عمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي التي نفذها النظام السوري (3/4)

125
الأيام السورية؛ محمد نور الدين الحمود

نحاول في “الأيام السورية” وفي سلسلة من التقارير استعراض عملية التغيير الديموغرافي والتهجير القسري التي بدأها النظام السوري منذ عام 2014 ضد المناطق الخارجة عن سيطرته. عبر تسلسل زمني.

لجأ النظام السوري بعد فشله في السيطرة على المناطق التي دخلتها فصائل المعارضة منذ عام 2012 إلى سياسة جديدة تمثلت في استخدامه لعملية التجويع من خلال فرضه حصاراً طويلاً عليها، ومنع أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إليها رافضاً تنفيذ المقررات الصادرة عن الأمم المتحدة، كان يتبعها بقصف عشوائي يستهدف تلك المناطق حتى يقوم السكان المدنيين بالضغط على فصائل المعارضة للقبول باتفاقيات الإخلاء.

أولى عمليات التهجير القسري التي بدأها النظام السوري كانت في أحياء حمص القديمة عام 2014 إلا أن تلقي قواته لخسائر متتالية على يد فصائل المعارضة، وخروج عديد المناطق عن سيطرته رغم الدعم الإيراني جعله يوقف عملية التغيير الديموغرافي.

مع التدخل الروسي في أيلول/ سبتمبر 2015 بشكل رسمي، واستعادته لعدد من المناطق جعله يبدأ مشروع التغيير الديموغرافي في المناطق المحاذية لدمشق لتأمين محيطها من فصائل المعارضة، حيثُ استعاد كافة المناطق في ريف دمشق الغربي، إضافة للأحياء الشرقية منها، وأحياء حلب الشرقية، بعد تنفيذه عمليات عسكرية استخدم فيها كافة الأسلحة المحرمة دولياً.

أحياء حلب الشرقية

شكلت سيطرة فصائل المعارضة عام 2012 على الأحياء الشرقية في مدينة حلب، وانسحاب قوات النظام منها، حدثاً مفصلياً في تاريخ الثورة السورية كونها تمثل العاصمة الاقتصادية لسوريا، ما غير في موازين القوى لصالح المعارضة، لكنها في مقابل ذلك تعرضت لحملات عسكرية عنيفة أدت إلى سقوط الآلاف من القتلى، وتدمير كامل لبنيتها التحتية ومرافقها الصحية والخدمية، وعلى مدى أربعة أعوام فشل النظام في استعادة الأحياء التي فقدها، وفي أحيان كثيرة كان وجوده مهدداً في مناطق سيطرته.

الحملات العسكرية التي كانت تشنها قوات النظام قبل أن تتدخل روسيا عسكرياً، واستقدم مئات المقاتلين من الميليشيات الأجنبية تجهيزاً لاقتحامها باءت جميعها بالفشل، وتلقى على إثرها خسائر كبيرة في العناصر والعتاد الحربي، إضافة لسقوط أسرى بيد قوات المعارضة بينهم جنسيات عربية، لكن الحصار الذي فرضه عليها بدءاً من الشهر التاسع من العام الفائت تقريباً، وفشل تحالف “جيش الفتح” بكسر الحصار عنها، رغم سيطرته على الكليات العسكرية المتواجدة في منطقة الراموسة، أو اقتحامها من الناحية الغربية، والذي مثل المحاولة الأخيرة لمنع استعادة النظام لم تنجح، نتيجة الغطاء الجوي غير المحدود المقدم من المقاتلات الروسية أدى لقبول فصائل المعارضة إخلاء مناطق سيطرتهم بعد استعادة النظام لأكثر من 60% من الأحياء الخارجة عن سيطرته.

