عشر سنين من الربيع العربي.. مراجعة في أهلية الأحزاب الإسلامية للعملية الديمقراطية

هل نعرف بلداً في العالم حكم فيه حزب يضع الدين مرجعية له وحقق مساواةٍ بين المواطنين؟ وهل المقاربة بين الأحزاب الديمقراطية المسيحة في أوربا والغرب وبين الأحزاب الإسلامية ممكنة القياس؟ وهل تبقى العلمانية الحل الوحيد لبلد متعدد الطوائف مثل سوريا؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

جاءت انطلاقة الربيع العربي قبل عقد من الزمن أشبه المعجزة، تلك البهجة العارمة التي غمرت رجلا تونسياً وهو يصيح: “تحيا تونس الحرة، بن علي هرب، بن علي هرب” داعبت مخيلة الملايين في تحقيق حياة كريمة، فالناس لم تتعبهم فقط مجمل الظروف الاقتصادية الصعبة وتسلط أجهزة الأمن، إنما انسداد الأفق مع دكتاتوريات حكمت طويلاً.

في البدايات ظهر خطاب الديمقراطية بشكل تبشيري، وكان ذلك أمراً طبيعياً حينها لأن الناس وضعوا نصب أعينهم إسقاط الدكتاتورية وكانوا متخوفين من نجاح الأنظمة المستبدة في تفرقة الناس، وربما لأن الأمر كان أشبه بمعجزة، والمعجزات لا تحلل ولا يشكك فيها ولا تعقلن.

وحدها تونس نجحت في تجاوز امتحان الربيع العربي وفترته الانتقالية بأقل الخسائر، فيما سرعان ما استعادت الطغمة العسكرية الحاكمة في مصر منذ أيام عبد الناصر مواقعها بشراسة وبأسلوب حكم كالمهزلة، وغرقت اليمن وسوريا وليبيا في حرب أهلية مدمرة وتحولت إلى ساحة معركة لعدة قوى إقليمية ودولية.

ربما من الجائز اليوم أن نخرج ببعض الدروس ونقوم بمراجعات، وبرأيي من أهمها مراجعة دور الأحزاب الإسلامية في العالم العربي ومدى قدرتها على المشاركة في العملية الديمقراطية ودعمها، فهذا الموضوع شهد في البدايات موجة تفاؤلية مستمدة من النموذج التركي ومن ما حمله الربيع العربي من تغيرات، وحقيقة معظم الاعتراضات على حكم الإسلاميين لا تأتي فقط من عدم القناعة بإيمانهم بتداول السلطة بشكل سلمي، بل من أنهم في النهاية أصحاب مشروع يرمي إلى إجراء تعديلات قانونية تدريجية تقود المجتمع نحو التدين والتضييق على الحريات، بمعنى أنهم يتحيّنون الظروف المواتية دولياً وداخلياً لتحقيق هذا الهدف، وهذا ما حدث نسبياً في تركيا بعد بدايات ممتازة لحزب العدالة والتنمية.

في البدايات ظهر خطاب الديمقراطية بشكل تبشيري، وكان ذلك أمراً طبيعياً حينها لأن الناس وضعوا نصب أعينهم إسقاط الدكتاتورية وكانوا متخوفين من نجاح الأنظمة المستبدة في تفرقة الناس، وربما لأن الأمر كان أشبه بمعجزة، والمعجزات لا تحلل ولا يشكك فيها ولا تعقلن.

في تونس كما هو معروف، فاز حزب النهضة في أول انتخاباتٍ برلمانية في تونس، ومع العلم أن عدداً كبيراً من السكان ممن هم في سن التصويت لم يدلوا بأصواتهم، وكان أحد أهم أسباب نجاحهم هو أنّهم القوة الأكثر تنظيمياً، ويسهل عليهم حشد أنصارهم، فجذب هؤلاء للأنصار يعتمد على رؤية تقول بأسلمة المجتمع لحل مشكلاته أكثر مما تعتمد على برنامج متكامل، ولم يستمر حكمهم أكثر من دورة انتخابية واحدة، وبعد فشلهم في الانتخابات في الدورة الثانية بعد الثورة أنحوا باللائمة على عناصر الحرس القديم. إن تونس لها تاريخ مختلف لم يسمح باستمرار الإسلاميين طويلاً في الحكم، ويكفي للدلالة على الفروقات بين تونس وباقي الدول العربية أن أشير إلى قانون الأحوال الشخصية الذي يمنع تعدد الزوجات حظي بتأييد شعبي حقيقي، فيما أعتقد أن الوضع سيكون مختلفاً في باقي الدول العربية، ولذا أن نأخذ النموذج التونسي الذي لم يستمر فيه الإسلاميون وسلموا فيه السلطة كنموذج عام يثير التفاؤل أمر له محاذيره، ورغم وجود فئات محافظة في تونس فثمة تراث علماني عاشته تونس يصعب شطبه بخطابات دعويّة.

