عن السعار والشراسة في الهجوم على الحركة النسوية السورية

السخرية من النسويات باتت ثابتاً من ثوابت عدد كبير من المثقفين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأحياناً يردد بعض الرجال أسخف تعليق سمعته: “صار الرجال بدهم حدا يدافع عنه“.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

ربما نتّسم كسوريين بميزة الشتم الدائم لممثّلينا السياسيّين، ولا أرغب هنا بمناقشة مدى مبدئيّة وحنكة ممثّلينا السياسيين خاصة في المعارضة، لكنني أعتقد أن عادة الشتم هذه في جزء منها ترمي إلى تنحية المسؤولية عن الذات، ولديّ قناعة شخصية أن مشكلتنا ليست فقط وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب إنما خلق الإنسان المناسب أولاً.

يلاحظ في السنوات الخمس الأخير تصاعد ضخم في حجم الهجوم والسخرية من الحركة النسوية السورية وتسخيف مبادئها والتعرض بشكل شخصي لكل من يتبنّى اتجاهاً نسوياً، وإن قارنا هذا الهجوم بالهجوم الدائم على المعارضة السورية (خاصة الائتلاف السوري المعارض) فعلى الأقل تحظى هذه المعارضة بشيء من الاعتراف الدولي، وتذهب لتفاوض باسم السوريين في محافل دولية عديدة، لكن في حالة الحركة النسوية السورية فهي حركة صغيرة، مكوّنة من منظمات متفرقة تأثيرها ضعيف على الأرض لأسباب مختلفة موضوعية وذاتية، وتضم الحركة نساءً تراوحن في توجهاتهن ودوافعهن بين المتطرفة والثوريّة والإصلاحيّة وبين من تركب الموجة وبين الوصوليّة، وبكل الأحوال فإن حجم النقد والهجوم والتحقير يفوق حجم الحركة بكثير، وهو أمر يتقاطع فيه قسم من العلمانيّين والإسلاميّين والعروبيّين وفئات أخرى.

أعتقد أن هذا الأمر مفهوم إن نظرنا إلى ظروف المجتمع السوري وطبيعة طبقته السياسية، فالحديث السياسي يبقى قابلاً للف والدوران والمجاملة في القضايا الأساسية مثل ثقل حضور الديني والطائفي والعشيري والقومي والمناطقي في المجتمع السوري وسواها من قضايا أخرى، أما في حالة الحركة النسوية فلا مفرّ من الاصطدام مع مجموعة ثوابت وأعراف اجتماعية ودينية، لذلك تثير الحركة حساسيّاتٍ كبيرة، وحقيقة سبب الهجوم هو ليس أثر الحركة على الأرض بقدر ما هو تغييرات تحققت على نطاق محدود بين عدد من النساء السوريات بسبب ظروف الحرب، وبسبب انتقال عدد غير قليل منهن إلى مجتمعات غربية فيها احترام وحماية قانونية لحقوق النساء إلى درجة ما (مع العلم أن هذه المجتمعات تعاني من مشاكل من نوع آخر في هذا المجال)، وأكثر ما يثير ذعر عدد كبير من الرجال قدرة المرأة على طلب الطلاق، لم تعد المرأة أماً وأختاً وزوجة صامتة راضية، فبات من الممكن أن تطلب الطلاق بسبب سوء المعاملة وحتى مجرد وجود حاجة عاطفيّة وجنسية غير ملبّاة في زواجها، وأعتقد أن التغيير الأهم أنها هي ذاتها باتت تتقبل فكرة الطلاق ولم تعد تابو أو كارثة بالنسبة إليها، باتت ترى أن لها دوراً غير الطبخ والنفخ وتربية الأولاد.

في حالة الحركة النسوية فلا مفرّ من الاصطدام مع مجموعة ثوابت وأعراف اجتماعية ودينية، لذلك تثير الحركة حساسيّاتٍ كبيرة، وحقيقة سبب الهجوم هو ليس أثر الحركة على الأرض بقدر ما هو تغييرات تحققت على نطاق محدود بين عدد من النساء السوريات بسبب ظروف الحرب.

ببساطة نكون سذّجاً إن توقعنا من رجل ـ تربى على أن المرأة محتاجة اليه كمعيل وطرف قوي، وبالمقابل هو يتوقع منها تلبية الوظائف اللي يعتبرها أساسية لها كالأمومة وفقاً لمفهوم تقليدي وتنظيف المنزل والجنس بطريقته ـ أن يقبل تغييراً في طبيعة الأدوار سيسبب له مجهوداً إضافياً، والقيام بمهامٍ كان مرتاحاً منها، أتذكر أنني شاهدت فيديو للاجئ سوري في إحدى المدن الأوربية يجرّ دراجة طفله ويشتكي ويشتم أوربا ويتحدث عن حياته كما لو كانت جحيماً لا يطاق، لأنه ببساطة مضطر إلى جلب ابنه من الروضة، وهي مسألة لم يكن مضطراً إليها في سوريا، وهناك أمثلة أخرى، ولا يعني هذا أن الرجل سيء بالطبيعة بقدر ما يعني الأمر تربية راسخة وبنية نفسية يحملها معه.

