علي شريعتي.. خطورة الأيديولوجيا والاهتمام بالمشترك الإنساني

علي شريعتي نموذج فريد من مفكري إيران. على الرغم من أنه فارسي العرق، لم يكن يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى رجال التشيع الصفوي، بطريقة أكثر جذرية من غالب من تصدَّى لهذا الموضوع من الأدباء العرب.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

“أردتُّ أن أعيش، فأوصدوا الطريق في وجهي.. تعبَّدتُّ، قيل مسكون بالخرافات.. عشقتُ، قيل إنه الكذب.. بكيتُ، قيل فيه مس من جنون.. أوْقِفوا دوران الأرض، أريدُ أن أترجَّل”.

هكذا يصف علي شريعتي حياته التي قضاها بين السجن والمنفى، 44 عاما حاول خلالها أن يساهم في مسيرة تحرير الإنسان من سجن الخرافات والطواغيت. فمن هو علي شريعتي؟

النشأة الأولى

وُلد علي شريعتي، في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1933، في قرية مازينان القريبة من مشهد، لأسرةٍ عريقةٍ في الثقافة والمعارف الإسلامية. والده الشيخ محمد تقي شريعتي عالم دينٍ غير معمّم.

تأثّر الابن بفكر والده الذي أسّس “مجمع الأبحاث القرآنية في خراسان”، والذي كان يرى في الإسلام حركة اجتماعيّة ـ تاريخيّة تهدف إلى تحقيق العدالة والحريّة والمساواة في المجتمع الإنسانيّ.

أنهى شريعتي دراسته الثانويّة في مشهد ثم التحق بمعهد إعداد المعلّمين، وتخرّج عام1953 ليصبح معلّماً للمرحلة الابتدائية في إحدى القرى في عمر الثامنة عشرة، ثم تابع عام 1955 المراحل الأكاديميّة في كلية الآداب بجامعة مشهد، لينال درجة الامتياز في الأدب عام 1958.

في باريس تم اعتقاله أيضاً، بعد مشاركته في التظاهرات التي اندلعت في فرنسا، للاحتجاج على اغتيال المخابرات البلجيكية لـباتريس لومومبا، المناضل الكونغولي ذو الميول الاشتراكية، الذي أصبح أول رئيس وزراء منتخب للكونغو.

بعدها أُرسل في بعثة دراسية إلى جامعة السوربون في فرنسا، حيث درس علم الاجتماع والأدب، وحصل على شهادتي الدكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع عام 1959.

السياسة والعمل الثوري

بدأ نشاطه السياسي مبكراً، حيث انضم وهو في المرحلة الثانوية إلى حركة كانت تضم جماعات من المثقفين الإيرانيين المتأثرين بالأفكار اليسارية، وهي حركة “الاشتراكيون الذين يخشون الله”، ثم انضم بعد ذلك إلى تيار “مُصدَّق” الذي كان يعرف في إيران منتصف الخمسينيات بالحركة الوطنية.

وخلال فترة الجامعة، انضم إلى “حركة المقاومة الوطنية”، وتم اعتقاله مرتين أثناء دراسته.

علي شريعتي وعائلته (إضاءات)

السفر إلى فرنسا

بعد تخرجه، أُرسل شريعتي في بعثة إلى فرنسا عام 1959، لدراسة علم الأديان وعلم الاجتماع، فحصل في هذين المجالين على شهادتي دكتوراه.

كانت سنوات فرنسا الأكثر خصبا في حياة شريعتي القصيرة، كان محملا بثقافته الإسلامية، التي اعتز بها ولم يشعر بأنه ضئيل أمام الأوربيين، إذ يقول: “إن قيمة كل واحد منا على قدر إيمانه بنفسه”، تعرف شريعتي في فرنسا على مفكرين كبار، مثل “جان بول سارتر”، كما تعرف أيضا على مناضلي العالم الثالث، أمثال: “إيما سيزار” و”فرانز فانون”.

وفي باريس تم اعتقاله أيضاً، بعد مشاركته في التظاهرات التي اندلعت في فرنسا، للاحتجاج على اغتيال المخابرات البلجيكية لـ “باتريس لومومبا”، المناضل الكونغولي ذو الميول الاشتراكية، الذي أصبح أول رئيس وزراء منتخب للكونغو.

علي شريعتي وزوجته (إضاءات)

العودة إلى إيران

بعد عودة شريعتي من فرنسا أسس “حسينية الإرشاد” لتربية الشباب، حيث كانت مركزا علميا، يلقي فيه شريعتي محاضرات منتظمة عن تاريخ الإسلام وتاريخ التشيع، مصححا من خلالها بعض المفاهيم السائدة، وفي عام 1973 تم إغلاق “حسينية الإرشاد” واعتقال شريعتي ووالده.

