عقاب يحيى.. ما حصل في حزيران هزيمة شاملة للمشروع النهضوي والعربي

117
حاوره: فهد إبراهيم باشا
عقاب يحيى

شكّلت هزيمة 5 حزيران/يونيو صدمة قويّة لوجدان الشعوب العربية، إذ أنها وبعد شحن عاطفي في وسائل الإعلام بمحاربة إسرائيل، وشحن الجماهير بوعود استرجاع فلسطين من المحتل الإسرائيلي، انهزمت الجيوش العربية بسرعة خاطفة، حيث لم تمتد الحرب لأكثر من ستة أيام، كسب الإسرائيليون فيها أكثر من ثلاثة أضعاف الأرض التي كانوا يسيطرون عليها قبل الحرب، وامتد الاحتلال ليشمل مناطق في سوريا ومصر كمرتفعات الجولان السورية، وسيناء المصرية.

وكانت هذه الحرب/ الهزيمة، منعطفاً هاماً في تاريخ المنطقة العربية، ما زالت الشعوب تدفع الفاتورة من استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، ومن حريتها وإنسانيتها، وخاصة بعد استفراد العسكر بالحكم، دون تقديم أي مراجعات لطرق إدارتها للمجتمع، ومشاريعها، مما ساهم بتأجيل المشاريع التنموية والمجتمعية في تلك البلدان لصالح سيطرة الشمولية والحزب الواحد، وتكريس بنى الاستبداد.

في ذكرى الهزيمة، أو ما اصطلح المهزومون على تسميته بالنكسة، من باب تخفيف وقع الكلمة على ذواتهم المريضة، ومحاولة كسب الشارع الشعبي من جديد، نحاول في صحيفة “الأيام الالكترونية” تسليط الضوء على بعض تفاصيل هذه الحرب ونتائجها عبر اللقاء مع مجموعة من المثقفين الوطنيين.

جاءت هزيمة حزيران لتكسر هذا المشروع في صلبه، وتكشف حقائق كثيرة، فهي بداية التكور الداخلي أو الهزيمة العربية الشاملة، ونهاية متدرجة للمشروع النهضوي والتحرري.

في هذه الحلقة من سلسلة الحوارات حول هزيمة حزيران/يونيو 1967، تستضيف الصحيفة الأستاذ عقاب يحيى، الكاتب والسياسي السوري، البعثي المعارض، الذي كان من المحسوبين على تيار صلاح جديد في حزب البعث، وعارض نظام حافظ الأسد منذ وصوله السلطة بعد انقلاب عام 1970، مؤسس تنظيم التجمع الوطني الديمقراطي المعارض. عضو في الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

السؤال الأول:

ما أهمية هذا اليوم في تاريخ العالم العربي؟

ما زالت ٥ حزيران/يونيو تتفاعل حتى تاريخه، لم يكن حدثا عاديا دون آثار كبرى. فقد كان منعطفا كبيرا في مجرى المشروع العربي النهضوي، بغض النظر عن مدى محتوياته ومعاناته، وقد جاءت هزيمة حزيران/يونيو لتكسر هذا المشروع في صلبه، وتكشف حقائق كثيرة، فهي بداية التكور الداخلي أو الهزيمة العربية الشاملة، ونهاية متدرجة للمشروع النهضوي والتحرري، وأصبحنا أمام مرحلة جديدة خاصة، على سبيل القضية الفلسطينية، حيث انتقلت عمليا قضية الصراع من صراع مع الصهيونية إلى صراع على استعادة الأرض التي احتلت في تلك الهزيمة، وجاء القرار /242/ ليكرس لغة مكتسبات المنتصر، وحصل فراغ كبير بين مؤيد ورافض للقرارات في المراحل اللاحقة هو الاستناد في كل التسويات التي تمت.

من صور الهزيمة(قناة الغد)

السؤال الثاني:

ماذا خسر العرب في حرب حزيران/يونيو 1967؟

خسر العرب في هذا اليوم الكثير، عدا عن الهزيمة العسكرية الساحقة، وتلك الحرب التي انتهت واقعيا في ستة أيام كشفت عورات بنية الجيوش العربية، وكانت هزيمة شاملة للنظام العربي السائد وبشكل خاص للنظم المحسوبة على الخط الوطني والتحرري، حيث بدأ العد التنازلي لتلك النظم، ولعل وفاة جمال عبد الناصر الفجائية كانت تكريسا رسميا لتلك الخسارة، وبدء مرحلة “الارتداد” أي التخلي تماما عن المشروع النهضوي والتحرري والمختلف عما ساد بعده، حين طويت صفحة الشعارات والأهداف التي كانت حصيلة حركات التحرر الوطني والقومي، وحصيلة جهود طويلة من التضحيات لأجيال متعاقبة من أجل توحيد الأمة أو تقدمها، وإنهاء الاستعمار وبقاياه في المنطقة.

