علي فرزات.. تُحطّم التابوهات أم تحطّمنا؟

لماذا مع أول محاولة انتقاد ما ينتجه بعض المثقفين، وإبداء رأي في ما يقدمونه من محتوى؛ نصبح بهائم وقطيعاً من المتخلفين والعقول المتحجرة التي لم ولن تصل يوماً إلى مستوى عقولهم المحتكرة لكل مفاتيح الحقيقة والرأي الصائب؟

الأيام السورية؛محمد الجبوري

ليس من الحكمة والمهنية بمكان أن تتحول المهاترات الفيسبوكية إلى قضايا مثيرة للجدل، أو تشغل حيزاً خارج فضائها الطبيعي الأزرق، لتصبح حديث الصحافة والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وإلا تحولت المنصّات الإعلامية إلى منصات “للردح” الذي صار الفيسبوك بيئة خصبة له، وإنك مهما كنت على درجة كبيرة من الوعي لا بد وأن تسقط في شرك حفلات الأخذ والرد تلك بتعليق أو منشور.

لكن الأمر مختلف حين يتعلق بشخصية عامة لها حضورها على المستوى الفني أو الثقافي أو السياسي؛ وآخرها كان الجدل الطويل والحاد حول لوحات رسام الكاريكاتير العالمي علي فرزات؛ ولست بصدد التعليق حول تلك الرسومات، وإن أردت أن أوجز رأيي فيها سأقول إنها ليست جديدة على قاموس علي فرزات فهو كثيراً ما يجعل من الأعضاء التناسلية ركيزة مادته التي تحمل في تأويلها نظرة دونية تجاه المرأة، أو إهانة مباشرة لفكرة ما أو جماعة ما، وفي الحقيقة هي سقطات مؤسفة تُحسب على فنان له اسمه وشهرته العالمية ومحبته لدى شريحة واسعة من الناس.

بيان رقم واحد اتنين تلاتة

منذ عام 2011 وحتى الآن لم أكل ولم أمل في التطرق لـ ” 3 ” تابوهات محرمة وخطيرة وهي السياسة والدين والجنس وأنني أدرك حجم الكارثة التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان الحر المتحرر من جنازير العبودية لكنها ليست بحجم الكارثة التي تتعرض لها الإنسانية والأوطان وخاصة في دول القمع التي يحكمها الثالوث المحرم..”

مع أن هذا البيان الثوري الذي أطلقه علي فرزات، على خلفية الانتقادات التي وجهت لرسوماته الأخيرة، يناقض بشكل مباشر مضمون تلك الرسومات التي تعبر بأسلوب مستفز عن النظرة المكرسة تجاه المرأة والجنس في نظر المجتمع والدين وثقافة “العيب”، لكن المصيبة الحقيقية في نظري، والتي أريد الحديث عنها -بكثير من حرقة القلب- لا تكمن هنا، بل حين تتابع قراءة المنشور لتصل إلى قوله “سؤال عالماشي للرجال والنساء ممن يشنهقوا احتجاجاً على ما أكتبه أو أرسمه بحرية؟؟؟ …” وتقرأ في التعليقات استهزاءه من منتقديه مستخدماً كلمات بذيئة واصفاً إياهم بالبهائم أو غيرها من الشتائم المخجلة.

سأكون كاذباً إن قلت إنني -وبعد احتكاكي بالوسط الثقافي وخباياه، وعلاقاتي الشخصية مع كثير من المثقفين- ما زلت أرسم تلك الصورة الطوباوية للمثقف، وأنني أرى المثقف رمزاً يحتذى به في الأخلاق، ومسيحاً يسير على الأرض، يرد على الانتقاد بطريقة موضوعية ولغة مهذبة متجنباً سفاهة الحديث والإهانات الشخصية، وبت أدرك تماماً أن هذا النوع من الثقفين، إن وجد، فهو لا يعدو عن كونه حالة فردية جاهد صاحبها كثيراً في تهذيب نفسه ليجعل منها نموذجاً للمثقف الحقيقي.

لكنني سأكون كاذباً أيضاً إن أنكرت حزني كلما ثارت زوبعة انتقادات حول مثقف ورأيته يسقط من سماء الإبداع إلى أرض الإسفاف ويتحول بسرعة إلى جلاد لا يوفر أحداً من منتقديه إلا ويشتمه أو يهينه، وكل من يخالفه يصبح غبياً في نظره ونظر مناصريه، ويبقى وحده الحامل لراية التنوير والحرية.

رسام الكاريكاتور السوري علي فرزات (العربي الجديد)

أحزن على من ينظرون إلى شخصيات مثل علي فرزات أو غيره من المثقفين، بكثير من الإعجاب والانبهار بثقافتهم وبسعة أفقهم وبأفكارهم المختلفة، أحزن علينا نحن مساكين الفيسبوك وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، الذين ظننا أنها قد قربتنا من مبدعين كنا نراهم في الصحف وشاشات التلفزيون، نقرأ لهم ونقرأ عنهم فنشعر أنهم وحدهم القادرون على تغيير ما نحن فيه، نرسل طلبات الصداقة ونتابعهم بشغف ولا نريد سوى أن نكون من ضمن أصدقائهم، على الرغم من هشاشة هذه الصداقة، ومنّا من يحلم بلقائهم يوماً ما، وأخذ صورة معهم يفتخر ويتباهى أن يضعها في “بروفايله” كحدث استثنائي.

ومع أول محاولة لانتقاد ما يكتبون وإبداء رأي في ما يقولون أو يقدمونه من محتوى؛ نصبح بهائم وقطيعاً من المتخلفين والعقول المتحجرة التي لم ولن تصل يوماً إلى مستوى عقولهم المحتكرة لكل مفاتيح الحقيقة والرأي الصائب، وتصبح حرية التعبير وحرية الجمهور في قول رأيه حبراً على ورق وشعارات خلّبية خدعونا بها.

أحزن لأن مثقفينا لم يعودوا يوفرون مناسبة لخذلاننا وتعميق شعور الخيبة في داخلنا، نحن الجمهور الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه، وعوّلنا عليهم في التحرر من القمع وتكميم الأفواه، فلا يتوانون عن تحقير رأينا مهما كان محقّاً وصائباً، ويصل الأمر حد الشتائم على العام والخاص.

نحن الجمهور الذي آلمته أصابعه تضامناً مع أصابع علي فرزات، جعله فرزات يعضها حسرة وألماً لأنه آمن به يوماً، فها هو يشبه اليوم جلاده إلى حد كبير؛ وليس هناك فرق بين اتهم الجمهور بالحمير حين اشتعلت شرارة الثورة، وبين مثقف يصفهم بأنهم “يشنقهوا” حتى وإن كان له حضوره البارز في سنوات الثورة.

اكسروا التابوهات كلها أيها المثقفون، لكن لا تكسرونا، اجعلوا مشاعرنا ومحبتنا لكم ورأينا “تابوه” مقدساً وعصياً على الكسر، حطموا قيودنا لا تقيّدونا، ..

أرجوكم اتركوا لنا صورتكم الجميلة وفنّكم وإبداعكم؛ لنحكي لأولادنا بفخر أننا عرفناكم عن قرب وعشنا في زمانكم.


محمد الجبوري؛ شاعر وكاتب سوري، يقيم في تركيا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.