عشائر سوريه بين ماضي البعث وحاضر الثوره

حرم حزب البعث ومنذ وصوله إلى السلطة، التعاطي بالثقافة والقوانين القبليه باعتبارها ظاهره متخلفه وهدامه.

نهى شعبان

في المرحلة الراهنه من الأزمة السورية يواجه المعنيون بهذه الثوره, من سوريين وقوى اقليميه ودوليه, معضلة استشراء التنظيمات الاسلاميه المتطرفه, في المناطق الخارجه عن سيطرة النظام,خاصه بين المواطنين من خلفيه قبليه
وقد حذر البعض من تحول انتشار العقيدة الجهاديه في تلك البيئة إلى توطن دائم, لكونها بيئه قابله ولكنها تفتقد إلى العمق, وقد يبنى عليها سياسات متسرعه, من حرب, وقمع, وترهيب المجتمعات, لمنعها من التعاون معهم أو احتضانهم , هذا الشان القبلي, الذي لا يحظى بأي قدر من الدراسة والتمحيص , بينما أكثر الدراسات منصبه على الشأن الديني وخاصه الإسلامي المتشدد منها
واذا عدنا قليلا” إلى الوراء نرى أن معظم المناطق التي تستقر فيها القبائل السورية في عهد حزب البعث, قد همشت, وكانت أعلى معدلات الفقر في المناطق الشرقيه, سواء كانت حضريه, أم ريفيه, نسبةإلى الأقليم الساحلي التي كانت معدلاته اقل, ونسبة الملمين بالقراءة والكتابة كانت أقلها في دير الزور,والرقة .
وكان حزب البعث ومنذ وصوله إلى السلطة قد حرم التعاطي بالثقافة والقوانين القبليه باعتبارها ظاهره متخلفه وهدامه واعتمد سياستين: الأولى هي السيطرة على المناطق القبليه, لاضعاف بنيتها بخلق صراع داخل كل قبيله عند تهميش طبقة الشيوخ التقليديه واصعاد فئه من قاع المجتمع القبلي ودعمها لتنافس زعماء القبائل الكبرى ومنع ابناء القبائل الكبرى من لعب دور سياسي كبير ولمتابع الشان القبلي في سوريه يكتشف انه في عهد حافظ الاسد لم تشهد بروز اي شخصيه من القبائل الكبرى في الدوله, أوالحزب ,وكل اللذين اشتهروا وكانوا محسوبين على العشائركانوا من القاع, ك “ناجي جميل” أو وافدين ك “سعيد حمادي” الذي ينتمي إلى أصول عراقيه, وليس له اي امتداد قبلي ثم “محمد الحسين” الذي كان ينتمي لقبيله صغيره و “رياض حجاب” الذي عين رئيسا” للوزراء, وهو من أسره وافده إلى دير الزور من ناحية السخنة قرب تدمر. وليس له أي عمق عشائري, أو قبلي
لكن الأمر اختلف في درعا التي كان لها النصيب الاكبر لشغل مناصب من الصف الأول لكون عشائر درعا صغيره ولا تشكل خطرا” في حال خرج احد ابنائها عن السيطرة على حد تفكير النظام أما السياسةالثانية فكانت التفقير والتجهيل فكانت المدارس الابتدائيه والثانويه مهمشه ولا يوجد عليها اي رقابه من وزارة التربية وايضا” لم يفتح اي جامعه في المحافظات الشرقيه الا عام 2006 هذا عدا عن توليالرأسمالية اسلوب الفساد الممنهج من نهب للأراضي الزراعيه من المناطق القبليه وهو الذي كان يمثل 60% من انتاج البلاد أما النفط فقد حرم السكان المحليون من العمل فيه ومنحت الوظائف العاليه فيه لأبناء المناطق الساحليه ولنعد الأن إلى بدايات الثورة وكيف اندلعت وكيف كان لمفهوم الفزعة والشرف تأثير كبير على اندلاع وصمود الحركة الاحتجاجيه ونهوضها في محافظه درعا, وهنا لابد لنا من التفريق بين العشائر من حيث الولاء والانتماء فعشائر درعا ولائهم للأرض, والعرض, بحكم مهنتهم التي كانت تعتمد في غالبيتها على الزراعه, أما اهل الجزيرة فولائهم للعرض والشرف أكثر من الأرض بحكم تنقلهم من ارض لأرض بحثا” عن الماء والكلأ, ولقبيلتهم الأم, التي كان أغلبها موجود في العراق والسعوديه,( كقبيلة شمر, وبني عتيب, والعنزي, والمطيري
