عندما تُنفى الشعوبُ ويبقى السلطان

تفيدنا قراءة التاريخ بشكل معمق لنكتشف أنّ ما يُقال أحيانًا من باب التندُّر، عن إفناء الشعوب إبقاءً للحاكم، ليس أمرًا من تخيُّلات أذهان الساسة؛ بلْ هو أمرٌ مألوف لدى طائفة من السلاطين والحكَّام.

33
بقلم:د.محمد عادل شوك

يبدو أنّ ما يُقال أحيانًا من باب التندُّر، عن إفناء الشعوب إبقاءً للحاكم، أو تهجيرِهم كي يبقى هو وأركان نظامه، ليس أمرًا من تخيُّلات أذهان الساسة؛ بلْ هو أمرٌ مألوف لدى طائفة من السلاطين والحكَّام، وغالبًا ما يكون ذلك من صنفين من أولئك الحُكَّام:

1ـ ذوي النفوس المصابة بعقدة جنون العظمة، المسكونيين بهاجس الخوف من الرعية، من أن تنقلب عليه في لحظة ضعف أو غفلة.

2ـ ذوي الشخصية الضعيفة، غير المؤهلين للحكم والرياسة، غير أنّ الأقدار جاءت بهم إليها، وحتى ينفوا عن أنفسهم ذلك، عادةً ما يلجؤون إلى القهر والبطش، واتِّخاذ قرارات مصيرية، تتصف بالقسوة المبالغ فيها، لتثبيت سلطانهم وقهر خصومهم.

ومن خلال تتبُّع هذه الظاهرة، وجدنا ما يستحق الوقوف عليه منها لدى السلطان، محمد شاه، ملك الهند والسند، أحد سلاطين الهند، وثاني حكام الدولة التُغْلُقيَّة، ولد في نهاية القرن السابع الهجري، وهو ابن السلطان غياث الدين تغلق، أحد سلاطين الهند، تولى سلطة الهند بعد موت والده سنة 725 هـ، اشتهر عنه أنه كان يسفك الدماء، ويقتل كل من يخالفه على أقل سبب.

وقد ذكر له ابن بطوطة مواقف كثيرة تدل على قوته، وشدته في معاملة الرعية، وفي عهده تعرضت البلاد لهجوم المغول، ولكنه احتال عليهم بالهدايا والأموال حتى رجعوا عن بلاده، وكانت وفاته سنة 752 هـ، في 20 مارس 1351.

لقد نَقَمَتْ عليه رعيتُه أشدَّ الانتقام لجملة أسباب، منها:

ـ جبروته وظلمه وبطشه وسفك الدماء لأتفه الأسباب.

ـ إجلاؤه أهل دهلي (العاصمة) عنها؛ وسبب ذلك أنهم كانوا يكتبون بطائق فيها شتمه وسبه، ويختمون عليها، ويكتبون عليها: ” وحقِّ رأس خوند عالم (لقب السلطان) ما يقرؤها غيره “. ويرمونها بالمشور (قصر الحكم) ليلًا، فإذا فضَّها وجد فيها شتمَه وسبَّه، فعزم على تخريب دهلي، واشترى من أهلها جميعًا دورهم ومنازلهم، ودفع لهم ثمنها، وأَمَرَهُم بالانتقال عنها إلى دولة آباد (العاصمة الجديدة) فأبوا ذلك، فنادى مناديه ألَّا يبقى بها أحد بعد ثلاث، فانتقل معظمهم، واختفى بعضهم في الدور، فأمر بالبحث عمن بَقِيَ بها، فوجد عبيدُه بأزقتها رَجُلَيْن: أحدهما مُقعَد، والآخر أعمى. فأتوا بهما فأَمَرَ بالمقعد فرُمِيَ به في المنجنيق، وأمر أن يُجَرَّ الأعمى من دهلي إلى دولة آباد، مسيرة أربعين يومًا؛ فتمزق في الطريق ووصل منه رِجْله.

ولما فعل ذلك خرج أهلُها جميعُهم، وتركوا أثقالهم وأمتعتهم، وبقيت المدينة خاوية على عروشها، فحدَّثَني من أَثِقُ به قال” صعد السلطانُ ليلةً إلى سطح قصره، فنظر إلى دهلي، وليس بها نار ولا دخان ولا سراح، فقال: الآن طابَ قلبي وتهدَّن خاطري.

ثم كتب إلى أهل البلاد الأخرى أن ينتقلوا إلى دهلي ليعمروها، فخربت بلادهم، ولم تعمر دهلي لاتساعها وضخامتها، وهي من أعظم مدن الدنيا، وكذلك وجدناها لما دخلنا إليها خالية ليس بها إلَّا قليل عمارة.


إقرأ المزيد:

ركائزُ السُّلطة في سوريا بين عهدين

قواعدُ مهمّةٌ في التحليل السياسيّ

قراءةٌ في التصعيد العسكري الذي تشهده إدلب

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.