عن البكاء… مطر الروح

وُلِدْنا ونحن نبكي، لم نكن حينها قادرين على التعبير، كان البكاء وحده سبيلنا ووسيلتنا، وقد عبر الموروث الشعبي عن ذلك بالقول إن الطفل عندما يبكي فإن بكاءه “يا جوعْ يا موجوعْ” أي أنه يبكي لأنه إما جائع يطلب حليب أمه أو أنه يتألم من شيء ما.

الأيام السورية؛ نزار غالب فليحان

كلما مر مشهد على الشاشة في إحدى شوارع دمشق ترافقه رشقات بُزُق “محمد عبد الكريم” فاضت الروح، صارت الدمعة قاب قوسين أو أدنى من الانسكاب، يكون المشهد أكثر تأثيراً وأكثر تحريضاً على البكاء في صباح أزقة دمشق العتيقة، يزيده الشتاء إيلاماً لأن المطر يُظَهِّرُ الأخضر في الياسمين على أكتاف الطريق، يغسل الرصيف، يروي التراب في الأصائص، يجفل السنونوات في المآذن، يعيد القرميد إلى طفولته والبازلت إلى سواده الأول، فتبدو الطبيعة وكأنها في يوم ميلادها، هي تحتفل بتجددها ونحن نغرق في الحنين، هي تتقن الحياةَ ونحن نتقن كبحَ البكاء، نختطف الدموع و نخزنها في القلب لتستحيل ندبة في حوافه رفقة نُدَبٍ راكمتها السنون، كلما رحل طير فاض في العين دمع، كلما غاب صديق حُبِسَت عبرة، حتى أن مجرد سقوط ورقة خريف عن غصن حائر صار يخز قِرْبَةَ الحنين، باتت قلوبنا هشَّةً رثَّةً حدَّ الزوال، يصف الموروث الشعبي هكذا قلب بـ “القلب الشَّرْشوح” أي البالي المهترئ الذي ليس لديه قدرة على التحمل.

وُلِدْنا ونحن نبكي، لم نكن حينها قادرين على التعبير، كان البكاء وحده سبيلنا ووسيلتنا، وقد عبر الموروث الشعبي عن ذلك بالقول إن الطفل عندما يبكي فإن بكاءه “يا جوعْ يا موجوعْ” أي أنه يبكي لأنه إما جائع يطلب حليب أمه أو أنه يتألم من شيء ما.

كبرنا وبدأ تعاطي البكاء يتراجع شيئاً فشيئاً، ليس لعدم رغبتنا في ممارسة هذا الطقس العفوي التلقائي المباشر، إنما لأننا بدأنا نتلوث و بدأت مخيلتنا تتشوه فارتبك سلوكنا بحيث لم يعد يأتي عفوياً بريئاً صادقاً، أخذت مؤثرات المحيط تفعل فعلها في أرواحنا، قالوا لنا: إن البكاء فعل معيب كما قالوا لنا: إن البكاء سلاح الضعفاء، حتى أننا كنا نسخر من البكَّائين فنقول: “يا عيبو هذا بيبكي” أو “يا عيبو هذي بتبكي” وننعت من يبكي بعبارة “أبو دمعة” و من تبكي بعبارة “أم دمعة” حتى ترسخ في الأذهان نبذ البكاء كطريقة لتفريغ شحنة غضب أو كنس رماد أسىً أو غسل حجرات قلب.

لكن البكاء مطر الروح، لا بد آتٍ، حين تتلبد الذات وتعلو سُحُبُها، تملأ العين برقراقها اللامع وتنوي أن تنهمر، لكن الجفن غالباً ما يحبسها فتعود أدراجَها عَبْرَةً لا تفيض كفايةَ بكاء إنما تخبو كفايةَ موت.

نُراكِمُ الغُصَّةَ تلو الغُصَّةِ، وإن حدث وغلبتنا العبرة وفاضت نشيح بوجوهنا، نخفي دموعنا كأنها عورة لا ينبغي أن تُفْضَحَ، أو حرام يجب أن لا يُؤتى، هي الصادق الأخير فينا نغتالها عامدين.

من أحياء دمشق (رصيف 22)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.