عصر الحداثة الحجرية.. ثورة ثقافية أم موضة استهلاكية

هل تعتبر الكتب الفارغة ثورة ثقافية؟ أو موضة استهلاكية؟ أم أنها شكل من الوضاعة الإنسانية الصامتة إزاء الخراب المحيط بنا؟

60
الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ الثورة التي قام بها الدكتور آلان فرانسيس في عام 1987، عندما نشر عن طريق دار نشر نيوبورت هاوس التي أسسها آلان غارنر وسيندي كاشمان، كتابه المعنون بـ Everything men know about women كل ما يعلمه الرجال عن النساء، وتمت إعادة طبع الكتاب كل سنتين تقريباً حتى وصلت الطبعات في عام 2018 إلى 15 طبعة، وبمبيعات هائلة، أصبح الكتاب مرجعاً للحركات الفكرية الجديدة في العالم. لقد تم تقليده بعدد من المواضيع المختلفة والمتشابهة ولكن مضمونها واحد.

كتاب آلان فرانسيس لا يحتوي سوى على الغلاف، اسم الكتاب ومعلومات المؤلف ودار النشر، ونبذة في الغلاف الخلفي عن الكتاب، وفي الداخل 128 صفحة فارغة كلياً؛ صفحات بيضاء فقط، ولا كلمة واحدة.

ذات الأمر تكرر في عدد من الدول والمؤلفين، من أمثال حسن الحلوجي في كتاب مات الكلام. تركي الدخيل في كتاب كيف تربح المال بأقل مجهود عام 2011. وفاء المصري عام 2008 بكتاب كل ما قام به العرب حيال جرائم الصهيونية. وكثير غيرها في العالم.

ماذا يعني أن تفتح كتاب فلا تجد شيء!، أليست بطريقة ما هي تجذير لمقولة تراثية عالمية بأن الصمت هو أبلغ من الكلام؟. بالتأكيد هو أبلغ، لكن عندما يكون صمتاً وليس فراغاً.

ولم يتوقف الأمر عند النص الفارغ، فالمؤلف الموسيقي الأمريكي جون كيج في مقطوعته 4,33 ظهر أمام قاعة ممتلئة بالناس وقدّم مقطوعة صامتة كلياً، ولقي بالمقابل استحسان وتصفيق هائل.

هذه الظاهرة الغريبة، تجعلنا نتوقف قليلاً حول التبريرات التي قدمها صناع المحتوى الفارغ بأسمائهم المعروفة والمشهورة، بأنها رؤية احتجاجية على التفاهة الفكرية أو السياسية أو الفلسفية التي تجول في العالم. إن كانت هذه رؤية احتجاجية، فبماذا نستطيع أن نسمي اللاشيء؟!.

هنا يظهر سؤال، لو قام أي أحد من الناس غير المعروفين عالمياً بمثل هذه الحركة، مع العلم أن هناك الكثير من الأشخاص هم فكرياً أعمق من كل تلك الأسماء المذكورة والمشهورة، لكن السياسات النشرية الترويجية حالت دون معرفتهم؛ لو قام أي أحد من الناس المغمورين بمثل تلك الحركة ألن يخرج القراء ليملؤه بالبصاق ووصفه بالغبي التافه!. إن الشهرة التي قامت لهذه الأعمال هي نابعة من الأسماء، وليس لأن الكتب تحمل في طياتها عمقاً، وما التبريرات الغبية لها سوى دليل واضح لقطيع الثقافة المنتشرة عند الناس.

ماذا يعني أن تفتح كتاب فلا تجد شيء!، أليست بطريقة ما هي تجذير لمقولة تراثية عالمية بأن الصمت هو أبلغ من الكلام؟. بالتأكيد هو أبلغ، لكن عندما يكون صمتاً وليس فراغاً.

هذه الحركات الترويجية السخيفة لا تغيّر شيئاً من عالم اليوم سوى زيادة مبيعات أكثر لكتّابها وزيادة حالة القطيع البشري التابع لأشخاص معينين، وكأن الأمر هو تطوير آلية ذهنية وثقافية ومعرفية لدى الشعوب. أسلوب مبتذل واستغباء مقيت للعقل والإنسان.

يستطيع اليوم كل العالم الذين يمتلكون مبادئ وأفكار وعمق أن يحتجوا بالفراغ والصمت، لكن في عالم أساساً يقوم على اللا أخلاق، ما فائدة ألا نحلل الأمور ونكتبها بمنطق وتفكير عميق وتسلسل واضح وإفادة للبشر، لنقول للعالم بأننا محتجين باللاشيء؟.

هذه الحركات الترويجية السخيفة لا تغيّر شيئاً من عالم اليوم سوى زيادة مبيعات أكثر لكتّابها وزيادة حالة القطيع البشري التابع لأشخاص معينين، وكأن الأمر هو تطوير آلية ذهنية وثقافية ومعرفية لدى الشعوب. أسلوب مبتذل واستغباء مقيت للعقل والإنسان.

هذا النوع من الكتب يجب أن يحارب كما تحارب أي سلطة وسياسة في العالم، وما القارئ الداعم لها إلا حالة تمثّل الفراغ الفكري لديه بأبهى تجلياته الاحتجاجية التبريرية مثل الكتاب الفارغ، وكأننا حقاً نعيش في عصر حداثة حجرية، وسفاهة فكرية تحت اسم العمق الإنساني بأن الكلام لم يعد يحقق جدوى. فكم يمكن أن نكون عميقين وإنسانيين وغاضبين عندما نملأ مكتباتنا بكتب فارغة!.

والأكثر إثارة واهتمام هو دفاع بعض المفكرين والأدباء عن تلك الحركات التي لا معنى لها، من منطلق أن الإنسان من حقه أن يقول شيئاً مثل ذلك. أن يصمت ليقول للعالم بأنه كاره لهذه التفاهة الفكرية والإنسانية المحيطة بنا.

محاربة التفاهة لا تتم بالاحتجاج الأبيض، بل بالحبر فوق البياض ليصنع تغييراً حقيقياً أيها المفكرون الأشاوس.

نعم إنه ينقد تفاهة العالم بكتاب فارغ ثم يذهب ليكمل حياته بشكل طبيعي. أجل إنه ينقد التفاهة العامة لكنه عندما يبدأ بملء الكتب بالحبر فإنه يحاول التوفيق بين البؤساء ومن يصنعون التفاهة المسيطرة على أولئك البؤساء، التي أصدر كتاباً فارغاً عنها.

يوفّق بين التائهين في العالم وبين من يصنعون أولئك التائهين بطريقة وسطية. إنه لا يجرؤ على كتابة حبرية غاضبة حقاً وتدين كل الأشكال التي تخلق التفاهة بمؤسساتها.

الكتب الفارغة ليست ثورة ثقافية وليست موضة استهلاكية، إنها عنصر ثالث كلياً، إنها شكل من الوضاعة الإنسانية الصامتة إزاء الخراب المحيط بنا. محاربة التفاهة لا تتم بالاحتجاج الأبيض، بل بالحبر فوق البياض ليصنع تغييراً حقيقياً أيها المفكرون الأشاوس.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.