عمليا؛ الهزيمة التي حصلت كانت شاملة، وأبانت بنية العقل العربي السائد على مستوى الأنظمة والمؤسسات؛ بل ومستوى المفكرين والنخب.

عمليا؛ الهزيمة التي حصلت كانت شاملة، وأبانت بنية العقل العربي السائد على مستوى الأنظمة والمؤسسات؛ بل ومستوى المفكرين والنخب.

السؤال الثالث:

ما أسباب خسارة الحرب؟

أسباب كثيرة في مقدمتها؛ أن الجبهة الشمالية لم تكن متوافقة مع الجبهة الجنوبية، وكان اللواء “علي علي عامر” وهو قائد الجبهة الشمالية لم ينج في اتخاذ مواقف توحيد بين القوى السورية والأردنية، والتواصل مع الجيش المصري من حيث الشكل فقط، أما من حيث الأسباب الحقيقية فقد حصلت مراهنات كبيرة كي لا يبدأ العرب الضربة الأولى.

كما مورس ضغط كبير على جمال عبد الناصر، حيث اجتمع عبد الناصر بقياداته العسكرية، وطرح عليهم السؤال فيما إذا شنت إسرائيل الحرب.. ما هي نسبة الخسائر؟ وهل يمكن للجيش المصري أن يتحمل الخسائر؟ فكانت الأجوبة عاطفية؛ إننا يمكن أن نتحمل هذه الضربة والخسائر لن تتعدى 10%.

على هذا الأساس استجاب عبد الناصر للضغوط الدولية “السوفيتية” و”الفرنسية” أو غيرها بألا يقوم هو أو بقية الجيوش العربية بالضربة الأولى، حيث كان الفرق كبيرا بين من يبدأ الضربة الأولى وبين من يتلقاها، كانت المفاجأة الكبرى أنه خلال ست ساعات نجحت إسرائيل في تحطيم جل الطيران المصري، كما قامت إسرائيل بضرب المطارات وأماكن حمل الطائرات، وضربت الطائرات التي في العراء، وحتى أن القوات المصرية التي انتشرت بشكل سريع في سيناء وفي بعض المناطق لم يكن لديها أي تغطية جوية، كما تأخرت القوات السورية في مشاركتها بالحرب، إضافة للقوى العربية كافة.

عبد الناصر كان يعاني من إشكالية نتائج العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م، وكان العرب ينتقدون وجود قوات دولية في شرم الشيخ ومضائق ديران، وأن الناقلات الإسرائيلية تمر عبره، فكان جمال عبد الناصر يشعر بالحرج، لذا اتخذ إجراءات مباشرة وسريعة؛ وهي إعلان الحرب بإغلاق مضائق ديران وإخراج القوات، كما نقل بسرعة كبيرة القوات المصرية إلى سيناء وأتى بقسم من قواته المتواجدة باليمن حيث كانت هناك نصرة للثورة اليمنية على الحكم الملكي.

كانت هذه القطع منهكة، لكن كانت وعودا كبيرة أنه سيتلقى دعما وغطاء جوياً، عملياً؛ جمال عبد الناصر أصبح مركز الاهتمام والثقل في كل الأجواء التي سبقت الخامس من حزيران، وللأسف مورس عليه ضغط كبير لئلا يبدأ الضربة الأولى، بالإضافة إلى تلك الوعود التي أعطيت له بأن تلك الدول ستدين وتقف ضد من يبدأ الضربة الأولى، وعندما بدأت الحرب كان الفرنسيون وحدهم من صدق قولهم بقيادة الجنرال “ديغول”.

كان الفرق كبيرا بين من يبدأ الضربة الأولى وبين من يتلقاها، كانت المفاجأة الكبرى أنه خلال ست ساعات نجحت إسرائيل في تحطيم جل الطيران المصري.

وحصلت الحرب، وكانت التوقعات الفجائية حيث لم يتصور أحد أن الجيش المصري سيتلقى تلك الهزيمة السريعة عبر إخراج الطيران المصري من المعركة، وبقاء تلك القوات التي جاءت إلى سيناء في العراء وغير محمية، بل وعرضة للقصف الجوي الكبير، وهذه أساس الهزيمة التي حصلت ثم تممتها الجبهة السورية والأردنية.