شريعتي كان أوسع من الأيديولوجيا، ألهمت كتاباته عددا غير قليل من أصحاب التعليم العلماني، ومن تلقوا تعليما دينيا تقليديا، على حد سواء. حظي برواج كبير خارج الحدود الإيرانية، وخارج حدود المذهب الشيعي.

وبعد خروجه من السجن، وضع شريعتي تحت المراقبة ومنع من أي نشاط، وفي 1977 سافر إلى لندن، وبعد شهر من وصوله إلى العاصمة الإنجليزية، عثر عليه ميتا في شقته، في ظروف غامضة، ولم تسمح السلطة الإيرانية آنذاك باستقبال جثمانه، فدفن في سوريا.

أوسع من الأيديولوجيا

لا أحد يختلف على أن شريعتي من بين الروافد المهمة لما سمي بعد ذلك بالثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979. لكنه، شأنه شأن الكثيرين غيره، حاول أصحاب الأيديولوجيا من بعده، أن يستخدموا كلماته حسب أفكارهم، لكن شريعتي كان أوسع من الأيديولوجيا، وبالفعل فقد ألهمت كتاباته عددا غير قليل من أصحاب التعليم العلماني، ومن تلقوا تعليما دينيا تقليديا، على حد سواء. وإذا كان قد تم تهميشه على نحو أو آخر في خطاب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإنه حظي برواج كبير خارج الحدود الإيرانية، وخارج حدود المذهب الشيعي، فاليوم تطبع كتبه في بيروت ويصل صداها إلى تونس.

لا نبالغ حين نقول: إن كتابات علي شريعتي مكتوبة بروح ثورية خالصة، ففي كتابه “دين ضد الدين” يدافع شريعتي عن تدين الفقراء والمهمشين ضد الأنماط التديينية المفروضة من قبل أصحاب السلطة والثروة… يعني المشايخ الذين يقولون لك ارضى بالفقر… الخروج على السلطان الجائر حرام… هؤلاء المشايخ هم اللذين اختلف معهم علي شريعتي، وليس الذين كانوا يقولون كلمة الحق.

علي شريعتي في منزله (ويكيبيديا)

فكرة العدالة الاجتماعية

شريعتي كان متصالحا مع كثير من الأفكار، خصوصا فكرة العدالة الاجتماعية، وحقوق الفقراء، لذلك لم ير في الاشتراكية ما يتنافى مع الإسلام، آمن بإسلام عادل … تحرري، إذ يقول: “إن الدين الذي يبرر الفقر ويحرص على بقائه، كان يبرر العبودية أيضا، وكان يخدر الناس ويخدعهم لصالح الملأ والمترفين”، لأن الدين شعور ينبثق عن وعي الإنسان ومعرفته بنفسه. واعتقد شريعتي أن الإسلام في حالته الآن “دين البرجوازية الصغيرة” وأن رجال الدين يجمعهم بالتجار “زواج غير شرعي”.

الإسلام دين ثوري

رأى شريعتي أن الإسلام دين ثوري، حتى أنه في كتابه “الدعاء”، يدافع عن صيغة ثورية للدعاء، حيث يكون الابتهال فعلا تمرديا وليس تركا أو تخلِّيًا عن تغيير الأوضاع، يصير الدعاء على لسان المرء بينما يناضل في قلب الأحداث، يقول شريعتي: “ليس الدعاء عامل عجز وذلة وسلب للمبادئ والقيم الإنسانية، وليس الدعاء وسيلة للحصول على ما هو محال وغير معقول ولا منطق له، ولا يحل الدعاء أبدا محل الواجب، ويقوم بإسقاط مسؤوليات الفرد أو المجتمع، ليس الدعاء ملجا للفرار من الالتزامات الملقاة على كاهل الفرد تجاه حياته والشعب الذي ينتمي إليه، ومجتمعه ومصيره”.

نقد الشكل السائد للتشيع

خلال مسيرة علي شريعتي، ظل ينتقد الشكل السائد للتشيع، وفي كتابه “التشيع العلوي والتشيع الصفوي” نادى بصورة أكثر رحابة للمذهب الشيعي. أما كتابه “النباهة والاستحمار” فهو كتاب يعز نظيره، في العالم الإسلامي، من حيث إنه يمكن اعتباره بمثابة “المانيفستو” لكل حركة ثورية إسلامية، لما فيه من معاداة للاستبداد وأعوانه، لاسيما رجال الدين، ولكن على نحو جذري، حيث رأى شريعتي أن المذاهب الفكرية يتم استخدامها كـ”أدوات استحمارية” لإلهاء الشعوب، بحيث يتم إثارة الخلافات المذهبية لتفكيك وحدة النسيج الاجتماعي والانشغال عن عمليات نهب ثروات المجتمع.

