على ساق واحدة.. شجرة الشعر في تربة الحرب

يحدثنا الشاعر “عماد أحمد*” في مجموعته “على ساق واحدة” عن الحنين الذي لم يعد حكراً على الأشجار التي خلعت جذورها مجبرة وغادرت، بل بات فصلاً خامساً في دورة الفصول السورية.. أراد الشاعر الوقوف على ساق واحدة ليقطف ثمرة الشعر، ويقدمها ناضجة لقارئه.

الأيام السورية؛ حسين الضاهر

كوني عاجزاً عن الوقوف في منطقة رمادية عندما يتعلق الأمر بمادة نثرية ترتكز على سلاسة الطرح بعيداً عن القرقعة اللغوية وكثافة المجازات والانزياح، والتي باتت في الآونة الأخيرة ثياباً ترتدى للتغطية على عيوب جمة، يتقصد الكاتب استخدامها، معتمداً على فرضية “عدم قابلية الشعر للشرح”. كما لست ممن يمتلكون أدوات النقد كاملة لإخضاع أية مادة لمبضع التشريح وإحاطة جوانبها الجمالية وإسقاطاتها؛ لذا سأحاول المرور هنا بقلم المتذوق، لعلي أضع يدي على بعض مواطن الجمال.

عالياً كل شيء
عالياً…
لكأنكِ الريح
وكأن قلبي لم يصل أبداً
كأنك الريح حقاً
فليت القصيدة تهدأ الآن
ليتهم يمرون على عجلٍ
لأواصل بعدهم موتي.

بهذه المقطوعة يستهل الشاعر “عماد أحمد” مجموعته “على ساق واحدة” ليحدثنا عن الحنين الذي لم يعد حكراً على الأشجار التي خلعت جذورها مجبرة وغادرت، بل بات فصلاً خامساً في دورة الفصول السورية.. يمر حتى على تلك الأشجار المتجذرة في تربتها الأم، ولأن كل شيء صار عالياً، أراد الشاعر الوقوف على ساق واحدة ليقطف ثمرة الشعر، ويقدمها ناضجة لقارئه.
وبمثل هذه اللغة البسيطة في شكلها العميق، وبُعدها، يرافقنا الشاعر حتى الوصول إلى الورقة الأخيرة، محملاً قضاياه الشخصية على أكتاف الوطن، الحب، والحرب؛ هذه الثلاثية (ميناء القصيدة)، لابد أن ترسو عندها الكلمات لتلامس الهموم وتصنع جسراً إلى النفس المتلقية. “في الطريق إلى الحب/ في الطريق إلى الله/ في الطريق إلى الحرب” عبر هذه الجمل وأخرى غيرها، يؤكد الشاعر ملازمته هموم أبناء بلاده، بل يرافقهم الرحلة وفي نفسه بقايا أمل:

من حقي أيضاً
أن أترك نافذتي مفتوحةً
لعل قمراً شاحباً في آخر الليل يجيء.
نعم إنه بلوغ الأمل، فعلى الرغم من “كل البرد الذي ينبض في ضلوعنا/ وبالرغم من آلاف التنهدات/ نصف سماء تكفي يا صديقي، لنسرح في الحلم ثانية”.
وعند الغوص في أعماق المجموعة نجد الاشتغال على قصيدة نثر خالصة بروح شعرية لطيفة، وكأن كاتبها أراد للحظة هدم الجدار بين النثر والشعر، “وما قصيدة النثر إلا نموذج لتلاشي الفاصل بين الشعر والنثر العادي” كما يقول عبد الكريم كاصد.
وقد اتخذ عماد أحمد من تعدد الأصوات في قصائده بالإضافة إلى استخدامه الجمل الخطابية في بعض المواضع، منبراً لمواجهة الحرب التي أحرقت كل شيء:
متعبٌ
أن تنتهي الحرب
وليس في جيوبكَ وردة
ولا تحت وسادتك قمرٌ
متعبٌ…
وبوضوح يظهر تعلق الشاعر ببيئته الريفية الرحبة، من خلال استخدامه لمفردات شعبية كـ “على شليل ثوبك/تعال لنشرب الشاي عند حبابتي/ هباري/ الفلاليح …..”، وأيضاً من خلال تكراره لمفردات مثل “سماء، قمر، غيمة، شجرة، ريح..” وقد يحسب هذا التكرار كهفوة في بعض المواضع، إلا أنه دلالة على تحرر السجية الشعرية من قيود الرقابة الذهنية والتكلف في مواضع أخرى، ورسماً للمفارقة عبر خلق ثنائيات من التكرار والتضاد.
وإن انحياز الشاعر إلى الصور والتراكيب على حساب الفكرة، ألبس نصوصه أبعاداً نفسية ومجازية، حيث تتضح هذه الفكرة منذ العنوان فـ “على ساق واحدة” يحمل الدلالة على القلق والترقب، كما هو حال العالم اليوم يقف على ساق واحدة منتظراً الخلاص.
كما لم يقف الشاعر عند حدود آلامه بل خاض غمار الحب كطفل شقي يأخذه الفضول إلى أزقة التساؤل:
الفستقيُّ الموشى بحمرة خديكِ
يليق أكثر
أم الورديُّ عليكِ أبهى؟!
كيف للأبيض أن يكون فوضوياً
إلى حد التغنج!
ولماذا يبدو الأحمر باهتاً
في فستان صبية لا تشبهكِ!…
هكذا ينبت الشعر في حقل البساطة، غير آبه بمنجل الناقد ولا بعبث قارئ مارّ. وقد تلزمني الكثير من الكلمات كي أقدم قراءة وافية عن هذه المجموعة، إلا أنني سأكتفي بتقديم رأيي في جملة واحدة:
حملت مجموعة “على ساق واحدة” نفساً شعرياً أصيلاً.

جاءت المجموعة في ـ88 صفحة وهي صادرة عن دار “أرواد” في سوريا، عام 2020، من أجوائها:
على ساق واحدة
مثل شجرة
لا تؤمن بالفيزياء
ولا يشغل بالها
كيف تسقط التفاحة إلى أسفل
أحبكِ
مثل ريشة
توشك على الطيران في العاصفة
كمن يطفئ العتمة بعود ثقاب
كمن يضحك وكأنه يبكي لآخر مرة
أحبكِ
مثلما يفعل الكسالى وقليلو الحيلة
تماماً مثلما أحبكِ
أحبك.


* عماد أحمد طبيب وشاعر سوري صدرت له مجموعة واحدة “على ساق واحدة”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.