من التهجير القسري في منطقة وادي بردى (المكتب الإعلامي لقوى الثورة)

وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر الفائت بعد هجوم عسكري عنيف نفذته قوات النظام بالاشتراك مع ميليشيات أجنبية متعددة الجنسيات مدعومة من إيران، وتغطية جوية على مدار الـ24 ساعة من المقاتلات الروسية ، ما دفع الصحف الغربية لوصفها بـ”سيربرنيتسا” القرن الحالي، وافقت فصائل المعارضة على بنود اتفاقية تضمنت، وفق ما نشرته وكالة “سبوتنيك” الروسية خروج مقاتلي المعارضة مع سلاحهم الفردي والمدنيين الراغبين بمغادرة حلب باتجاه غرب حلب، على أن تتكفل قوات النظام ورسيا بضمان سلامة خروجهم حتى عقدة الرقة حيث يتم نزولهم ثم تعود الباصات، إضافة لتعهد الطرفين بوقف إطلاق النار أثناء عملية الخروج.

لكن إيران عمدت حينها لعرقلة الاتفاق، حيث أضافة بنداً جديداً وفق ما نقلت وكالة “رويترز” يومها على لسان المتحدث العسكري باسم حركة “نور الدين الزنكي” عبد السلام عبد الرزاق أن أضيف عليه “إجلاء المصابين فقط من الفوعة وكفريا”، وهو ما أكده أحد قياديي “الجبهة الشامية” للوكالة ذاتها بأنه “سيتم إجلاء مقاتلي المعارضة والمدنيين من الأحياء التي لا تزال خاضعة لسيطرة المعارضة في حلب لكن الجرحى فقط هم الذين سيغادرون الفوعة وكفريا”، وهو ما أكده المتحدث باسم حركة “أحرار الشام الإسلامية” أحمد قره علي، الذي استقال من منصبه الشهر الفائت، حول بذل “جهود إيرانية لاستغلال الوضع في حلب ومنع أي إجلاء من الأجزاء المحاصرة من المدينة، لكن في النهاية تم التوصل لاتفاق رغم التعنت الإيراني”، وتجاوز عدد الخارجين من المدينة 15 ألف شخص.

منطقة وادي بردى

بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في أنقرة بضمانة روسية – تركية نهاية العام الفائت، بدأ النظام السوري مدعوماً بالميليشيات الأجنبية والمقاتلات الروسية حملة عسكرية عنيفة لاستعادة منطقة وادي بردى، وذلك في إطار تأمين محيط العاصمة دمشق، استخدم فيها شتى أنواع الأسلحة، وأدى استهداف الطيران المروحي للمنطقة بعشرات البراميل المتفجرة لتضرر نبع عين الفيجة الذي يزود سكان دمشق بمياه الشرب، حيثُ استمر انقطاع المياه نتيجة خروج الأنابيب عن الخدمة لأكثر من 30 يوماً.

وبعد عديد محاولات الاقتحام التي كان مصيرها الفشل، استطاع النظام السوري أن يصل لاتفاق مع فصائل المعارضة ينص على خروج 2100 شخص من المنطقة بينهم نحو 700 مقاتل من فصائل المعارضة إلى مدينة إدلب، فيما جاءت بنود الاتفاق مشابهة لما سبقها من اتفاقيات، إذ تضمنت منح المنشقين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية مهلة ستة أشهر، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف، تسوية أوضاع المطلوبين لأية جهة أمنية كانت، عدم وجود أي مسلح غريب في المنطقة من خارج قرى وادي بردى ابتداء من بسيمة إلى سوق وادي بردى، ويتم إرسالهم مقاتلي المعارضة من الذين من خارج المنطقة بسلاحهم الخفيف إلى إدلب مع عائلاتهم، إضافة لمن يرغب من مقاتلي المعارضة من سكان المنطقة، عدم دخول الجيش إلى المنازل، ودخوله إلى قرى وادي بردى مع وضع حواجز عند مدخل كل قرية، عبر الطريق الرئيسية الواصلة بين القرى العشرة، كما يمكن لأبناء قرى وادي بردى من المنشقين أو المتخلفين العودة للخدمة في قراهم بصفة دفاع وطني ويعتبر ذلك بمثابة التحاقهم بخدمة العلم أو الخدمة الاحتياطية، إذ بدأت عملية تهجير في الـ30 من كانون الثاني/ يناير 2017.

نظرة تختصر معاناة جيلين مع التهجير القسري(المركز السوري للعدالة والمساءلة)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.