لقد استطاع النظام تحقيق بعض النتائج بسياساته مع شيوخ العشائر في الشمال والشرق إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في جنوب البلاد، والتي ارتكب فيها أخطاءً كلفته الكثير، ولا زال حتى اليوم يدفع ثمن أخطائه تلك، فدرعا والتي تمثل أبرز المناطق العشائرية في سورية كانت المحطة الأولى في الثورة، وذلك بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها مسؤول الأمن السياسي بدرعا عاطف نجيب، كاستهتاره بالوفود العشائرية التي جاءت إليه تطالبه بالإفراج عن الأطفال المتهمين بكتابة عبارات مناهضة للنظام على جدران مدارسهم حيث وبخهم وتعرض بكلامه لنسائهم، ليشكل ذلك مسّاً مباشراً لكرامة العشائر فأخرجتهم عن طورهم، لتكون درعا مهد الثورة السورية وحين بدا الكفاح المسلح, بدأت العشائر بالتواري, على الرغم من التشكيلات, والحركات, التي أخذت أسماء القبائل في البدايه, ثم بعد ذلك تحولت إلى أسماء جغرافيه,أو دينيه, أو تاريخيه, وهذا ناتج ربما عن الصراع الذي دار بين النخب الجديده وبين مؤساسات السلطةالعشائريه, وكلنا يعرف ما تعنيه المشيخة بالنسبة للقبيله, والذي كان ومازال يحتكر تمثيل القبيله, في أي مناسبه, أما النخب الجديده, فلم يكن يعنيها ذلك, ولم يكن لهم مصلحه أن يعتلوا على منصه, تكون السيادةفيها لسواهم, مما دفع زعماء القبائل إلى الانكفاء كما فعل “نواف البشير” الذي كان له دور بارز في بدايه الثوره, ومن ثم خفت حضوره حتى انعدم , واما الالتحاق بالسلطة التي بدأت تقدم لهم ميزات كبيره ودعم مادي واعلامي , ليظهروا باسم القبائل التي لم تكن اصلا” تعترف بوجودهم . وقد حاولت الثورة في بداياتها توظيف كل العشائر لصالح الثورة وسميت جمعه العشائر باسمهم ومن ثم تم تأليف المجلس الوطني والائتلاف, ولكن بقى تأثير العشائر قليل على ساحة الثورة لضعف امكانياته وهناك من يقول أن أول موطىء لجبهة النصرة كان في منطقة القبائل والتي تم تأسيسها في بلدة الشحيل في دير الزور على يد مجموعه من أبناء العقيدات اللذين كانوا متواجدين أغلبهم في العراق ابان الغزو الأمريكي للعراق , وانخرطوا في التنظيمات الجهاديه هناك, وقد اتبعت جبهة النصرة سياسة عدم التصادم مع أبناء القبائل حتى أتى تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام , أوما يسمى “بداعش” اليوم وبدأ هذا التنظيم بقمع القبائل في المناطق التي سيطروا عليها خاصه في ريف حلب والرقة وفي الحسكة, لعبوا على الانقسام العربي الكردي ليضع القبائل تحت جناحه وهنا بدأ الصراع بين جبهة النصرة و تنظيم داعش حين بدأت بعض القبائل “كالعكيدات” المواليه للنصره “والبكير”التي انضمت لداعش فيما بعد محاولة السيطرة على ثروات المنطقه, من حقول النفط والغاز,و بدات القبائل تنضم للاقوى
