عقود الزواج في الفقه الإسلامي ما بين التوثيق والإثبات

الزواج على الصيغة الإسلامية عند العرب هو من بقايا شريعة إسماعيل ووالده إبراهيم عليهما الصلاة والسلام؛ ويذكر أن الفقهاء قديماً لم يستعملوا مصطلح الزواج بل كانوا يطلقون عليه تسمية النكاح، وأصبح متداولاً بعد تقنين الأحوال الشخصية بالبلدان العربية.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

يعتبر الزواج، المؤسسة الاجتماعية الأهم، اهتمت به الشرائع السماوية، والقوانين الوضعية، وكلاهما أحاطته بإجراءات لضمان حقوق طرفي العقد والحقوق المترتبة عليه كالنسب والميراث.

ماذا نعني بتوثيق عقد الزواج؟

المراد بتوثيق عقد الزواج، كتابته عند الموظف الرسمي للدولة، واستخراج وثيقة تكون مع الزوجين، من خلالها يثبت نسب الأولاد، وتضمن كافة الحقوق المتبادلة.

هذه الوثيقة تطورت من ورقة أو مستند مكتوب باليد وفقاً لصياغة معينة، إلى مستند رسمي تجمعه سجلات مضبوطة بأصول حفظ تمنع عنها الريبة.

يتضمن عقد الزواج الاسم الكامل للزوجين واسم الوكيل لكل منهما وشاهدا العقد واسم الموثق والقاضي الشرعي وتوقيع الجميع والمهر وتاريخ العقد ورقمه ومكانه مع ذكر أنه تم استيفاء الشروط الشرعية للعقد؛ وهو وسيلة إثبات قانونية لا يمكن إنكارها أو إنكار محتواها أو التشكيك بصحتها، إلا بحال ادعاء التزوير.

أما الإثبات لغة فهو إقامة الشيء، يقال أثبته: أقامه في مكان لا يبرحه، وأثبت حجته، أي أقامها وأوضحها، والإثبات في مجال القضاء الشرعي هو إقامة الحجة أمام القضاء بالطرق الشرعية (الشهادة ـ الكتابة).

الفرق بين التوثيق والإثبات

1/ التوثيق يسبق الإثبات، فعقد الزواج يوثق بالكتابة أولاً، ثم يتم إثباته عند الإنكار والجحود بالوثيقة ثانياً.
2/ الإثبات يتم اللجوء إليه عند التنازع والإنكار، بخلاف التوثيق فهدفه حفظ الحقوق والاحتياط لها.
3/ الإثبات يعتمد على التوثيق، فالوثيقة المكتوبة هي البيِّنة الخطية لإثبات عقد الزواج والاحتجاج بها وهي واجبة عند تنظيم أي عقد.
4/ الهدف من التوثيق والإثبات معاً، هو التوصل بهما إلى إقامة الحجة.

نظرة في تاريخ بداية تحرير العقود بالكتابة

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..).

وقد جاء في السنة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده”. فالأمر بكتابة الدين ثم الإرشاد إلى كتابة الوصية دليل واضح على مشروعية وضرورة التوثيق.

وعن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدَّين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لمَّا نزلت آيةُ الدَّينِ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ أوَّلَ مَن جحدَ آدمُ، عليهِ السَّلامُ، أنَّ اللَّهَ لمَّا خلقَ آدمَ، مسحَ ظَهْرَهُ فأخرج منهُ ما هوَ ذارئٌ إلى يومِ القيامةِ، فجعلَ يعرضُ ذرِّيَّتَهُ عليهِ، فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقالَ: أي ربِّ، مَن هذا؟ قالَ: هوَ ابنُكَ داودُ. قالَ: أي ربِّ، كم عمرُهُ؟ قالَ: ستُّونَ عامًا، قالَ: ربِّ زد في عمرِهِ. قالَ: لا إلَّا أن أزيدَه من عمرِكَ. وَكانَ عمرُ آدمَ ألفَ سنةٍ، فزادَهُ أربعينَ، فَكَتبَ عليهِ بذلِكَ كتابًا وأشهدَ عليهِ الملائِكَةَ، فلمَّا احتُضِرَ آدمُ وأتتهُ الملائِكَةُ قالَ: إنَّهُ قد بقيَ من عُمُري أربعونَ عامًا، فقيلَ لَهُ: إنَّكَ قد وَهَبتَها لابنِكَ داودَ. قالَ: ما فَعلتُ. فأبرزَ اللَّهُ عليهِ الكتابَ، وأشهَدَ عليهِ الملائِكَةَ).

