقال لهجة أهل الساحل للاستعاضة عنها بكلمة لهجة العلويين في الساحل رغم أن الساحل السوري يضم عدة لهجات، حتى العلويين ذاتهم لم يكونوا موحدي اللهجة.

وفي مناسبات أخرى يكون الحديث عن عدوٍّ خارجي مهدد (هذه الثيمة طبيعية بشرية: ثنائية الداخلي والخارجي، والذات والآخر وقد مُزِجت بعقل عشيري ضيق وأيديولوجيا تضليليّة ممانعجية) يكون هذا العدو تارة إسرائيل، وتارةً دولةً من دول الجوار. لعبت تركيا طويلاً هذا الدور، ظلت السعودية دوماً تمثل دور البدوي النفطي العدو عديم المبادئ، ويميل هنا عدد غير قليل من الناس إلى التوحّد تجاه ما يبدو عدواً مهدداَ، وكثيراً ما كانت تنشأ صداقات بين الناس انطلاقاً من مثل هذه الفضاءات العامة التي يلتقون فيها، ورربما تستمر مدى الحياة.

لا أريد أن أغالي في نسب كل شيء إلى موروث البعث وحكم الأسد، إذْ يوجد موروث شعبي في موضوع المسايرة وتجنّب الصدام، إنها حكمة اجتماعية خلقت شكل التعايش السوري بين الطوائف، والقوميات، وبين الريفي والحضري، حتى أنني أزعم أنه كانت تسود بحق كل مدينة سورية، أو طائفة أو قومية صورتان نمطيتان إحداهما إيجابية والأخرى سلبية، يستخدمها الناس حسب مشاعرهم، وحسب مصالحهم وحسب ما يتعرضون لهم من مواقف، وأقول هنا على سبيل النكتة أننا كشعب نتمتع بشحنة عاطفية عالية فنرفع شخصاً ما إلى مصاف الآلهة ثم نردد أسفل السافلين إلى الشيطان، إنهما المتعارضان المكمّلان لبعضها البعض.

أذكر أنه بعد احتلال القوات الأمريكيّة العراق، كان هناك شيء من النظرة المشوبة بالشك إلى الكُرد لدى أعدادٍ غير قليلة من السوريين، في بلد أصلاً لم يكن الوعي الشعبي فيه يستوعب معنى الشعب المختلف عنك لغةً ولكنه يشترك معك في الوطن، وكان هناك بين السوريين البسطاء من لم يسمع يوماً بوجود الكُرد خاصة في مدن لا يوجد فيها أعداد كبيرة منهم، وكان أول ما سمعوا به من وسائل إعلام عربية مختلفة ومن خلال ما تتناقله الألسن أن الكُرد تحالفوا مع الأمريكيين وتسببوا بسقوط العراق، وثمة أناس كثر كانوا يعتبرون الكُرد أناساً جيدين لكنهم يجب أن يحترموا هذا البلد العربي (ليس بالضرورة بالمعنى القومي بل بمعنى لغة الأكثرية وثقافتها رغم ضبابية مفهوم الأكثرية هنا هل هو قومي أم ديني أم ماذا)، أضف إلى ذلك أن معاملة الأمن السوري للكُرد تردّت أثناء الاحتفالات السنوية بعيد نوروز التي باتت لا تخلو سنوياً من صدامات وقتلى واعتقال عدد من الناس.

أذكر في عام 2007 حديثاً دار بيني وبين سائق تكسي في مدينة حلب، ضمن نفس سيناريو المسايرة وتجنّب الصدام، كنا في شهر نيسان، وكنت قد خرجت من الجامعة توّاً، تلقيت اتصالاً هاتفياً من عائلتي تنبّهني فيه إلى أن حيّنا الذي تقطنه غالبية كردية سرت فيه شائعة بأن هناك مسيرة سيخرج فيها الكُرد لسبب لا أذكره، فاستجابت أجهزة الأمن بشراسة، فملأت الطرقات العامة، وأوقفت سير وسائل النقل العامة باستثناء بعض السيارات الخاصة وسيارات الأجرة في الشوارع الرئيسية. ركبت سيارة الأجرة وبدأ السائق حديثاً كثيراً ماكنت أسمعه عن الجامعة ونعمة الاختلاط بالإناث لذكرٍ مثلي، ثم أتبعه بتساؤل عن فائدة الدراسة اللي“ما بتطعمي خبز”.

وصلنا إلى حيّ الأشرفية ولاحظ الشوفير الحضور الأمني الكثيف، وكان الحضور الأمني عموماً شيئاً جديراً بإثارة خوف أي سوري حتى لو كان الموضوع لا يخصّه لأسباب مبررة بتجربة الثمانينات المريرة، بدأ الشوفير ذو اللهجة الحلبية الثقيلة بالتذمّر حين لاحظ الكثافة الأمنيّة: “أشْ بدن الكَرَاد بدن يوطّو راسنا بشرفي، ما بكفي راحت العِراء (أي العراق)”.

