عنصرية التذوق واستحقار الكائن المختلف

كيف يمكن أن تشرح لشخص مثلاً أنك لا تستلذ باللحوم إلا كشواء وأنها كنهكة وطعمة غير جيدة داخل أنواع خضار أخرى؟ طبعاً في تلك المرحلة سيعتبرك كائن لا يمتلك تقنية فهم الطعام وأنك لم تنضج كفاية وانك أكثر من ذلك قد تكون غبياً.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

الأكثر ديمقراطية والأكثر اعترافاً بحريّة الرأي والرأي الآخر، لا بدّ له من أن يمارس أحياناً، أشد أنواع الحوارات والآراء القطعيّة الديكتاتورية عندما يتعلّق الأمر ببعض الأشياء التي قد تبدو تافهة، رغم أنهم يحافظون على اتزانهم واعترافهم بحرية البشر وبضرورة ممارسة كل شخص لقناعاته في المسائل العميقة؛ لكن هل يمكن قبول فكرة الرأي القمعي أو النصائحي كأنه يمتلك الحقيقية عندما يتعلق الأمر بالأشياء البسيطة والتافهة!

من هذه الأشياء التي قد تبدو للبعض غير ذات قيمة، هي نوع من الممارسات التي يقوم بها الأشخاص وفي مجتمعنا على نحو خاص جداً عندما يتعلّق الأمر بالطعام؛ هناك يقين لدى البشر أنهم يمتلكون سر النكهة الذهبية وأنّ الأشياء المتعلقة بالمأكل والمشرب هي النقطة الصحيحة والجمالية لديهم وتتفوق على كل أساليب الطعام الأخرى أو طريقة اعتياد البشر على تلك الأنواع.

ماركسي أصيل قال لي مرّة أنّ البيض المقلي يجب أن يُخفق جيداً قبل أن يُقلى، وبأنّ الطريقة التي أتناوله بها غير صحيّة بترك صفار البيض ع حاله (عيون). وبعض أصدقائي يسخرون من طريقتي في حُبي للأشياء، كأن أفضّل القهوة كـ “بُن” صافي فقط، دون أن يدخل فيها أي أنواع إضافية من المنكّهات، وإن كانت سخرية تحببية على سبيل الممازحة، لكنها تدلل على قناعة امتلاك السر الذهبي للنكهة الإلهية في مسائل الطعام والشراب.

من هذه الأشياء التي قد تبدو للبعض غير ذات قيمة، هي نوع من الممارسات التي يقوم بها الأشخاص وفي مجتمعنا على نحو خاص جداً عندما يتعلّق الأمر بالطعام؛ هناك يقين لدى البشر أنهم يمتلكون سر النكهة الذهبية.

وهذه الأمثلة التي قدمتها، لا شيء مقارنة بالمجموع الاجتماعي الذي يمارس تلك الأشياء كسلوك يومي ودائم، كأن يخرج أحد وهو يرفع نظراته نحو الأعلى ويتحدث بثقة توازي ثقة رئيس ما: “بدك تاكل شعيبيات، مالك غير مهروسة، وشاورما وهمبرغر بمحطة بغداد، وإذا بدك لبن وجبنة كويسات مالك غير الفتح بجب القبة، ولحمة لا تشتري غير من أرلئ (قرلق): وينهي الحديث الثقافي النصائحي بعبارة: “وغير هيك كلو ما بتاكل”.

طبعاً بعد أن ينهي حديثه بتلك العبارة تشعر وكأنك في حياتك لم تأكل سوى الجيف؛ وبطريقة ما لا تستطيع أصلاً مناقشته، فقد يغضب بسرعة وينظر إليك شذراً على أنك كائن ما زال بحاجة للكثير كي يتعلّمه.

المشكلة في عدم قبول الرأي الآخر ليست من منطق ضرورة الديمقراطية، بل المشكلة هي أنه لا يعترف بالأشياء الشخصية لديك، لا يعتبر أنك قادر على التذوّق وبطريقة أبعد من تلك لا يستطيع فهم تفضيلك لشيء ما، حتى وإن كان هذا الشيء هو أسوأ أنواع الأطعمة من ناحية التذوق، وإدراج آرائه في حوار ما هي ليست أكثر من اعتراف ضمني لنفسه بغباء ما تستلذه.

كيف يمكن أن تشرح لشخص مثلاً أنك لا تستلذ باللحوم إلا كشواء وأنها كنهكة وطعمة غير جيدة داخل أنواع خضار أخرى!. طبعاً في تلك المرحلة سيعتبرك كائن لا يمتلك تقنية فهم الطعام وأنك لم تنضج كفاية وأنك أكثر من ذلك قد تكون غبياً.

هذه الأمثلة ليست وليدة طبقة اجتماعية أو عرقية أو قومية أو حتى جنس بشري في منطقة من العالم، بل شكل يمارسه الجميع حتى الأكثر تمدناً وديمقراطية وثقافة في دول العالم الأول أيضاً، إنه في حلب، وسوريا كتجارب كنا نعيشها، وفي الوطن العربي وحتى أبعد من ذلك، إنه ثقافة في العالم في أمريكا وأوروبا وأفريقيا في مجتمعاتهم الداخلية دون أن نعيش هناك، يكفي أن نراهم في برامج أو تجسيدات لشخوص في مسلسلات وأفلام لنفهم وجودهم بصورة فاضحة تماماً مثلما نعايشهم في بلداننا، إنها ثقافة كاملة وشائعة.

كيف يمكن أن نفهم العالم في سعيه لاحترام الرأي والرأي الآخر سياسياً وثقافياً وأخلاقياً ودينياً، وما زال البشر في الأشياء البسيطة والتي قد تبدو تافهة ما زالوا يمارسون القمع واستحقار البشر لمجرد اختلاف أذواقهم.

لكن كيف يمكن أن نفهم العالم في سعيه لاحترام الرأي والرأي الآخر سياسياً وثقافياً وأخلاقياً ودينياً، وما زال البشر في الأشياء البسيطة والتي قد تبدو تافهة ما زالوا يمارسون القمع واستحقار البشر لمجرد اختلاف أذواقهم، وعندما نقول استحقار فهو فعلياً كذلك؛ إنّ النظرة على أنك كائن لا يمتلك مثالية الحضور هي بطريقة ما نظرة لنقصانك وبالتالي استحقارك؛ وليس مهماً هنا أن تحترم اختلاف الأطعمة في المجتمعات الأخرى، بل الأهم أن تعترف بخصوصية التذوق لدى الكائن الذي يشاركك ثقافتك وحضورك.

بناء المجتمعات بطريقة ما لا ينطلق من العمليات السياسة دائماً، فكثيراً ما يكون احترام الخصائص البشرية هي الطريقة الأمثل لمجتمعات تُبنى بسلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.