صورة تعبيرية(اليوم السابع)

أهمية توثيق عقد الزواج

1/ إثبات الحقوق بوثيقة، والكتابة وسيلة أساسية من وسائل الإثبات في القضاء والقانون.
2/ حفظ الحقوق من الضياع عند الإنكار والجحود.
3/ الحيلولة دون وقوع النزاعات والخصومات.
4/ حجية الكتابة ملزمة للقاضي إذا استوفت الشروط المطلوبة بخلاف الشهادة فهي خاضعة لتقدير القاضي.
5/ الإثبات بالكتابة في القضاء والقانون أمر وجوبي بخلاف الشهادة.
6/ الوثيقة تثبت الحق رغم مرور الزمن، بخلاف الشهود قد تعترضهم عوارض.

لماذا يجب توثيق عقد الزواج

1/ بيان الحقوق وإظهارها بتوثيق ما شهد به شهود العقد.
2/ دوام المخطوطات المكتوبة وسهولة تناولها.
3/ معرفة تسلسل الأجيال وحفظ الأنساب بالإضافة لضرورات التخطيط والتنمية.
4/ سد الباب أمام المتلاعبين بأعراض الناس.

نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية

1/ تتفق كل من الشريعة الإسلامية وقوانين الأحوال الشخصية في الدول الإسلامية والعربية على مشروعية ووجوب توثيق عقد الزواج.
2/ توثيق الزواج في الشريعة يكون بالشهادة، ويكون بالكتابة أو بهما معاً.
3/ توثيق الزواج في القانون يشترط فيه رسمية الوثيقة وأن تكون محررة من موظف مختص بمقتضى وظيفته.
4/ توثيق الزواج في الشريعة قد يكون توثيقاً اجتماعياً في الدول الإسلامية سواء كان مكتوباً أو غير مكتوب، كما في البوادي، وكذلك البدو الرُّحّل في الصحراء وغيرها.
5/ الإشهاد على عقد الزواج في الشريعة شرع للتوثيق والإشهار والإعلان والاحتياط، والتوثيق في القانون شرع للتوثق والإعلان وزيادة الاحتياط، لأن الشهود قد تحدث لهم عوارض الغفلة والنسيان، والموت والغياب المنقطع والرجوع عن الشهادة.
وفيما يلي جدولاً يبين نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية.

آراء العلماء في الزواج غير الموثق لدى الجهات الرسمية

وقد اختلف الفقهاء حول مدلول الأمر في الآية الكريمة، هل هو للوجوب أم للندب، والرأي الراجح أنه للندب بدليل قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدِ الذي اؤتمن أمانته).

والتوثيق بصفة عامة تدور معه الأحكام الخمسة، فقد يكون واجباً إذا ترتب على عدم التوثيق ضياع حقوق العباد، وقد يكون حراماً، أو مكروهاً إذا ترتب عليه ضياع الحقوق كتفضيل بعض الأبناء على بعض دون مسوغ شرعي، وقد يكون مندوباً أو مباحاً في الظروف العادية عند وجود الثقة بين العاقدين، أو وجود ضمانات أخرى لحفظ الحقوق.

بالفتوى.. توثيق عقد النكاح واجب شرعاً

الرأي المرجح للفتوي في هذا العصر أن توثيق عقد النكاح واجب شرعاً، لعدة أسباب منها:

أولاً: القوانين المنظمة للعلاقة بين الزوجين جعلت هذا التوثيق أمراً واجباً، ولا تعترف بأي عقد آخر لم يوثق لدى الجهات الرسمية المعتبرة، وطاعة ولي الأمر واجبة ما لم تعارض الشرع، وتكون أوجب إن كانت هذه الطاعة ستؤدي إلى حفظ الحقوق ورفع الحرج.

ثانياً: من القواعد الشرعية الجامعة المهمة قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وعدم التوثيق يترتب عليه ضرر على الزوجة، وهو الضرر الأكبر حيث إنها لا تستطيع أن تثبت حقها في النفقة ولا السكنى، ولا مؤخر الصداق، ولا النسب إلا إذا اعترف الزوج به، وعدم التوثيق أيضا فيه ضرر على الزوج حيث يمكن للزوجة أن تترك بيت الزوجية، وتلحق برجل آخر، دون أن يستطع الزوج أن يثبت العلاقة الزوجية، كما أن عدم التوثيق فيه ضرر على الولد في ثبوت نسبه من أبيه إذا أنكر الزوج هذا الزوج.

ثالثاً: عدم التوثيق يؤدي إلى الحرج في مبيت الرجل مع زوجته أو سفره معها، فهذا وإن كان جائزاً من ناحية الشرع غير أنه يؤدي إلى الارتياب في أمرهما واتهامها بالزنى، والمسلم لا يضع نفسه موضع الريبة والشك.

من أجل هذا وغيره فإن توثيق عقود الزواج في هذا الوقت من الواجبات التي لا يجوز تركها إلا في حالة الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.

مصدر (د. زينب خليل الخنيسي، التطور المرحلي للتوثيق في عقود الزواج في الفقه الإسلامي)، (لطفي حسن أسعد، الزواج في الإسلام) (أحمد الشامي، التطور التاريخي لعقود الزواج في الإسلام) (عبد الفتاح عمرو، السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.