عرس رغم الحصار.. نصارع لنستمر في الحياة

محطات من التغريبة الشامية(5)

كانت أفراحنا تجمع القاصي والداني، معلنة عن الفرح الكبير في منازل أهل العروس، لكنها أصبحت تقتصر على المقربين، ففي كل بيت شهيد، وفي كل بيت معتقل أو مفقود عزم أهله على ترك الأفراح حتى خروجه.

الأيام السورية؛ نور الشامي

استيقظت ذات صباح في الساعة الخامسة، وجدت والداي حول الموقد يجهزان بعض الخبز، يدهنونه ببعض “دبس الفليفلة” كفطور لنا أنا وإخوتي.

عناق الحب عنوان للفرح

خرجت باتجاه غرفتي، وفجأة طرقات خفيفة جدا على باب بيتنا بالكاد استطعنا سماعها، قفز قلبي فرحا شعرت أنه خطيبي، ركضت مسرعة متسائلة من الطارق؟ فأجاب: “مين غيري رح يجي بكير” فتحت له الباب وعانقته بشدة، وكأنني أريد أن أتأكد من أنه وجوده حقيقي، وأنه أمامي، ولست أحلم.

كان الفرح يغمرني لعودته سالماً، وفك الحصار عنه وعن أصدقائه، لحق بي والدي، سمعت صوت أمي تقول “نادوا لنور رجع خطيبها” فأجابها والدي ضاحكاً “تعالي شوفي بنتك سبقتك وشافتو” فما كان من خطيبي إلا أن أبعدني عنه خجلاً من والدي، كانت قلوبنا في الغوطة يافعة ظمأى للحب رغم الحرب والدمار والحصار الذي حولنا، كنا قادرين أن نملأ الدنيا عطاء ومحبة.

كانت قلوبنا في الغوطة يافعة ظمأى للحب رغم الحرب والدمار والحصار الذي حولنا، كنا قادرين أن نملأ الدنيا عطاء ومحبة.

قصص ومآسي الحصار

جلس منهكاً من المشي المضني في النفق بضيق مساحته وقلة تهويته، النفق نفسه، لكن هذه المرة عملوا على تغيير مساره مسافة صغيرة، مع استمرار الحفر بشكل سري حتى لا يتم كشفه كالمرة الماضية.

حدثنا عن تلك التفاصيل، وأنا أستمع إليه، وأنظر كيف بات جسده نحيلاً بلحية طويلة جداً، وكأن سنين عديدة مرت على تلك الملامح الشابة ليسكنها كل هذا الإرهاق والتعب، جلس يحدثنا عن شهرين من الحصار المرعب، عن كل ساعة تمر يخشون فيها تسلل عناصر النظام وقتلهم، عن جوعهم واشتياقهم للخبز وسجائر التبغ والطبخ، عن عذاب الجرحى خلال إخراجهم من النفق وعن عذابه بسبب نوبات الربو التي أصابته من المشي.

بدورنا حدثناه عن تطورات الغوطة في غيابهم، عن الشهداء الذين فارقونا جراء القصف أو الرباط على الجبهات، عن الجوع الذي بدأ يفتك بسكان الغوطة شبابا ونساء وأطفالا وكهول، عن قلة الأدوية وقلة حيلة الطبابة.

نصارع لنستمر في الحياة

بدأنا بعد رجوعه سالماً تجهيزات عرسنا، في ظل بداية فصل جديد من فصول الحصار الاقتصادي الذي فرضه النظام بعد إغلاق جميع المنافذ في سجننا الكبير.

بدأت نسمات الهواء الباردة تلفح وجوهنا؛ مبشرة باقتراب فصل الشتاء ـ فصل الخير والعطاء ـ حيث كان للشتاء خاصية مميزة بالسهرات العائلية الدافئة حول الموقد، وحبات الكستناء، وكؤوس الشاي والسحلب، لكننا مع بداية هذا الموسم في ظل الحصار الشديد الذي تفرضه قوات الأسد، وإغلاق جميع المنافذ من وإلى الغوطة، بتنا نفكر بهموم كثيرة من حيث كيفية تأمين مواد للتدفئة، أو تأمين مستلزمات الطعام والشراب التي كانت تختفي شيئا فشيئا من الأسواق، وبالرغم من كل الظروف البائسة التي كانت تواجهنا إلا أننا كنّا نصارع لنستمر في الحياة.

نفكر بهموم كثيرة من حيث كيفية تأمين مواد للتدفئة، أو تأمين مستلزمات الطعام والشراب التي كانت تختفي شيئا فشيئا من الأسواق، وبالرغم من كل الظروف البائسة التي كانت تواجهنا إلا أننا كنّا نصارع لنستمر في الحياة.

تجهيزات العرس

كنت قد أنهيت تقريبا مستلزمات العرس الذي ينتظرني أنا وخطيبي (موفق) المفترض حدوثه بعد أسابيع قليلة، والتي كانت تجهيزات بسيطة على غير ما كانت عليه سابقاً قبل الحرب، حتى أفراحنا تبدلت أحوالها، فقد كانت الاجتماعات والسهرات تبدأ قبل الزفاف بأسبوع ليكون ذكرى جميلة لكلا العروسين، أصبحت أعراسنا شبه صامتة خجلاً من الشهداء والجرحى الذين باتو يسقطون يوميا، فضلا عن المعتقلين، كانت أفراحنا تجمع القاصي والداني، معلنة عن الفرح الكبير في منازل أهل العروس، لكنها أصبحت تقتصر على المقربين، ففي كل بيت شهيد، وفي كل بيت معتقل أو مفقود عزم أهله على ترك الأفراح حتى خروجه.

لم أكن بعيدة عن معاناتهم فأنا أيضا لا أعرف عن أخي المعتقل ـ عند قوات النظام ـ شيئاً، لكن والداي أصرا على تجهيز حفل صغير يلائم الوضع، أمي كانت تقول والعبرة تخنقها: “بدي افرح فيكي بيكفي قلبي محروق على أخوكي”.

لا أشعر بفرحة العروس

تمضي الأيام مسرعة رغم شدة القصف التي تختلف وتيرتها حسب تقدم الثوار أو تراجعهم على خطوط الجبهات، يقترب يوم الزفاف لكنني لا أشعر بفرحة العروس مع هذا الوضع الذي نعيشه يوميا، كما وددت أن يكن صديقاتي بجانبي بهذه المناسبة، هن يعشن في عالم آخر، يفصلني عنهن بعض مئات الأمتار داخل الشام، فهن ما زلن يكملن دراستهن التي حرمني منها النظام في دمشق، ولا يستطعن مشاركتي فرحتي، ولم يعشن هذه الظروف التي أعيشها هنا في القسم الآخر من دمشق، القصف المستمر علينا وأهون ما يخلفه دمار بالمباني وبعض الجرحى، غلاء فاحش، فقر مدقع، و أخي المعتقل، مع أحوال مبكية بشكل عام.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.