واستغل تنظيم داعش هذا الصراع, وحين استتب لها الأمر, بدلت الرموز العشائريه, وهيمنت على القبائل محاوله الغاء هويتها العشائريه, ولكنها حافظت على شبكة العلاقات التي توفرها العشائر لهم, وأكثرالعشائر اللذين انضموا لتنظيم داعش؟؟ هم من العشائر الصغيره ,والمضطهدين في محيطهم ,اومن المنتفعين من الميزات التي قدمها لهم التنظيم, من رواتب, وفرص عمل في قطاع النفط أما باقي العشائر.. فقد نأت بنفسها عن ذلك, لأنها رأت أن الصراع بينها وبين التنظيم (داعش) هو صراع عشائري, ديني, وهو ما يخشاه التنظيم في تلك المناطق ,لأن الولاء للعشيره أكبر من الولاء لأي تنظيم , والتنافس الدائر بين العشائر بين بعضها بعضا””, جعل دورها في الثورة غير واضح, فكل عشيره تريد البروز, على حساب عشيره أخرى, فانعدم التكاتف بين معظم العشائر وأيضا معظم أبناء العشائر يعتقدون أنهم بحل عن أي ارتباط مع أي جهه, حين يتعارض ذلك مع مصالح العشيره, فالمكاسب التي يحصلون عليها من سلطه ما, لا تلزمهم بشيء, ويستطيعون التنكر لها, لو انقلبت إلى استغلال, أو لاح لهم ما هو أفضل منها, ومعظم الاصطفافات التي نراها اليوم مع الجهاديين قد تتغير بين ليلة وضحاها حين تنتهي مصالحها مع هذه التنظيمات . وبناء على الصورة السابقة، بات الجميع يفكر في شكل الدولة الجديدة لسورية ما بعد سقوط النظام، دون أن يقللوا من أهمية العمل في هذه المرحلة على إسقاط النظام، وهنا تبرز أسئلة أساسية في القضية العشائرية، ما هي شكل الدولة التي يفكرون بها؟ هل سيكون الاحتكام للقوانين المدنية في الدولة الجديدة أم للقوانين العشائرية ولشيوخ العشائر؟ وما إلى ذلك من أسئلة أساسية لا بد من معرفتها لرسم صورة سورية المستقبل.
والحقيقة أن اجتماع العشائر الذي عقد في القاهرة عام 2012 أجاب عن جزء من هذه الأسئلة حيث أعلن مجلس القبائل العربية السورية في اجتماعهم عن العمل على قيام دولة مدنية بدستور يكرس سيادة الشعب، هذا بالإضافة إلى رؤية المجلس والتي تم تلخيصها بثلاثة عشرة نقطة، والتي فصلت فيها شكل الدولة المدنية الحديثة من حيث فصل السلطات ووضع دستور حضاري جديد وإطلاق الحريات وضمان تساوي حقوق كل أبناء المجتمع السوري. من هنا نرى أن أي دعم غير مدروس للعشائر سيؤدي حتما”إلى استقوائها وتضخمها ويدفعها للابتزاز السياسي, كما أن أنظمه دول الجوار, قد تسعى لاستقطاب عشائر محدده, وجعلها وكلاء سياسيين لها, داخل الإطار الوطني وقد بدأ هذا بالفعل ونراه الأن على الساحة السياسيه والثوريه لذلك.. لا بد الأن من العمل على دعم المجتمع القبلي ليحرز استقلاله وينفصل عن الحركات المتشدده ودفع أفراد منه إلى الواجهة السياسيه وتلافي الإهمال الذي تعرضوا له في زمن البعث لفتره طويله. واعاده اعتبارهم في محيطهم الاجتماعي, والتركيز على الزعماء كبار السن, وعدم ترك مصير العشيره,بأيدي القيادات الشابه,المندفعه نحو طموح السياسة ,لطموحات كبيره ,ومحاوله فض النزاعات القائمة بينهموتكثيف النشاطات الثقافيه والسياسيه, ونشلهم من بيئة الفقر والجهل, ووضع ضوابط تمنع ظهور العشائر السياسيه التي تكرس عزلتهم وتبعدهم عن السياق الوطني العام مجددا”

المصادر:

التاريخ السوري المعاصر

ويكيبيديا

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.