عمر أبو ريشة.. الشاعر الدبلوماسي عاشق الوطن والإنسان

اشترك في الحركة الوطنية في سوريا إبان الاحتلال الفرنسي، وسجن عدة مرات وفر من الاعتقال الفرنسي، واستمر في نضاله بعد الاستقلال، وأعلن عن رفضه لما آلت إليه الأوضاع في سوريا بعد حصولها على الاستقلال.

144
الأيام السورية؛ محمد محسن

عمر أبو ريشة، الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده، شاعر سوري، يعتبر من أهم شعراء العصر الحديث في الوطن العربي، ولد في مدينة منبج السورية عام 1910، حجز لنفسه مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي، كتب الشعر، ونشر خلال حياته الكثير من الدواوين الشعرية والمسرحيات، التي عبر من خلالها عما يحمل في عقله وقلبه من الحب والعاطفة للوطن وللإنسان.

نشر كذلك ديوانًا باللغة الإنكليزية، كما تولي خلال حياته العديد من مناصب الدبلوماسية في أكثر من بلد.

النشأة والعائلة

وُلد عمر أبو ريشة، في مدينة منبج في محافظة حلب، بتاريخ 10 أبريل/نيسان سنة 1910. ينحدر أبو ريشة من عشيرة الموالي المعروفة، من آل حيار بن مهنا بن عيسى وهم من الفضول نسبة إلى فضل بن ربيعة من طيء، تولت هذه العشيرة حكم بعض المناطق في سوريا خلال الوجود العثماني فيها.

والده هو شافع بن الشيخ مصطفى أبو ريشة، الذي شغل منصب “قائم مقام” في منبج والخليل، وعلى الرغم من كونه قائم مقام، إلا أنه أمضى سنين طويلة منفيًا أو دائم الترحال، وبعد عودته من المنفى أقام في حلب، وعمل في الزراعة، ثم ترك الزراعة، وقبل منصب قائم مقام طرابلس. وكان شافع شاعرًا مجيدًا، وكتب عدة قصائد في رثاء شوقي وحافظ وعمر المختار.

أما والدته فهي السيدة خيرة الله بنت إبراهيم علي نور الدين اليشرطي من مدينة عكا الفلسطينية، وقد كان والدها أحد مشايخ الطريقة الشاذلية الصوفية. وعنها يقول عمر: «كانت طيَّب الله مثواها مكتبة ثمينة على رجلين، عنها حفظت الأشعار، والقصائد، والمطوّلات»، كما يذكرها عمر بالتقدير والثناء، فيقول: «والدتي متصوفة منذ صغرها، أحاطتنا منذ صغرنا بعناية ذكية، وأشاعت حولنا جوًا روحانيًا، جعلنا لا نقيم وزنًا للفوارق المذهبية، تربيتها أمدتني بقوة استطعت بها ولوج دروب الحب. فالضعف يجعل من يبتلي به أضعف من أن يحب».

واشتهر من إخوته وأخواته ظافر وزينب، أما ظافر فله ديوان شعر بعنوان “من نافذة الحب” طُبِعَ عام 1981، وأيضًا له ديوان ثانٍ “لحن المساء”، وأما زينب فكانت شاعرة جيدة، تهافتت كبريات الصحف على نشر قصائدها». أما الأخت الكبرى فاسمها سارة.

الدراسة

تلقى تعليمه الابتدائي مدرسة النموذج الابتدائية في مدينة حلب، وفي سنة 1924 التحق بالمدرسة الأمريكية في بيروت كي يتم تعليمه الثانوي، وبعد نيله الشهادة الثانوية سنة 1930 قرر السفر إلى إنكلترا لدراسة الكيمياء الصناعية في جامعة مانشستر.

وهناك تعرف أبو ريشة على الأدب الإنكليزي، وقرأ مؤلفات أهم الكتاب والأدباء الإنكليزي أمثال شكسبير، وميلتون فضلًا عن الشاعر الفرنسي بودلير.

ونتيجة اهتمامه بالأصل الأدب والشعر العربي، وبعد قراءته للشعر والأدب الإنكليزي، اتخذ قراره بترك دراسة الكيمياء، والتحول لدراسة الأدب الإنكليزي.

الشاعر عمر أبو ريشة في سهرة في بيروت( يلذلار)

مأساة حبه الأول

اتسمت المؤلفات الأولى لعمر أبو ريشة في إنكلترا بطابع الحزن؛ فقد تعرف خلال تلك الفترة على فتاة إنكليزية اسمها نورما، وأحبها حبًا كبيرًا، ولكنه أصيب بمرض النكاف، فسهرت نورما على رعايته حتى شفائه. وبعدما شفي من المرض، قرر عمر الرجوع إلى سوريا كي يستأذن عائلته في الزواج من نورما. ولما عاد إلى إنكلترا، اكتشف أن نورما أصيبت بمرض النكاف أيضًا، غير أنها لم تنجُ منه وتوفيت بسببه.

حزن عمر كثيرًا على موتها، وخلّد قصة حبهما في قصيدة اسمها “خاتمة الحب”.

