عن الجنولوجيا.. طوباويات تتوالد من أفق مسدود للحرب السورية

هل قادت الظروف وانسداد أفق الحل إلى ظهور هذه الطوباويات، أم أنّ التواطؤ مع هذه الطوباويات قاد إلى مزيدٍ من الكوارث واستعصاء الحل؟. أم أننا نمر بمرحلة طبيعية لمجتمع مقموع طيلة ما يزيد عن نصف قرن ولا مفر من المرور بهذا المخاض الأليم؟

عمار عكاش

يدور نقاش مؤخراً حول المناهج التي تفرضها الإدارة الذاتية في مناطق سيطرتها، وهو امتداد لنقاشٍ بدأ منذ بضع سنوات حين قاموا بتغيير لغة التدريس في المدارس إلى اللغة الكردية في بعض المناطق، وبتغيير المناهج، أثير الكثير من النقاش بشكل خاص حول مادة الجنولوجيا (علم المرأة)، لأن الحزب في طروحاته يتحدث دوماً عن تحرر المرأة.

إنّ الصورة الأكبر التي روّج لها حزب العمال الكردستاني في موضوع حرية المرأة، هي المرأة المنزوعة الملامح الجنسيّة المقاتلة، المرأة التي خرجت من أدوارها التقليدية في المطبخ وفي بيت الزوجيّة؛ لتفني نفسها في سبيل القضية، كما أنّ تجنيد النساء للقتال؛ كان وسيلة دعائيّة فعّالة لتحفيز الرجال على القتال في مجتمع أبوي يشعر فيه الرجال أن رجولتهم مشكوك فيها حين تقاتل النساء، حتى أن معظم كوادر الحزب كانوا يرددون دوماً كعلامة فخر مسجّلة: “النساء تقاتلن في الجبال”، وحقيقةً كانت صور النساء المقاتلات منذ انطلاق الحزب إلى العمل المسلّح سبباً في تجييش آلاف الشباب الذكور. وأشير هنا أنني شخصياً أقبل هنا بتنحية موقفي الرافض للعنف، وقبول نقاش أن النساء والرجال يجب أن يكونوا متساوين حتى حين يتعلق الأمر بحمل السلاح للدفاع عن دولة ما أو بلد ضد عدوان تواجهه، لكنني أناقش هنا مسألة أخرى.

خلال مسار الحرب الأهليّة السورية، عرف حزب العمال الكردستاني كيف يروّج إعلامياً لمسألة النساء المقاتلات، ولمسألة محاربة التطرف، فالتركيز على النساء المقاتلات يداعب العقل الغرائبي الاستشراقي المولع بالنساء المقاتلات بنسخهن المختلفة منذ زمن بعيد (كما في أسطورة النساء الأمازونيات)، إضافةً إلى وجود فكرة شديدة السطحيّة في الغرب عن ميكانيزمات قمع وميكانيزمات تحرّر المرأة في الشرق الأوسط، على سبيل المثال: حين كنت أحدّث بعض الأوربيين عن أن كوباني (عين العرب) هي أكثر المناطق الكرديّة تديّناً،

معسكر للمرأة الشابة (ANF)

ومنطقة سكانها محافظون وأكثر منطقة كردية توجد فيها ظاهرة تعدّد للزوجات التي تكاد تنعدم في بعض المناطق الكرديّة الأخرى، كانوا يصابون بالذهول، ثم كنت أضيف: “الكرد هم المسلمون السنة الأقلّ تديناً في سوريا، والأقل تسييساً للدين لكن الموضوع أعقد مما تتصوّرون”. لكن مع أن الحزب روّج جيداً لهاتين المسألتين، فتبقى المسألة المفصليّة هنا: موقف الدول الغربية من تركيا، ومدى قدرتهم على إغضابها، وهي الدولة الضخمة التي ما تزال عضواً في الناتو ورغم كل مشاكل حكومتها مع الغرب لكن لا يوجد صدام سياسي مباشر، بل علاقات تجارية طيبة ويشمل ذلك حتى بيع الأسلحة، ولا توجد أية أزمة دبلوماسية مستعصية مع الدول الغربية، وخاصة مع الحليف الأمريكي، الذي تمرّ علاقته بتركيا أحياناً بتوترات لا تخرج عن إطار زعل الحلفاء، والمساومات.

