عن أميركا ما بعد “كورونا”

12
بقلم: إميل أمين

في هذا المقال، يحاول الكاتب إميل أمين الإجابة عن مجموعة أسئلة، يجمعها وضع أمريكا بعد كورونا، في ظل الآثار التي سوف تتركها رئاسة ترامب للولايات المتحدة، وكذلك التحديات التي يفرضها ندّ قوي كالصين، ولكي نتعرف على محاولات الأجوبة؛ نقرأ معًا.

أحد الأسئلة المطروحة على ساحة النقاش الدولي عامة، والأميركي خاصة، لا سيما عبر مراكز الأبحاث الكبرى: ما وَضْع أميركا حول العالم؟ وهل سوف تتأثر قطبيتها بعد أزمة «كورونا»؟

يمكن الجواب بداية من عند موقف الرئيس ترمب، الذي تدفع أميركا اليوم ثمنه؛ فقد استهان الرجل في البدء على ما يبدو بالأزمة، ولم يقدّرها حق قدرها، ما أدى إلى إتاحة الفرصة واسعة لانتشار الفيروس.

على أن هناك مرحلة سابقة يتوجب الإشارة إليها، وهي الحضور الاستخباراتي الأميركي حول العالم، ومدى مقدرته على استشراف أزمة كبرى مثل أزمة «كورونا»؛ فهل أخفق مجمع الاستخبارات الأميركية؟

المؤكد أن هناك إشكالية حقيقية في مقدرة واشنطن على اختراق الستار الحديدي الجديد، الذي هو صيني في هذا الحقبة التاريخية، وليس سوفياتياً. كان ذلك قبل ظهور أزمة «كورونا»، ومعها ازداد الوضع ضراوة؛ فلم تستطع ست عشرة وكالة استخبارية الحصول على أي معلومات دقيقة، حول سبب تفشي الفيروس السريع، سواء في الصين، أو حتى في الداخل الإيراني، ولا يتوقف الفشل المخابراتي الأميركي على الصين وإيران، وإنما يمتد كذلك إلى كوريا الشمالية وروسيا.

أخفقت إدارة الرئيس دونالد ترمب حين ترددت كثيراً في أخذ إجراءات حاسمة تتصل بالإغلاق أو الحجر الصحي، قبل أن يستفحل شر «كورونا»؛ فهل اختارت واشنطن المال على حساب السلامة الصحية لمواطنيها؟

علامة استفهام أخرى تقابل المرء في طريق البحث عن مستقبل «الإمبراطورية الأميركية»: هل أثبت نظام الرعاية الصحية الأميركي فشله بدوره في مواجهة هذا العارض الصحي غير المتوقَّع؟
الشاهد أن نظام الرعاية الصحية الأميركي نظام جيد في مجمله، وقطاع الصحة يُنفق عليه في البلاد نحو 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لكن التجربة الأخيرة أثبتت أنه غير قادر على ملاقاة المحن والنوازل، ما يعني أن قدرته الاستشرافية شبه منعدمة.

الأمر الآخر هو العجز الواضح والفاضح في التجهيزات التقنية الطبية، ولا سيما أجهز التنفس الصناعي، ولولا التحرُّك السريع لتحويل خطوط إنتاج السيارات والمصانع الكبرى، لربما شهدت أميركا أسوأ كارثة إنسانية منذ بداياتها، وراح ملايين الضحايا، وإن كانت الأزمة في مبتدئها حتى الساعة.

ولعله من المثير للنظر والداعي للتفكر والتدبر هو الوضع اللوجيستي للمؤسسات الصحية الأميركية، وقد شاهَدَ العالم ارتداء بعض العاملين في مستشفيات أميركا أكياس القمامة، عوضاً عن الملابس الطبية الواجب استخدامها، الأمر الذي جعل بعض خصوم الولايات المتحدة يتندرون عليها.

كشف دنيس روس المساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما، في قراءة أخيرة له، عبر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، عن خيبة أمل العالم في القيادة الأميركية لقارب البشرية، الأمر الذي سيلقي، ولا شك، بظلال عميقة من الشك، حول قدرتها، في قادم الأيام، على المضي بثقة في مسار القرن الأميركي، الذي خططت له جماعة المحافظين الجدد في نهايات تسعينات القرن الماضي.

يرى روس أن مقاربة ترمب لأميركا الوطنية والقومية، مقاربة قاصرة، لا تأخذ في عين الاعتبار فكرة القرية الكونية، حيث التلاحم العولمي، إن جاز التعبير، يمكنه أن يحدث صيفاً أو شتاءً، بمعنى أن يضحى برداً وسلاماً، أو ناراً وكبريتاً، وها هو العالم يمسك «كورونا» بتلابيبه، من غير مقدرة على توحيد الجهود لإطفاء النيران.

حكماً سوف تتأثر القطبية الأميركية في السنوات والعقود المقبلة، لا سيما أن واشنطن وجدت ذاتها وحيدة في الميدان، وهذا ليس من المفاجئ، بحسب الخبير الأميركي روس، إذ إنه من الطبيعي أن لا تجد حلفاءك بجانبك حين تحتاج إليهم بعد أن تكون قد وبختهم، وهنا الحديث عن أوروبا، بنوع خاص، كما تشمل الإشارة دولاً عديدة حول العالم، ثبت لها بالتجربة والحكم أن أميركا من الدول الدائمة الخذلان لأصدقائها وحلفائها.

أميركا ما بعد «كورونا» حكماً لن تكون كسابقها، لا سيما أن الصين وروسيا قد قامتا بملء كثير من مربعات النفوذ الاستراتيجي العالمي، وقد رأى العالم بضع طائرات روسية تحطّ على الأراضي الأميركية حاملة المساعدات الطبية والمعدات المتقدمة لإنقاذ أرواح الأميركيين، رغم أن الوضع في الداخل الروسي من ناحية «كورونا» معقَّد، كما أشار إلى ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإن كان الحال عالمياً أكثر تعقيداً.

هل في الأزمة الأميركية الأخيرة فرصة ذهبية لتعود كما عوَّدَنا اليمين الأميركي على القول: «مدينة فوق جبل»؟

ربما يكون الوقت ضيقاً، والجائحة في الداخل الأميركي شديدة الوقع، غير أنه أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً، بمعنى أنه لا تزال هناك فسحة، ولو ضئيلة، من الوقت لتقود أميركا جهداً دولياً مشتركاً حثيثاً لمجابهة «كورونا»، من غير أن تضع في الاعتبار الحسابات البراغماتية المالية، أو أفكار الهيمنة الإمبراطورية التي فات أوانها.

يمكن لواشنطن أن تظهر للعالم أنها «مدينة فوق جبل»، تنير للعالم بالبحث العلمي، وبإتاحة الأمصال والأدوية لجميع المحتاجين حول الكرة الأرضية بصورة مجانية، أو بأقل قدر من التكلفة، وساعتها ربما يغفر البشر للحكومات الأميركية، ولا نقول للشعب، أخطاءهم وخطاياهم التي ارتفعت إلى عنان السماء، وساعتها فقط يمكن أن تراود أحلام قيادة أميركا للعالم خيال الجميع ثانية، بل نكاد نجزم بأنه سيكون حلماً محبوباً ومرغوباً.

من يبشر الساكن في البيت الأبيض بالانعتاق من أَسْر الأحادية الذهنية الأميركية القاتلة عما قريب؟


إميل أمين، كاتب وصحفي مصري.

مصدر المقال منشور في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 4 نيسان/ أبريل 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.