عندما تغترب مصطلحاتنا أيضاً 2 ـ 2

الأيام السورية؛ سلام أبو شالة

في تغريبتنا السورية الكبرى عبر مشارق الأرض ومغاربها؛ وحيثما وطأت أقدام السوريين الهاربين إلى أقاصي المعمورة من الموت والاستبداد ؛ يُطرح تساؤل بديهيّ.. ماذا سيبقى من ذاكرتنا الشعبية السورية المُشتتة في المنافي؟

طوى الموت الكثير من حفظة التراث اللا مادي قبل الثورة وغيّب الموت الكثير منهم أثناءها؛ وأقصد هنا تراثنا الِشفاهي كالأغنيات الشعبية وأغنيات الأفراح وأغاني العمل والحصاد وطقوس الختان والأمثال والمصطلحات الشعبية التي يتداولها العامة فيما بينهم.. وما تبقى في الذاكرة الشعبية عند الحفظة لا يجد من يجمعه؛ وبخاصةٍ أن غالبية الحافظين لذاكرتنا هم من كبار السن وسوف تندثر مكنونات ذاكرتهم مع رحيلهم.

تحديات صعبة

وهنا.. يقف اللاجئ السوري أمام تحدياتٍ جمة تحمل معاناة بطعمٍ مُرّ.. أولها: إتقانُ لغة التخاطب في البلد المُضيف؛ وهذه أيضاً معضلة كبار السن منهم؛ فحفظ  الجُمل الجديدة الغريبة ومفرداتها صعبة جداً عليهم؛ ولكن يجب أن يتعلموها ليتمّ الاندماج مع عادات وتقاليد المجتمع الجديد وإلّا.. فالترحيل أمامهم؟.

من تغريبتنا.. نتأمل مسيرِ رحلة نسيان مفرداتنا الشعبية الجميلة ذات الأصل الآرامي؛ والتي تداولناها منذ مئات السنين وفاحت أنسامها بين أزقتنا الترابية الُمتعرجة في عمق حاراتنا الشعبيّة بعد أن انتقلت إلينا من أجدادنا وجدّاتنا عبر الزمن.

هنالك أجيالٌ كاملة ستُولد في دول اللجوء؛ فهل سنورّثها ذاكرتنا السورية؟

مصطلحات قيد الانقراض

جُلُّ هذه المفردات الشعبية الجميلة التي لا يفهم معناها إلّا الإنسان السوري؛ والتي تبدأ كلّ يومٍ بالثرثرة مع الجار والجارة أمام باب الدار؛ بدءاً بتحية: حوِّل؛ وهي دعوة وديّة للزيارة تُقال في كل الأوقات.

مصطلح عَ البَرَكِه؛ وتُقالُ على التنور أثناء عملية الخَبز. حيث كانت النساء السوريّات يخبزن منذ مطلع الفجر وحتى العصر أحياناً.  ويُوجد في كلّ حارة أكثرُ من تنّورٍ واحد؛ وكان على كلّ امرأةٍ أو صبيّة تريد أن تخبز عجينها في التنّور.. أن تأخذ دوراً من المرأة المسؤولة عنه.. قبل يومٍ على الأقل؛ ويحدث هذا في الأيام العادية، أمّا في  مواسم الزواج والأعياد.. فيجب أن تُسجَّل في الدور قبل أسابيع وتنتظر.

ومن كان غريباً عن البلدة أو القرية.. كان يتبع رائحة الخبز الطازج الشهي المنتشرة في الزقاق؛ وما أن يجد تنّوراً ومن حوله عددٌ من النسوة.. يكفيه أن يقف على بابه.. ويقول: عَ البركة؛ ليُناوِلنه على الفور رغيفاً ساخناً أو “فٌرنيّة” مع السمسم.. مع ابتسامةٍ طيبة مُترَعة بالكرم والضيافة.

غياب المناسبات الاجتماعية

ثمّة عادات أخرى في المجتمع السوري باتت غائبة أيضاً.. كطقوس الأعراس والوِلادة وأغاني العروس بدايةً بطقس “الحِنّاء” و “الحَمّام” وأغنيات جَلوَة العروس؛ ومنها مطلع هذه الأغنية التي تصف جمال العروس بجمال صبايا التركمان:

ع التُركمانيِّة وعَ التُركمانيِّة                                                          عيني ويا مَحلاها  عروس ومِجلِيّه.

أمّا الزغاريد فهي من سمات أغاني الأعراس.. والمفردة: زُغرودة، ولا تستطيع أيّة امرأة عادية الزَغردة، فالمُزَغرِدَات لا بُدَّ أن يتمتعن بِسِمَاتٍ خاصة، منها جمال الصوت وقوته وارتفاعه.

أما طقوس الزغردة بحدّ ذاتها فمُعقدة وصعبة، وتبدأ بثلاث نساء وحتى ست نساء، يقفن بالقرب من العريس والعروس؛ أو خلف المُطهِّر في حفلات الخِتان ويبدأن بالزغردة بشكل جماعي.

ومن زغاريد العريس أثناء تلبيسه:

يا عَريس الزين لا تِعبِس

إفريد هالبُقجِه لمطرَّزِه وإلبِس

شواربَك حبّق وعروق الريحان

وِسوالِف عَروستَك عروق النِرجِس

وهذه زُغرودةٍ في وصف العروس الجميلة:

فايتـة مـن دار

طالعة مـن دار
بإيدها محمصة بحجِّة تشحد نار
ولمّن شـفتها قلت العفو يا ستار
كان القمر بالسما

شو نزَّلو عالدار 

ومن زغاريد أفراح الطهور عند الصبيان هذه الزُغرودة:

يا مطهِّر الزين

خفِّف إيدك شـويِّه
يا مشتِّل الريحان

لا تقسى على بنيِّي
كل شـبر بندر

رَبّيتـو يا عِينَيـِّي
رَشرِش ندى الورد

 حتى تخلص النيِّه

لدينا في تراثنا الشعبي السوريّ.. آلاف الكلمات والمُفردات الخاصة بكلّ حالةٍ وبكلّ ظرف، ولكلَّ مناحي الحياة اليومية؛ فكيف لنا أن نحميها ونمنعها من الانقراض والاندثار؛ سوى بأن نعلمها لأولادنا وأحفادنا؛ وبأن نستمرّ في تداولها دائماً؛ وأيضاً بتدوينها وبإعادة لَمِّ شملها من جديد؛ وبخاصةٍ أنّ هنالك أجيالاً كاملة ستُولد في دول اللجوء؛ وتتكلم لغاتٍ مُختلفة؛ وتحصل على جنسيات تلك البلدان وتتأثر بعاداتها وتقاليدها؟.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.