عمر أبو ريشة(جريدة الطرييق)

العمل الدبلوماسي

بعد هذه القصة المأساوية، لم يكمل الدراسة الجامعية وعاد إلى مدينة حلب، حيث تولى هناك إدارة “دار الكتب الوطنية”. وبقي عمر أبو ريشة في منصبه عدة سنوات، قبل أن يقترح بعض المسؤولين في الحكومة السورية ترشيحه لتولي بعض المناصب الدبلوماسية؛ جرى تعيينه ممثلًا للحكومة السورية في البرازيل عام 1949، وبعدها بعام واحد عُيّن سفيرًا ومفوضًا هناك.

وتوالت المناصب الدبلوماسية التي شغلها عمر أبو ريشة، فعُين سفيرًا لسوريا في الأرجنتين عام 1952، وبعدها بعامين عُين سفيرًا لسوريا في الهند.

وفي عام 1959، شغل منصب سفير سوريا في النمسا، وبعدها انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليصبح سفير سوريا هناك. وأخيرًا، عُين سفيرًا في الهند 1964 قبل أن يحال إلى التقاعد عام 1971.

انتخب عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1948، وعضو الأكاديمية البرازيلية للآداب كاريوكا- ريودي جانيرو، عضو المجمع الهندي للثقافة العالمية، وملحق ثقافي لسورية في الجامعة العربية.

حصل الشاعر على أوسمه من البرازيل، الأرجنتين، النمسا، لبنان وسوريا، وكرم في العديد من المؤتمرات العربية والدولية والعالمية.

مشاركته بالحركة الوطنية

اشترك في الحركة الوطنية في سوريا إبان الاحتلال الفرنسي، وسجن عدة مرات وفر من الاعتقال الفرنسي، واستمر في نضاله بعد الاستقلال، وأعلن عن رفضه لما آلت إليه الأوضاع في سوريا بعد حصولها على الاستقلال.

شعره

غلاف مجموعة شعرية

يعتبر الكثير من النقاد أن شعر عمر أبو ريشة ينتمي إلى الكلاسيكية الجديدة، فقد سار على نهج الشعراء العرب القدماء في التمسك بالشعر العمودي التقليدي، والاعتماد على الصور الشعرية القديمة.

مع ذلك، لم يتمسك عمر أبو ريشة بمضمون الشعر الكلاسيكي القديم وأفكاره، وإنما استخدم الشعر العمودي للتعبير عن أفكار ومواضيع جديدة تلامس جوانب الحياة في عصره.

ومن ناحية أخرى، تميزت قصائد أبو ريشة بالنزعة الرومانسية، وهو ما يتناقض مع مضمون الشعر الكلاسيكي الذي كان يعلي من مرتبة العقل والقيم والواجب فوق المشاعر والأحاسيس.

وأبو ريشة من الشعراء المتميزين في صناعة الشعر، ذو حس مميز، كلماته يقننها بعيدا عن الحشو، وبعيدا عن التكلف والهبوط، عبر نسيج متكامل.

عاش عمر أبو ريشة في فترة عمت فيها الاضطرابات والمُلمّات أصقاع الوطن العربي، بدءًا بالاستعمار الأوروبي لأقطاره، ومرورًا بالاحتلال الصهيوني لفلسطين وانتهاء بنكسة حزيران. وبالتالي، كان من البديهي أن يتطرق عمر في شعره إلى المواضيع السياسية، ولاسيما قضية فلسطين؛ فقد عبّر عن موقفه الصريح الداعم للقضية الفلسطينية، وانتقد تخاذل السياسيين العرب ومواقفهم إزاء الاحتلال الإسرائيلي.

أعماله

غلاف الأعمال المسرحية الكاملة

تتنوع الأعمال الأدبية لعمر أبو ريشة بين الشعر والمسرح؛ وتتضمن قائمة أعماله الشعرية كلًا مما يلي: ديوان “شعر” الصادر في حلب عام 1936، وديوان “عمر أبو ريشة” الصادر في بيروت عام 1947، وديوان “مختارات” الصادر في بيروت عام 1959، ومجموع شعرية بعنوان “غنيت في مأتمي” عام 1971، وديوان “عمر أبو ريشة (المجلد الأول)” الصادر عن دار العودة عام 1971، ومجموعة شعرية بعنوان “أمرك يا رب” صدرت في جدة بالسعودية عام 1980.

فضلًا عن مجموعة شعرية اسمها “من وحي المرأة” صدرت في دمشق عام 1984، وديوان باللغة الإنكليزية اسمه “Roving along” صدر عن دار الكشاف عام 1959.

من ناحية ثانية، ألف عمر أبو ريشة عددًا من المسرحيات أهمها: “ذي قار”، و”سميراميس”، و”تاج محل”، و”أوبريت العذاب” بالإضافة إلى بعض الفصول المنشورة من مسرحيتي “محكمة الشعراء” و”الطوفان”، واللتين لم تُنشرا بالكامل.

الحياة الشخصية

تزوج عمر أبو ريشة من منيرة مراد، ابنة أحد رجال الأعمال المقيمين في الأرجنتين، وقد رافقته في جميع رحلاته إلى البلدان التي شغل منصب السفير فيها.

وفاته

توفي عمر أبو ريشة في مدينة الرياض بتاريخ 15 يوليو/تموز سنة 1990، نتيجة إصابته بجلطة دماغية. وقد نقل جثمانه إلى سوريا على متن طائرة خاصة، ليصار إلى دفنه في مدينة حلب.

مصدر الموسوعة العالمية للشعر العربي موقع أدب العرب موقع أراجيك
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.