عن التصورات النمطية السلبية بين المكونات السورية ـ ثنائية ريفي/ حضري

ماذا نخسر لو فكرنا بحلول لهذه المشاكل التي هي في أساسها نتاج ظروف موضوعية، لم تسمح بإنتاج دولة حديثة، ومؤسسات ديمقراطية؟ وكيف نتعلم أن الآخر شريك في الوطن والحياة، وليس مشروع تهديد محتمل لمعتقداتي وقيمي وعرقي؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

يميل الناس في أغلب المجتمعات إلى بناء صور نمطية عن أبناء المجموعات الأخرى وهي ليست بالضرورة سلبية، فهي تعبر في جانب منها عن عملية عقلية ترمي إلى تبسيط خصائص المجموعات البشرية وحصرها في عدة صفات مميزة تُسهِّل فهمها والتعامل معها، من الأمثلة المبسطة عن ذلك: فكرة السوري عن أن إيطاليا بلد المعكرونة والبيتزا والأحذية الفاخرة والمافيا والإسبريسو، هي صورة نمطية مبسطة، ولكن المشكلة الكبرى تنشأ في حين تتفاعل المجموعات الاجتماعية في مجتمع ما في شروط غير صحية فتبني صوراً نمطية سلبية تنتج نوعاً من التحامل الذي يقود إلى سلوك عنصري أو فوقي، وتعود هذه الصور النمطية السلبية إلى أسباب عدة منها صراع المصالح، وتضارب القيم والاختلاف الثقافي، واختلاف المكانة الاجتماعية الخ…

في السياق السوري شهدت البلاد هجرات ضخمة من الريف إلى المدينة منذ السبعينيات، ونشأ في المدن الكبرى وخاصة حلب ودمشق سياق اجتماعي غير صحي لتفاعل المجموعات البشرية من سكان المدن القدماء والقادمين من الريف (يضاف إليها جبلة واللاذقية حيث اصطبغ الأمر بصبغة طائفية)، وبدأت تتولّد صور نمطية سلبية من قبل أبناء هذه المدن تجاه الريفيين مبنية على مزيج جغرافي وطبقي وأحياناً مستندة إلى بعد إثني وطائفي، وعلى شعور أبناء المدن بعد الهجرات الضخمة لأبناء الريف بتهديد لثقافتهم وقيمهم.

من أمثلة ذلك: من الشائع أن يوصَف العلويون، والكرد من منطقة عفرين بأبناء الجبل وهي تسمية من حيث المبدأ تحمل سمة جغرافية لا تشي بشيء سلبي، لكن بتزاوج هذه الجغرافية مع تقسيم اجتماعي محدد (ريف ـ مدينة) ضمن شروط تاريخيّة محددة قد تتحول هذه التسميات بالتدريج إلى تسميات تحقيرية، فيمكن أن يستخدم مصطلح أبناء الجبل للدلالة على العلو والشجاعة ويمكن أن يستخدم دلالة على الجلافة والانعزال عن الحضارة، وكانت هذه الصورة النمطية السلبية شائعة بدرجة ما في المجتمع السوري.

في السياق السوري شهدت البلاد هجرات ضخمة من الريف إلى المدينة منذ السبعينيات، ونشأ في المدن الكبرى وخاصة حلب ودمشق سياق اجتماعي غير صحي لتفاعل المجموعات البشرية من سكان المدن القدماء والقادمين من الريف.

ويزيد الطين بلّةً تزاوج الجغرافية بالاجتماع وبالسياسة في بعدها الإثني، بهذا المعنى لم يكن أمراً غير مألوف في مدينة حلب في كل خلاف يقع بين من يعتبر نفسه ابن مدينة أصيل وجاره الكردي أن يقول له: “ارجعوا لجبلكن”، ومع بدايات قدوم الكرد إلى مدينة حلب وعدم إتقانهم العربية كانت من الأمور الشائعة السخرية من لهجتهم، بينما نلاحظ أنه في حالة الأرمن كان هناك مزاج تحببي من عدم إتقانهم العربية علماً أن كلاهما من إثنية مختلفة عن العرب، والسبب (اجتماعي – اقتصادي)، فهم كانوا ناجحين في مهن ينظر إليها الحلبيون بعين الاحترام: الحِرَف بمختلف أنواعها، وميكانيك السيارات فبفضلهم باتت لحلب شهرة في تصليح السيارات وتعلم أبناء المدينة الكثير منهم، واشتهر الأرمن بصياغة الذهب والفضة بحرفية عالية، بينما كان الكرد يعملون في مهن بسيطة بدايات قدومهم إلى حلب، وتغيرت النظرة النمطية عنهم نسبياً بعد عام ٢٠٠٠، بسبب إقبالهم الكبير على الدراسة، وعملهم بجد في مهن مختلفة، لكن البعد السياسي التحريضي والبعد التقسيمي (ريفي ـ حضري) بقيا موجودين، ولا ننسى هنا أن هناك شعوراً غير معلن بأن الأرمن جماعة ليست لها مطالب قومية في سوريا وبالتالي فهي مجموعة غير مُهدِّدة، بينما مطالب الكرد السياسية، وتحريض النظام، والعقلية السائدة كلها دفعت إلى تزايد التصورات النمطية السلبية عن الكرد خاصة بعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣.