أفهم أن يمارس أعضاء الحزب الغوغائية في دفاعهم عن الأيديولوجيا الخاصة بهم، وترداد كلام قياداتهم ورؤيتهم الخاصة لتحرر المرأة التي لا تمنعهم من تجنيد فتيات قاصرات، فهذا دأبهم منذ نشأتهم، في هذا الإطار يبدو لي كتاب الجنولوجيا لا يعدو كتاباً أيديولوجياً رثاً موضوعاً بدون تخطيط وبدون نظرة لحاجات المجتمع، وكيفية تغيير المجتمع لتحسين وضع المرأة، لكن ما يثير استغرابي هو هذا العدد غير القليل من المثقفين الكرد الذين يتصرفون من مبدأ أنا وابن عمي على الغريب، فقد بدؤوا بالدفاع عن تفصيلات كثيرة غير مقبولة تحت مسمى الإدارة الذاتية، والجميع يعرف أن الإدارة بيد حزب واحد والباقون مجرد أتباع أو مدنيون يؤدّون وظائفهم وأعمالهم، وأظن أن الأمل يداعبهم بإمكانية الاستمرار في الإدارة الذاتية؛ لوجود طموح قومي نابع من ظلم واضطهاد قومي تعرض له الكرد طويلاً إضافةً إلى ضعف الثقة بل وربما انعدامها في شركاء الوطن، وزاد الطين بلّةً تدمير عفرين وتسليمها لثلّة من اللصوص وقطاع الطرق، وتأييد قطاع كبير من جمهور الثورة لدخول فصائل المرتزقة إلى عفرين، ومن ثم سكوت معظمهم عن عمليات التوطين بل وإنكارها، يضاف إليه تصرّف قسم ضخم من النازحين كأن عفرين حق طبيعي لهم.

في مثل هذه الظروف في غياب قوة وطنيّة ذات طرح حديث يتجاوز الكلام العام عن المواطنة إلى بحث كل التفصيلات والانقسامات الموجودة في سوريا، ستبقى هذه المشاريع الطوباوية المطروحة في كل مناطق سوريا هي السائدة. هذه الطوباوية ذاتها دفعت أعداداً كبيرة من جمهور الثورة ومن مختلف الأطياف للمضي وراء فصائل إسلامية بما في ذلك علمانيون بذلوا جهدهم لإنكار هذه الصفة عنها طويلاً ( صفة الإسلامية)، فبرأي هؤلاء أن تهتف بهتافات دينيّة، وأن تمنع الكحول في كل المناطق التي تسيطر عليها لا تكفي للإشارة إلى توجهات الفصائل المقاتلة، كما تتجسد الطوباوية في افتتاح مدارس كردية في بيئة حرب لا يمكن أن تضمن فيها استمرار شيء، أذكر كيف استشرس كثير من المثقفين الكرد في الدفاع عن الفكرة وبدؤوا بمهاجمة المواطنين الكرد العاديين الرافضين لها، (تارة بالطعن بشعورهم بكرديتهم، وتارة باتهامهم بالشعور بالدونية تجاه العرب) وبدؤوا بالسخرية من الناس على وسائل التواصل الاجتماعي!. وحقيقة الأمر أن الآباء والأمهات الكرد لم يكونوا يرغبون بالمغامرة بمستقبل أبنائهم بالدرجة الأولى، بحيث بدوا لي أكثر واقعيّةً بما لا يقاس من المثقفينَ الحالمين!. والكارثة أنه بعد سقوط عفرين لم يقوموا بأية مراجعة ذاتية وقسم كبير من هؤلاء ينعم أبناؤهم بمدارس مثالية في أوربا، ومن دفع الضريبة هم أطفال عفرين.

ولا أستغرب عدم وجود مراجعات فهذه الطوباويات يمكنها تبرير كل الخسائر باسم النضال في سبيل القضية، وهذه مسألة يشترك فيها كثر من الطيف المعارض السوري.

حين تعمّ الطوباوية والشعاراتيّة سنجد من يدرس الجنولوجيا، وسنجد من يسمي فصائل إسلامية بفصائل معتدلة ويحاجج بأنها تسعى لبناء وطن يحقق المساواة والديمقراطية!. ولا أدري أيهما أدى للآخر على طريقة سؤال الدجاجة أم البيضة أولاً: هل قادت الظروف وانسداد أفق الحل إلى ظهور هذه الطوباويات، أم أنّ التواطؤ مع هذه الطوباويات قاد إلى مزيدٍ من الكوارث واستعصاء الحل؟. أم أننا نمر بمرحلة طبيعية لمجتمع مقموع طيلة ما يزيد عن نصف قرن ولا مفر من المرور بهذا المخاض الأليم؟


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الجنسانية والثقافية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.