لنلاحظ هنا مسألتين أولهما: مدى التبسيط الاستشراقي الذي يقول إن الإسلاميين هم أصحاب الشعبية الأعلى بالضرورة في جميع الدول العربية ( مع موافقتي على فكرة أن الدين له حضور واسع في كل قطاعات الحياة)، ولكن لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن تونس لها تاريخ خاص يميزها عن باقي الدول العربية فهي كانت الدولة العربية شبه الوحيدة التي شهدت بعض الإصلاحات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر استجابة للإصلاحات التي باشر بها السلطان عبد المجيد الأول (ما عرف في اللغة التركية العثمانية بالمشروطية)، فيما نجح الولاة والأئمة والطبقة الحاكمة في باقي الدول ومنها سوريا في إفشال هذه الإصلاحات (لنتذكر هنا الكواكبي الذي تحالف ضده مشايخ حلب وطبقتها الغنية الحافظة).

كما أن الحبيب بورقيبة كان الدكتاتور العربي الوحيد الذي أجرى إصلاحات حازمة فيما يخص قانون الأحوال الشخصية والحد نسبياً من تدخل الدين في السياسة (علماً أنه مسؤول عن كثير من الكوارث الاقتصادية التي ألمت بتونس والقبضة الحديدية للأجهزة الأمنية)، وهنا نأتي إلى المسألة الثانية لنلاحظ كيف أن كرهنا للدكتاتوريات ينسينا ضرورة دراسة اختلاف سياسات كل دكتاتور عن الآخر وما يمكن أن تولده على المدى الطويل من تغييرات في المجتمع (نحن اكتفينا بالقول: الدكتاتوريات شر مطلق).

فجمال عبد الناصر مثلاً تمتع بكاريزما عارمة (تشابه كاريزما أتاتورك لدى الأتراك) كانت ستمكنه من تحقيق إصلاحات اجتماعية ضخمة لكنه لم يمتلك تلك العقلية الحديثة أساساً فهو نفسه خرج من العباءة الفكرية للإخوان، والطريف في الأمر أن محبيه يتداولون بفخر خطابه الذي يسخر فيه من المرشد العام للأخوان لأنه طلب من عبد الناصر تطبيق الشريعة وإلزام النساء بالحجاب، وكأن المصريات كن ملزماتٍ بالحجاب وجاء عبد الناصر وخلّصهن.

وبعد عبد الناصر جاء السادات الذي أطلق يد الإسلاميين لمواجهة اليساريين الذين زاد نشاطهم خاصة في الجامعات، وانتهى الأمر باغتياله للسادات، فمن غير المستغرب أن يكون الإسلاميون كالأخوان والسلفيون قوى لها حضورها وشعبيتها، وما حدث بعد الثورة أن الأخوان المسلمين استفادوا من عدم وجود مرشح معارض سواهم، فكان خطابهم بغير إخوانيين: “إما مرسي أو النظام القديم ممثلاً بشفيق”، وبمجرد ما وصلوا إلى الحكم بدؤوا يتصرفون بعقلية الجماعة لا عقلية حزب مسؤول عن دولة، حتى أن مرسي وصف السيسي الذي انتقاه بنفسه وزير دفاعه بأنه: رجل تقي يعرف الله، وبالطبع لا ننكر هنا دور السعودية التي تحالفت مع النظام القديم في إسقاط مرسي.

أما في العراق فقد خلع صدام حسين عباءة العلمانية، وارتدى عباءة الدين بغرض التجييش الطائفي لدى دخوله الحرب مع إيران، كما ظهرت لاحقاً عبارة الله أكبر على العلم العراقي، وشُنّت حملة إبادة على أكراد العراق باسم حملة الأنفال رغم أنهم معظمهم مسلمون محافظون، لذلك لم يكن من الصعب ظهور كل هذه القوى الجهادية (شيعة وسنة) بعد سقوط حكم صدام حسين، “يداك أوكتا وفوك نفخ”.

