عندما يغدو السوريون أسرى العيشِ في ظلالِ الفُرصةِ السانحة

بقلم: د. محمد عادل شوك

ممّا يُذكر للدول التي تُحيط مواطنيها بسياج من الطمأنينة و السكينة، أنّهم يُمسون آمنين في بيوتهم، لا يخافون من تقلّبات الدهر، و لديهم حصنٌ عالٍ من الأمان الوظيفيّ، يمنعون به عنهم و عن أسرهم غوائل الزمن.

و هو ما ليس من شأن الدول ذات الأنظمة الشمولية، و الاستبدادية الأمنيّة، التي تُبقي رعاياها في همٍّ دائم، و شغلٍ شاغل، من أجل توفير مستلزمات الحياة الضرورية، فضلاً على الكماليات.
فترى المواطن إذا غدا و بين يديه مواد التدفئة، راح مشغول البال للحصول على السكر و الرز، و إذا ما احتضن عُلبَ المناديل الورقية ظهيرة ذات يوم، جيّش عائلته في المساء لالتقاط بضع عبوات زيت النباتي، و أمّا عن ربطة الخبز فدونك الحديثَ المُرّ.

حدثني شخص ذو اطلاع على نمط التفكير في هذه الدول: لا تظُنَنَّ هذه الأمور تكون عبثًا، فهناك قسمٌ معنيّ بها في المخابرات، يتولّى إيجادَ الأزمات في البلد؛ من أجل صرف الناس عن التفكير في سياسة الدولة المُتبعة، أو إشغالَ الناس عمّا نزلَ بهم من جراء حدث ألمّ بهم، أو يُتوقع حدوثُه في قابل الأيام، و دونك مثلاً على ذلك ما كان من ضنك الحياة في سورية، نتيجة الحصار الذي ألمّ بالسوريين في ثمانينات القرن الماضي، و هو أمر يذهب كثيرٌ من المراقبين إلى افتعال النظام له، حتى يصرف الناس عن الحديث عن الفواجع التي أحاطت بأبنائهم، عندما فتك الأسد بجماعة الإخوان المسلمين في حينها.

لقد عاش المواطن السوريّ حياته كلّها، يهتبِلُ الفرصةَ السانحة، التي إذا فاتَتْه فسيكون في غمّ و نكد كبيرين؛ لأنه قد أضاع بذلك فرصةً قد لا تعوّض مرة أخرى.
إذا ذهبَ إلى دائرة الهجرة و الجوازات لاستصدار جواز السفر، و طلبَ منه أحد موظفيّ الهجرة و الجوازات ( إكرامية ) لتمشية الموضوع، تراه يستدين من أصحابه ( المعلوم المطلوب )؛ حتى لا تضيع منه الفرصة.

و إذا ذهب إلى قسم شهادات السواقة، و ملّ من الوقوف في الدّور؛ تحيّنَ الفرصة التي يغمزه فيها الشرطيُّ الجالسُ خلف الكوّة، فيضع ( ما فيه النصيب ) في ثنايا المعاملة، خشية أن يقول له: انتهى الدوام، تعال في الغد لإكمال معاملتك.

و إذا أكرمَ اللهُ الولدَ و نجح في البكالوريا، و ذهب إلى الجامعة سعيًا في مناكبها للفوز بمقعد فيها، تراه متأبطًا الأوراق المطلوبة، و عيناه تغزلان بحثًا عن السمسار المرتقب لأخذ معاملته، و بالطبع لن يكون من خارج أمن الجامعة، و يُفضّل أن يكون من منطقة الساحل.

و أمّا إذا حلّ عليه الموت الزؤام، و تمّ تبليغه بالالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، فدونك القصصَ التي يشيب لها الولدان، بدءًا من الحضور إلى شعبة التجنيد، و مرورًا بدورة الأغرار، و انتهاءً بالفرز.
إنّ العائلة ستعيش في نكدٍ من الزمان، و انشغال البال، و دفع ( تحويشة العمر ) للضابط المسؤول عن فلذة كبدهم، في مقابل ( التفييش )، أو فرزه إلى منطقة مريحة، أو …..

لقد تأتّى كل هذا ( السعَد، و الهنا ) للسوريين، بفضل ( الفساد المالي، و الإداري )، الذي نخرَ مفاصل النظام بأكملها، منذ الأيام الأولى للأسد ( الأب )، و بلغَ أوجه في عهد الأسد ( الابن ).

و هو الأمر الذي جعل المواطن السوري، يعيش مسكونًا في همّ ( تسليك ) حياته، حينما يريد أن يحصل على أدنى حقوقه؛ فلقد غدا ( فيتامين ” واو ” ) حديث المجالس في سورية، فهذا يتباهى بأنّه ما ذهب إلى دائرة حكومية إلاّ و كانت أموره ميسّرة به، و ذاك يتحيّن الفرصة المناسبة للتعرّف على أحد عناصر المخابرات، و حبذا لو كان من جماعة ( النظام )، فيبادر بدعوته للعشاء في أحد المطاعم، أو يدسّ له في جيبه ما فيه النصيب.

لدرجة أنّه لا يوجد بيتٌ في الجبال الساحلية، إلاَّ و فيه ركنٌ مدفوع الثمن من أبناء المدن الأخرى، و لا تجد سوريًّا إلاَّ و يده في جيب غيره.

لقد أفنى قسمٌ من السوريين شطر حياتهم في انتظار الفرصة السانحة، التي تنتشلهم من القاع إلى قمة الجبل، فيتمّ قبولُه في المخابرات، أو الشرطة، أو البلدية، أو …..، و لا مانع لدى قسم آخر من أن يدفع حياته كلّها لقاء الفرصة الذهبية، ليكون موظفًا في إحدى السفارات أو القنصليات السورية في الخارج، أو في شرطة الجمارك.

و عوضًا عن هذا، و ذاك، وجدت ثلةٌ من أبناء الطوائف الأخرى الطريق الأيسر و المختصر، للوصول إلى أعلى درجات السُلَّم، من خلال مصاهرة إحدى الأُسر العلوية.
إزاءَ واقعٍ كالذي عاشه السوريون، على مدى نصف قرن من الزمان، يُدهش كثيرٌ من المراقبين من حنين شرائح من السوريين إلى العيش في ظلّ هاتيك الأيام، التي جعلتْهم أَسرى العيشِ في ظلالِ الفُرصة السانحة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.