إن الكلام السابق يركز على الجانب العملي الصرف وليس المعتقدات التي هي راسخة في البنى الاجتماعية والوعي. سأذكر أمثلة من حياتي الشخصية وأنا على ثقة أن معظمنا مرّ بأمثلة مشابهة: في محيطي العائلة كانت معظم نساء العائلة تنتقدن واحدة من النساء لأنها تطلب من زوجها مساعدتها في حمل ابنها في الشارع، مع أن الأمر طبيعي كونه والد الطفل ومن الممكن أن يكون أضخم وأقوى بدنياً!.

كان معظم محيطي السوري علمانياً ويسارياً، لكنني أذكر أيضاً أمثلة طريفة من هذا الوسط: أحد أصدقائي الشبان “المتحررين” كان دائم التذمر من والدته بسبب نمطها التقليدي ونقدها الدائم، ولكنها حين كانت تسافر لمدّة تفوق اليومين كان يقول بمنتهى الارتياح: “يا أخي المرأة ضرورية لقضايا التنظيف، هذا واقع“، شاب آخر : كان يقول لزوجته قبل الزواج: “لا أحب المرأة التي تركز على الطبخ لأنها تقليدية”، لكنه بمجرد مضي فترة على الزواج بدأ يتشاجر معها”، ويقول لها: “ما بعرف أطبخ لازم تطبخي شو أعمل“، وعن نفسي فقد فوجئت في علاقتي الأولى في حياتي بوجود ميول تسلطيّة لدي وشيء من الغيرة!، أما الجيل السابق فقد كان لا يجد بنسبة كبيرة منه أي تناقض في الزواج بامرأة تهتم بالبيت فيما هو يقضي هو وقته بين العمل والسهر مع أصدقائه، نعم هذا هو الواقع فداخل هذا العقل فحل يختبئ.

في الأمثلة السابقة المتعلقة بالمهام المنزلية ربما يكون الحلّ بالمشاركة وتقاسم المهام، وهو أمر لم نتربّ عليه كرجال، ولكن إن تحدثنا عن الجانب النفسي وأفكار الرجل، فالرجل يمكن أن يشعر بالإهانة إن بدأت زوجته تبني شخصيّة مستقلة عنه في قراراتها وطموحاتها وطريقة لباسها، وأمور كثيرة أخرى، وربما يشعر بالتهديد بسبب نجاحها الاجتماعي والمهني.

أعتقد أن موجة الهجوم والسخريّة الدائمة من الحركة النسوية، تأتي من رجال يرون تغييراتٍ تخيفهن ورغم أنها تغييرات ليست ضخمة لكنها تتصاعد ببطء، الرجل هنا يقول لنفسه: “معقول شريكتي ما تريد تعيش معي، تقوم تتركني وأنا ما أحسن وقّفها، معقول يصير مطلوب مني شاركها التنظيف والطبخ والنفخ (وهي مهام متعبة بالمناسبة ترقى لعمل بدوام كامل)”.

ألاحظ أن السخرية من النسويات باتت ثابتاً من ثوابت عدد كبير من المثقفين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأحياناً يردد بعض الرجال أسخف تعليق سمعته: “صار الرجال بدهم حدا يدافع عنه هههه“، أسأل نفسي هنا كم امرأة قتلت زوجها في جريمة شرف أو لأنه طلّقها أو تزوج بأخرى أو لمجرد الشبهة بخيانتها له أو بسبب العنف المنزلي؟، إنه تعليق دنيء وغير أخلاقي.

خمسين بالمئة من النساء البيض في أمريكا صوّتن لدونالد ترامب لدى انتخابه رئيساً، رغم وجود دعوى من زوجته السابقة بالاغتصاب الزوجي، ورغم حديثه السوقي المقزز بحق النساء، مثل هذه العقلية هي عقلية من تريد أن تمشي حسب قواعد السوق.

لكن الأنكى والأسوأ وجود نساء كثر مشاركات في الموجة هذه بغرض الظهور بمظهر الفتاة اللطيفة المتعلّمة ولكن غير المعقدة، بعضهن يتفّه فكرة الحركة إلى مستوى:” أبي ما كان يضربني، مو كل النساء مظلومات”.

أسأل نفسي لو أن هؤلاء النسوة كسرن تابوات آبائهن فكيف ستكون معاملة الأب والأم لهنّ؟

والتعليق الآخر الشائع نجده لدى البعض ممّن تتابعن الموضة ” أنا مو معقدة متل النسويات، بحب الميك آب والفاشَن fashion“.

تذكرني هذه التعليقات بأن خمسين بالمئة من النساء البيض في أمريكا صوّتن لدونالد ترامب لدى انتخابه رئيساً، رغم وجود دعوى من زوجته السابقة بالاغتصاب الزوجي، ورغم حديثه السوقي المقزز بحق النساء، مثل هذه العقلية هي عقلية من تريد أن تمشي حسب قواعد السوق، سوق العرض والطلب على العلاقات والجاذبية والحضور الاجتماعي، وبدل مهاجمة مصدر المشكلة يتم الهجوم على من يريد تغيير القواعد، بالفعل أنتن لا تشابهن كثيراً من النسويات اللاتي ناضلن للحصول على الحقوق الانتخابية للنساء والكثير من الحقوق الأخرى.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالجنسانية والدراسات الثقافية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.