وفي سوريا سرعان ما استخدم حافظ الأسد الدين كأحد وسائل ترويض الناس واسترضاء الكتلة المحافظة من السكان عبر شيوخ مؤيدين له كالبوطي كفتارو وامتد الأمر أيام الابن إلى القبيسيات، فخصوصية حكم حافظ الأسد أن الطائفة كانت أحد أدواته من جهة وأنه استرضى الأئمة من جهة أخرى طالما أنهم لا يخرجون عن خطوط حمراء رسمها لهم، وسمح للسعودية مثلاً بتمويل بناء مئات الجوامع والمدارس الشرعية (زاد الأمر في عهد الأسد الابن) لذلك حين انطلقت الثورة السورية كان هناك كتلة محافظة تشعر بغبن طائفي في غياب قوى سياسية حقيقية مع وجود تدخلات إقليمية جعلت من الصعوبة بمكان تجنب المنزلق الطائفي وتجنب الأسلمة، فالبيئة السورية كانت جاهزة لمثل هذين المنزلقين والظروف الإقليمية دفعت أيضاً في هذا الاتجاه.

يصعب أن نتوقع مدى شعبية الإسلاميين في سوريا، فثمة عدة عوامل تلعب دورها، لكنني أعتقد أن المشكلة الكبرى هي أن التقسيم الطائفي سيساعد على حصد شعبية للإسلاميين من جهة، وللأحزاب المحافظة التي ربما لا تكون دينية بالضرورة ولكنها تحمل وجهة نظر محافظة.

يصعب أن نتوقع مدى شعبية الإسلاميين في سوريا، فثمة عدة عوامل تلعب دورها، لكنني أعتقد أن المشكلة الكبرى هي أن التقسيم الطائفي سيساعد على حصد شعبية للإسلاميين من جهة، وللأحزاب المحافظة التي ربما لا تكون دينية بالضرورة ولكنها تحمل وجهة نظر محافظة إزاء قانون الأحوال الشخصية ودور الدين في الحياة والتعليم، من جهة أخرى، أعرف شخصيات معارضة غير متدينة لكن خطابها يدور في فلك نقد الأقليات وإنكار تاريخ اضطهادها والانحياز إلى سردية السنّة المضطهدين.

ولا يغيب عن بالنا أن الحرب السورية خلقت حضوراً لعدة دول باتت لها جماعاتها ومشاريعها في سوريا، وسيكون لها بدون شك تأثير على ما سيحدث، ومع ذلك توجد فرصة لدى الأطراف غير الإسلامية، فهناك فئة من السوريين لا نعرف عددها بعد في غياب دراسات إحصائية بدأت تميل إلى الخيارات العلمانية، كما أن واقع التنوع الإثني والطائفي -هو نعمة ونقمة- يقول إن خيارات الأقليات ستتجه نحو العلمنة (هذا مالم ننتهي إلى دستور طائفي)، إضافة إلى أن الأكثرية السنية تبقى رغم كل التطييف كتلة متنوعة في توجهاتها أكثر من الأقليات وستتجه نسبة منها نحو الخيارات العلمانية، وثمة عامل آخر سيلعب دورا مهماً وهو كفاءة أول حكومة سورية منتخبة في مواجهة مشاكل إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي من جديد، فأيا كانت هذه الحكومة سيكون لها دور حاسم فيما سيأتي لاحقاً.

لا أعرف بلداً في العالم حكم فيه حزب يضع الدين مرجعية له وحقق مساواةٍ بين المواطنين، والمقاربة الطريفة بين الأحزاب الديمقراطية المسيحة في أوربا والغرب وبين الأحزاب الإسلامية هي دجل علني، ومفهوم الدولة المدنية بدلاً عن الدولة العلمانية مفهوم تليفيقي، ويبقى الأمر مرهوناً بمدى قدرة القوى الديمقراطية والعلمانية على لملمة شتاتها وتقديم خطاب عملي يقترب من الناس، فالعلمانية برأيي الحل الوحيد لبلد متعدد الطوائف مثل سوريا، وإلا ستسمر حروبنا إلى أجل غير مسمى.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.