السؤال الرابع:

إلى أي مدى كانت الجبهة السورية قادرة على التصدي لإسرائيل، وإلى أي مدى قاتلت؟

تستمر المناقشات حول: إلى أي مدى كانت الجبهة السورية قادرة على التصدي لإسرائيل، والوقوف بوجهها، وإلى أي مدى قاتلت.

هذه الأسئلة كانت وما زالت مطروحة، وما والت مثار خلاف بين المهتمين بمن فيهم المنتمين للسلطة الحاكمة أو البعث.

كان لحرب حزيران على الجبهة السورية تأثيراته، فسوريا تزعمت الجبهة الفلسطينية وكانت حركة فتح، وكانت محمية من الجانب السوري في الهامة وغيرها، وكان ذلك يثير حفيظة إسرائيل وأمريكا ودول الغرب، وطالبوا بإسقاط النظام السوري أو الرؤوس الحامية فيها، كان هناك تصريحات مباشرة من قبل الأمريكان والعديد من القادة الإسرائليين أن هؤلاء يجب أن يدفعوا الثمن.

حافظ الأسد باللباس العسكري(التاريخ السوري)

وحدثت اشتباكات كثيرة على الجبهة السورية، ومنها تلك الاصطدامات بين الطيران السوري والإسرائيلي، حيث تلقى الطيران السوري ضربة مؤلمة، رغم اتفاقية الدفاع المشترك بين سوريا ومصر وتضامن جمال عبد الناصر مع سوريا، واعتبار أن أي عدوان على سوريا هو عدوان على مصر، وتسارعت الأحداث بسرعة هائلة، فأصبحت مصر هي مركز الاهتمام والثقل في العملية.

السؤال الخامس:

ما دور حافظ الأسد في الهزيمة

قيل الكثير عن دور حافظ الأسد في تلك الهزيمة وعمليات الاختراق على الجبهة السورية في القطاع الشمالي، ونوقش الأمر أيامها في قيادة الحزب، وطرح موضوع تغيير البنية العسكرية؛ ممثلة بوزير الدفاع حافظ الأسد والذي كان قائدا للطيران، وإضافة لرئيس الأركان بقيادة اللواء أحمد سويداني، وعندما عرض الأمر على القيادة المشتركة المكونة من القيادتين القومية والقطرية سقط الاقتراح بصوت واحد، لأنه لم تكن تحضيرات مسبقة كما يجب لإنجاح هذا المقترح لتكوين مرحلة جديدة.

جرى التفاف على القرارات المثارة، وطرحت شعارات نارية عن حرب الشعب والكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، وغير ذلك ممن كان بعضهم يعتبرها هروبا إلى الأمام.

ترتب على ذلك نتائج كبرى يمكن الحديث فيها طويلا، لكن دور حافظ الأسد في الحرب كان الناطق الرسمي حيث تأتي البيانات العسكرية من خلاله، وعندما حدث الخرق في القطاع الشمالي قيل الكثير؛ لأنه القطاع الأكثر تحصينا وصعوبة في الجبهة السورية، ولم تتم مواجهة مهمة، وقد أثبتت الأحداث لاحقاً؛ أن اللواء الموجود فيها هو لواء احتياط، وقد هرب قائد اللواء آنذاك؛ مما سمح لبضعة دبابات إسرائيلية اخترقت المكان أن تتسع، وأن تشكل محورا مهما بدأ يجتاح الجبهة السورية.

كان الملفت بعض القرارات التي أثارت أسئلة كثيرة واتهامات منها:

الأول: إعلان احتلال القنيطرة قبل احتلالها ب٢٤ ساعة، حيث صدر البلاغ رقم 66 الذي يقول أن القنيطرة قد سقطت، وتبين فيما بعد ضمن مهزلة كبيرة: أن وفدنا في الأمم المتحدة قدّم شكوى عن احتلال إسرائيل لعاصمة الجولان “القنيطرة”، وعندها كان تهكم المندوب الإسرائيلي بأن الجيش الإسرائيلي لم يدخل القنيطرة بعد.

وفعلاً؛ كان رئيس الأركان اللواء أحمد المير في تلك المنطقة يحاول تجميع ما تمكن من العسكريين في محاولة الصد وتعبئة الشرفاء الذين قاتل بعضهم في مواجهة إسرائيل، فاحتلت إسرائيل فيما بعد القنيطرة.