وأكمل الديباجة التي سمعتها في أماكن مختلفة: في الجامعة، وفي طابور الفرن، وأثناء تجوالي في الشوارع. كنت أنظر إلى الشوفير وأنا غير مرتاح لحديثه، ولم أعلّق، لكنه يبدو أنه انتبه من ملامح وجهي إلى أنني لم أكن مسروراً بحديثه وبكليشته، حينها قال لي بنبرة فيها شيء من الخجل: “أنت كَنّي كردي؟ “(وتعني كنّي: كأنك). أجبته: “إي وشلون عرفت أخي؟”، قال لي: “وقت طلعت حكيت معي حسيت عربيتك مو مزبوطة”.

لم تترك الحرب ركناً لم تمسه إن لم يكن بدمار مادي مباشر وخسائر في الأرواح، فبدمار اقتصادي. تساوى الملحد والمؤمن والعربي والكُردي، وملأت المنافي السوريين على اختلاف مواقفهم من النظام.

لقد أراد السائق هنا إنقاذ نفسه فانتقل من الصورة النمطية السلبية إلى صورة نمطية أخرى يؤمن بها بعض سكان حلب خاصة ممن لم يختلطوا بكثيرٍ من الكُرد، وهي تقول بإن الكُرد يتحدثون عربيّة مكسرة، أو بلكنة واضحة، لكنه نسي أنه هو ذاته لم يحزر أنني كردي لأن جميع مخارج حروفي حلبيّة في لفظها، ناهيك عن أنه لم يكن يعرف أن لغتي الأم كانت العربية وأنني تعلّمت الكردية من خلال استماعي لأحاديث أبي وأمي وبعض الأصدقاء دون أتقنها محادثةً مثلما أتقن العربية، قلت له بلهجة غير ودودة:”لا حبيبي لهجتي حلبية، بس عرفتني كردي لأنو ما عجبني حكيك، بس تحسن ترفع راسك بوش عنصر أمن حقو فرنكين وقتها ما عندي مانع تقول الكراد بدهم يوطو راسك المرفوع يا أبو الكرامة، لأنو العراق كانت الك وللشعب وراحت منك”.

حينها شعر السائق بالحرج، فانتقل إلى الكليشهة الإيجابيّة الثانية المنتشرة بين بعض شرائح سكان مدينة حلب، وهي نظرة إيجابية لهم من حيث الوظيفة التي يؤدونها ضمن البنية الاقتصادية للمدينة وما يتبعها من أخلاقيّات: “لا خيو الكراد كويسين، ناس أمينين وشغّيلين، يا زلمة أبوي كان تاجر يأمّن أكتر شي بالكراد، يأمنهم عالكاصّة أكتر من قرايبينو (الكاصّة تعني هنا خزنة النقود)، بعدين خيو في أطيب من زيتون عفرين، أبوس ربّ الكراد.”

مضت أيام طويلة على هذا الحديث وما زلت أتذكره حين أنظر إلى ما حلّ بالبلاد، لم تترك الحرب ركناً لم تمسه إن لم يكن بدمار مادي مباشر وخسائر في الأرواح، فبدمار اقتصادي. تساوى الملحد والمؤمن والعربي والكُردي، وملأت المنافي السوريين على اختلاف مواقفهم من النظام، زادت الحرب المشترك بينهم وهو الخسارات والآلام واستغلال أطراف دوليّة وإقليمية وداخليّة للحرب، وزادت من جهة أخرى أيضاً الحساسيّات الإثنية والطائفية.

ألاحظ أن عدداً غير قليل منهم لم يخرج بعد من هذه الكليشهات في مزاحهم وذمّهم وحديثهم، وإن كانت الغربة بمفارقة عجيبة جمعت سوريّين من شتى المدن في حيّ واحد، بل أبناء مدينة واحدة ما كان لهم أن يسكنوا في الحي ذاته، فتقسيمات الأحياء كانت يختلط فيها الطائفي بتقسيم الريفي والمديني بالاقتصادي، هذه البيئة هيّأت أيضاً لكسر الكثير من الصور النمطية، ويبقى من المبكر التبنؤ بملامح الوعي الذي يتشكل في المنافي، ربما سنجد أنفسنا إزاء مجموعات سورية أكثر تنوعاً، وإزاء ثقافات فرعية عديدة تخلق تنوعاً حقيقياً يتجاوز مفهوم الفسيفساء الراكدة المتلاصقة (الذي يستخدم كمديح وهو بلاء)، ويتخطاه إلى اللوحة التجريدية المتمازجة الألوان المختلطة بكل ما في هذا الاختلاط من سلام وعنف وجنون وخروج على القواعد.

الفسيفساء السورية، الصور النمطية، عمار عكاش، المنافي ثقافات، اللوحة التجريدية، المكونات السوريّة، حرية التعبير

إقرأ المزيد:

مصادر الترادف وأثره في الأسلوب البلاغي

النسوية.. حين تتحول من نضال إلى أيديولوجيا

التعليم في سوريا، صناعة القطيع البشري


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مقيم في إسطنبول

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.