عملاق الشعر الحديث …محمد مهدي الجواهري

خاص بالأيام - فاطمة محمد

محمد مهدي الجواهري؛ عملاق الشعر العربي الحديث، عباسي الديباجة، طويل النفس، يرصّ كلماته وأشطره رصّاً فتجيء قصائده كالصرح الممرد أو الطود الشامخ، يكسو معانيه أثواباً مؤنقة من جزل الألفاظ.

كلمات قالها الأستاذ مير صبري الذاكرة والمؤرخ العراقي إضافة إلى أرباب الأدب ورواد الثقافة في وطننا العربي الذين وصفوه بأنه شاعر العرب الكبير، وصناجة القرن العشرين، وعملاق الشعر.

ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري في النجف العراقية التي يتمثل الشعر في أسواقها متمثلا بمجالسها ومحافلها، لأب عالم أراد لابنه أن يكون عالماً لما يتمتع به من ذكاء وقدرة على الحفظ، الشاعر الذي ارتدى لباس العلماء وهو في العاشرة من عمره، المنحدر من أسرة عريقة في العلم والأدب والشعر، قرأ القرآن صغيراً لذلك أرسله أبوه إلى كبار المدرسين لتعليمه النحو والصرف والبلاغة والفقه.

محمد مهدي الجواهري، المصدر: Pinterest

يشدنا إلى هذا الشاعر ميله منذ الطفولة إلى الأدب فكان يقرأ البيان والتبيين، مقدمة ابن خلدون، دواوين الشعر. إذاً نرى فيه موهبة فذة علينا الغوص في أعماق إبداعها وأن ننهل من بحر علومها. فكانت أهم أعماله الشعرية هي:

حلبة الأدب، جناية الروس والإنكليز في إيران بين العاطفة والشعور، ديوان الجواهري، بريد الغربة

لم يكن شاعراً فحسب بل كان صحفياً وأصدر مجموعة من الصحف منها: جريدة الفرات، جريدة الانقلاب، جريدة الرأي العام، كما انتخب عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين، وهو الشاعر الذي أصدر عدة دواوين شعرية أولها باسم “حلبة الأدب” التي عارض فيها عدداً من الشعراء القدامى والمعاصرين وهو مازال شابا فتياً.

أشادت عدة دراسات بعبقرية الجواهري، الشاعر الناجح من ناحية الأسلوب في السبك والنظم والقول الجزل المحكم، ونجح من ناحية المضامين في مقارعة الاستبداد والقمع والتسلط، ومناصرة المظلومين والبسطاء، والعالم العربي الذي شارك في كل مناسبة شهدها العرب في القرن العشرين موقف يترجم إلى قول الشعر. حتى كاد شعره أن يصبح “ديوان العرب في القرن العشرين. من هذه الدراسات دراسة محمد جواد الغبان الشاعر والناقد  العراقي الذي ينحدر من النجف أيضاً.

قال في مجاهرة الطغاة:

قبل أن تبكي النبوغ المضاعا … سبت من جرّ هذه الأوضاعا

سبت من شاء أن تعيش فلول… حيث أهل البلاد تقضي جياعا

خبروني بأنّ عيشة قومي…….لا تساوي حذاءك اللماعا

الجواهري أحب وطنه فكانت قصيدة دجلة الفرات من أجمل قصائد اللوعة والاشتياق إلى الوطن، دجلة، ضفاف دجلة واصطفاق أمواجها يقول فيها:

حييت سفحك عن بعد فحييني….يا دجلة الخير يا أم اللياتين

حييت سفحك ظمآناً ألوذ به…..لوذ الحمائم بين الماء والطين

إني ورت عيون الماء صافية….نبعا فنبعا فما كانت لتزويني

منح وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 1995م، تقديراً لشاعريته وإبداعه في طرق الشعر تبعاً لمواقف شعورية، هذه المواقف التي تؤثر فيه وتحرك القريحة الشعرية لتصاغ صورا ومعان في قمة الإبداع، ومن ذلك تأثره يوم علم بوفاة زوجته وتحوّل الحزن إلى رثائية من أعظم الرثائيات في أم فرات كتبها وقد اشتد حزنه قائلاً:

في ذمة الله ما ألقى وما أجد

أهذه صخرة أم هذه كبد؟!

قد يقتل الحزن من أحباب بعدوا

عنه فكيف بمن أحبابه فقدوا

عزت دموعي لو لم تبعثي شجناً

رجعت منه لحر الدمع أنترد

شاعرنا أبو الفرات طرق جميع أبواب الشعر رثى ووصف وتغزل وتشبب بالمرأة ومن إحدى القصائد الغزلية بعنوان” ذات الحجاب” :

دعاني جمالك فيمن دعا

فلبيته مسرعاً طيعا

حشدت له من عبيد الهوى

عطاشى محلاة جوعا

ترامت على عذابات الشفاه

حائرة مقطعا مقطعا

الجواهري لم يكن بعيداً عن القضايا الإنسانية وهموم الشعب يقول في قصيدة “تنويمة الجياع”

نامي جياع الشعب نامي

حرستك آلهة الطعام

نامي فإن لم تشبعي

من يقظة فمن المنام

نامي جياع الشعب نامي

الفجر آذن بانصرام

هذا الشاعر الذي يحمل اسمه ألقاباً كثيرة مثل شاعر العرب الأكبر وشاعر الجمهورية ومتنبي العصر يقول عنه الشاعر العراقي حسن ناجي: ” الجواهري إنسان أحب الأرض التي سكنها وحين رحل عتها رحلت معه، كان يقول دائماً هذي العُراق فقالوا: لماذا تقول العراق بضم العين، فأجاب: يعزّ علي كسر عين العراق”.

أين الجواهري مما حلّ بالعراق والشام أحزان تتوالى ولا تتوقف، أمة تنتظر انبلاج فجرها وحرية أبنائها وهناءة عيشها ولكن عز المطلب وصعب المنال أمام توالي المحن والآلام.

تنقّل الشاعر بين العراق ومصر والأردن وسوريا وأمضى أواخر عمره في دمشق حيث توفي في إحدى مشافي العاصمة السورية دمشق يوم 27 يوليو /تموز سنة 1997م، عن عمر يناهز الثامنة والتسعين ودفن في مقبرة الغرباء في السيدة زينب في ضواحي دمشق، ليغيب الثرى متنبي العصر الحديث.

مصدر أبناء الصدرين الخيمة العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.