كتب ومؤلفات

كتب شريعتي خلال حياته القصيرة عددا كبيرا من المؤلفات، من أشهر كتبه (طريق معرفة الإسلام، العودة إلى الذات، الحسين وإرث آدم، الدعاء، الإسلام والإنسان، التشيع العلوي والتشيع الصفوي، فاطمة هي فاطمة، النباهة والاستحمار، مسؤولية المثقف، بناء الذات الثورية، التشيّع مسؤولية، سيماء محمد، الشهادة، أبي.. أمي.. نحن متهمون، الأمة والإمامة، مسؤولية المرأة، دين ضد دين، الفريضة الخامسة، الإسلام ومدارس الغرب، الإنسان والتاريخ).

يعتبر من القلائل الذين استطاعوا التجرد بعيداً عن هوى المذاهب والتمذهب. وسعى بكل ما أوتي من قوة إلى لملمة الصفوف تجاه الوحدة فانتقد ما سماه التشيع الصفوي والتسنن الأموي.

حياته العائلية

تزوّج شريعتي من زميلته في جامعة مشهد السيّدة بوران شريعت رضوي عام 1956.تنحدر رضوي من عائلة معروفة بنشاطها في الجبهة الوطنيّة وفي معارضة سياسات الشاه آنذاك. باتت زوجته رفيقة له في تنقّله بين فرنسا وإيران وإنجلترا، وقد أنجبا ثلاثة أبناء هم إحسان وسوسن وسارة.

بعد رحيله انكبّت رضوي على التأليف، وترأست إدارة مؤسسة شريعتي الثقافية التي نشرت قسمًا كبيرًا من إرث المفكّر الإيراني للعالم، وأصدرت كتاباً عن زوجها تحت عنوان “صورة من حياة” عام 2007.
يُعرف عنها قولها “كنت أشترط للزواج ألا يكون أصلعاً ولا مدخّناً، ثم أحببت علي وتزوجته، وقد كان يجمع الصفتين: أصلعًا ومدخنًا”.

وفاته

فى سنة 1975 ألقى القبض على شريعتي بتهمة نشر “الماركسية الإسلامية” و”التواصل مع المجاهدين الإرهابيين”، ليسجن انفراديًا ثمانية عشر شهرًا تعرض فيها لصنوف العذاب.

أطلق سراح شريعتي أخيرًا إثر وساطة جزائرية لدى الشاه محمد رضا بهلوي، لكنه كان سراحًا غير تام، إذ ظل رهين الإقامة الجبرية بضعة شهور قبل أن يسمح له بالسفر إلى العاصمة الإنجليزية لندن عام 1977.

في حزيران/ يونيو 1977، عُثر عليه ميتا في بيته في لندن، أعلنت السلطات البريطانية أنه توفى على إثر سكتة قلبية، ودفن فى دمشق بجانب ضريح السيدة زينب كما تمنى، وحتى الآن يعتقد الكثيرون أن شريعتي قتل على يد المخابرات الإيرانية.

علي شريعتي نموذج فريد من مفكري إيران. فعلى الرغم من أنه فارسي العرق، لم يكن يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى رجال التشيع الصفوي، بطريقة أكثر جذرية من غالب من تصدَّى لهذا الموضوع من الأدباء العرب. وقد بَيَّن آلية المزج في الموروث الشيعي الروائي ما بين السلطة الإيرانية والنبوة الإسلامية.

ويعتبر واحداً من القلائل الذين استطاعوا التجرد بعيداً عن هوى المذاهب والتمذهب. وسعى بكل ما أوتي من قوة إلى لملمة الصفوف تجاه الوحدة فانتقد ما سماه “التشيع الصفوي” و”التسنن الأموي” ودعا الي التقارب بين “التشيع العلوي” و”التسنن المحمدي”.

كم نحن بحاجة الآن إلى مفكر بحجم وفهم ووعي علي شريعتي، الذي أدرك مبكرا خطورة الأيديولوجيا، واهتم بالمشترك الإنساني بين التيارات المتعددة.

مصدر (منى شكري، علي شريعتي إنسانية الفكر والإصلاح)، (محمد أسامة، علي شريعتي سيرة معلم الثورة المغدور) (عريب أبو صلیح، علي شريعت مفكر الثورة الإيرانية) (زكريا محمود، علي شريعتي المفكر الحر يستحيل تصنيفه)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.