ثانياً: القرار الثاني الذي أثار ضجة كبيرة، ولم يفهم في علوم الجيش، هو اتخاذ قرار الانسحاب الكيفي؛ حيث أثار ضجة كبيرة، حيث أن الجيوش عندما تتلقى ضربة ما تنتقل إلى الخطط العسكرية وبعضها بديهي، فصدر قرار بالانسحاب الكيفي لقوات الجيش السوري؛ مما أحدث بلبلة كبيرة في الجيش، وتاهت قوات كثيرة وهناك من ترك سلاحه ونجا بنفسه.

عبد الناصر يراقب الجبهات(اوريتن)

كل ما سبق تم تقييمه في المؤتمر القومي التاسع الاستثنائي، ولم يصل لنتائج مهمة في تحميل حافظ الأسد المسؤولية المباشرة، وكانت عقلية سائدة في العقل العربي تكمن بالهروب والتضامن، حيث تتضامن القيادة مع بعضها البعض، وتحمي بعضها، فقد جرى التفاف على القرارات المثارة، وطرحت شعارات نارية عن حرب الشعب والكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، وغير ذلك ممن كان بعضهم يعتبرها هروبا إلى الأمام لأن الجيش السوري عمليا لم يقاتل كما كان متوقعا منه، فالجبهة السورية كانت أكثر تحصنا وكان يمكن أن يكون الصمود فيها طويلاً بعيداً عن الشعارات.

من هنا؛ فقد توجهت الكثير من الاتهامات لحافظ الأسد كرأس للمؤسسة العسكرية، والمسؤول الأول عن هذه الهزيمة الشاملة، وهذه الهزيمة التي تنتقل من المؤسسة العسكرية إلى بنية النظام وممارساته، وإلى الفجوات الكبيرة خاصة فيما يتعلق بالحريات الديمقراطية وعقلية الحزب الواحد والحكم الشمولي.

لم أقتنع يوما أن ما حصل في حزيران هو نكسة أو وكسة كما أطلق عليها البعض، بل أصنف ما حصل أنه هزيمة شاملة للمشروع النهضوي والعربي الذي صيغ بهذه الطريقة، والنظام العربي الذي كان قائما في مصر وسوريا.

أقول ؛ إنه منذ ذلك التاريخ عندما كنت شابا لم أقتنع يوما أن ما حصل في حزيران هو نكسة أو وكسة كما أطلق عليها البعض، بل أصنف ما حصل أنه هزيمة شاملة للمشروع النهضوي والعربي الذي صيغ بهذه الطريقة، والنظام العربي الذي كان قائما في مصر وسوريا.

بالفعل؛ هي هزيمة لبنية العمق العربي، حيث كتب المرحوم “ياسين الحافظ” وغيره الكثير في أسباب الهزيمة، وهي هزيمة كبيرة وشاملة وانعطافية وأسست بنتائجها لكل المراحل اللاحقة؛ بعدها فرض القرار / 242/ ما أحدث خلافاً كبيراً في الأنظمة العربية، فجمال عبد الناصر اضطر للقبول به، ورفضته القيادة السورية والمقاومة الفلسطينية ممثلة بهيئة التحرير الفلسطينية، ورفض من قبل الجزائر والعراق أيضا.

علما أن هذا القرار حاول أن يفصل بين القضية الفلسطينية وبين ما تم احتلاله في ٥ حزيران، وتحول الصراع من صراع مركزي مع الكيان الصهيوني إلى صراع حول ما احتل من أرض عربية، حتى أن الخلاف كان كبيراً حول (ال التعريف)، فالمشروع البريطاني الخبيث الذي صيغ يقول؛ “انسحاب من أراض عربية” أما الترجمة الفرنسية فقالت، “من الأراضي العربية”.

إسرائيل عملياً بعد تلك الحرب احتلت كامل فلسطين إضافة إلى سيناء والجولان، وعوملت القضية الفلسطينية وفق القرار/242/ كقضية لاجئين وليس كقضية عربية وأرض مغتصبة، بما فيها حقوق اللاجئين، في العودة والتعويض.

حافظ الأسد (مجلة يوغا بالعربي)

للاستماع للتسجيلات الصوتية للسياسي السوري عقاب يحيى:

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
تعليق 1
  1. Milad يقول

    تحياتنا للاستاذ المحترم عقاب يحيى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.