فيما يخص العلويين، فلم تكن السخرية منهم علنية بسبب الخوف، وبعد الثورة سمعت مراراً وتكراراً من أشخاص مختلفين عبارة بحق العلويين: “والله لنخليهم يرجعوا لجبلهن”، العبارة الأخيرة طريفة لأنها تنطوي على اعتراف ضمني بقرون من اضطهاد العلويين مما أجبرهم على العيش في جبال وعرة، كما أن كثيراً من الناس باتوا يتصورون لهجة العلويين لهجة ضباط المخابرات ويسخرون منها، وهي علمياً لهجة زعران مناطق محددة للعلويين، إضافة إلى شيوع نظرة مؤسفة تجاه النساء العلويات لا أريد الحديث عنها هنا.

بالمقابل بنى الكرد وأبناء الريف تصوراتهم النمطية المضادة عن أبناء المدن وارتبطت بتصور اجتماعي ـ اقتصادي أسبغت عليه سبغة أخلاقية وغالباً ما كان منطقها الكامن: “إن كانوا يمتلكون المال فنحن نمتلك الأخلاق والكرم”، فأبناء مدينة حلب في أعين بعض من أبناء الريف ومن بينهم بعض الكرد أناس لا يهتمون سوى بالمال، مترفون، هدفهم في الحياة الطعام والجنس، ونسائهم شبقات، ولا يؤتمن جانبهم فهم غشاشون لا ذمة لهم.

بالطبع تسير إلى جانب هذه التصورات النمطية السلبية أيضاً تصورات إيجابية تتواجد أحياناً جنباً إلى جنب لدى الشخص نفسه يوظّفها حسب سياق تفاعله الاجتماعي وما يواجهه من مواقف، كما أنها ليست ثابتة بل تتعدل وتتغير.

كسوريين لم نجرب يوماً أن نخلق بيئة نقاش آمنة، ولو حتى على المستوى الأكاديمي، راقبوا منشورات السوشيال ميديا، ستجدون كماً هائلاً من منتجات الكراهية، ثم أناساً يقولون إنه لا فرق بيننا فنحن جميعاً سوريون، وهذا الكلام غالباً منطلقه أنه من الأفضل وأد الفتنة.

إلى جانب الأسباب الموضوعية لهذه التصورات النمطية السلبية بين المكونات السورية، يخطر في بالي أننا كسوريين لم نجرب يوماً أن نخلق بيئة نقاش آمنة، ولو حتى على المستوى الأكاديمي، راقبوا منشورات السوشيال ميديا، ستجدون كماً هائلاً من منتجات الكراهية، ثم أناساً يقولون أنه لا فرق بيننا فنحن جميعاً سوريون، وهذا الكلام غالباً منطلقه إنه من الأفضل وأد الفتنة، وسنجد أيضاً أكاديميين يبذلون جهدهم لإثبات إما أن هذه الأمور عادية وعالمية أو يبسّطون منها، وأكثر ما أخشاه أن بعض من يتعامون عنها ربما يحملون في أنفسهم جزءً منها، ولكن في حال حسن النيّة أسأل: “ماذا نخسر لو فكرنا بحلول لهذه المشاكل التي هي في أساسها نتاج ظروف موضوعية، لم تسمح بإنتاج دولة حديثة، ومؤسسات ديمقراطية؟”. ولا يفوتني أن أذكر أن الجانب السياسي مهم جداً في سوريا للبدء بإنتاج الحل، والجانب التربوي المدرسي، ولكم أحلم بيوم، يذهب فيه أبناؤنا إلى المدرسة ولا يتعلمون أننا جميعاً سوريون “وفضت يا عرب” (١)، بل يعودون إلى المنزل وقد تعلموا ما هي الأديان المختلفة الموجودة في سوريا، وما هي إثنياتها، وأن فيها ملحدين ومؤمنين، وأنهم تناقشوا في الصف عما يحملونه من أفكار سلبية عن الآخرين بعضها سمعوها من آبائهم (نحن، جيل الخيبة)، وتعلموا كيف أن الآخر شريك في الوطن والحياة، وليس مشروع تهديد محتمل لمعتقداتي وقيمي وعرقي.

١ – “وفضت يا عرب” تعبير شعبي سوري يعني أن المشكلة حلّت، وهو مقتبس من عادة تجمع وجهاء القبائل لحل مشكلة ما ويفض الاجتماع باتفاقهم على حلّ، وعادة ما يستخدم في سياق يشير إلى أن المشكلة بسيطة وسهلة الحل.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.