عرس جامعة حلب – عن الياس الحلبي

عن عرس جامعة حلب

صرلها 4 أيام ولعانة بجامعة حلب من بعد العطلة الطويلة بسبب أحداث المدينة الجامعية. كتير كنت مقهور إني ما عم أقدر شارك بالمظاهرات الجامعية بسبب التزاماتي بالشغل. اليوم ما بعرف بشو حسيت، وليش هيك قررت أنو أطلع عالجامعة شوي، وبعدها بنزل عالشغل. يمكن لأنو مبارح كان نهار كتير مميز بالجامعة، فحبيت أنو أطلع عليها وأعمل شي بيشبه رحلة حج إلى مكان مقدس.

المهم طلعت عالجامعة، على وحدة من أكتر الكليات الثورية بالجامعة، فكان واضح من الجو العام أنو مستبعد جداً يصير فيها أي شي بسبب التشديد الأمني، واستنفار كامل إدارة الكلية لضبط وضع الطلاب، لدرجة أنو عميد الكلية بجلالة قدرو كان واقف عالدرج عم يدقق على كل طالب طالع أو نازل!

المهم رحت على كلية تانية، وانتظرنا أنا ورفقاتي، وانتظرنا كتير، وشربنا قهوة، وعرّفت نص رفقاتي الأولاني على نص رفقاتي التاني، وهيك اتطمنت تماماً على حضور جميع مكونات العائلة السورية!

طلعت مظاهرة، على المقاييس العادية لا بأس فيها من حيث العدد، شاركت فيها، فرغت طاقتي، وخلصت، وهي أمها وهي أبوها.
حملنا حالنا ورجعنا عالبيت، وبعد ما وصلت عالبيت بيتصل فيني رفيقي وبيقلي: “لك قوم رجاع عالسريع المراقبين عنا وشي راااااااااائع” طبعاً ما رح أقدر أنقلكن نبرة صوتو، بس كانت غريبة كتير، ولأول مرة حسيت أنو في جرأة بالحكي عالتلفون. سألتو لرفيقي اللي كان معي: “شو رأيك، نرجع نطلع؟” تأفف وقلي: “أف، بلاها، هلأ كنا هونيك”. المهم أقنعتو أنو نروح، وركبنا بهالتكسي، وما بقا أصدق كيف نوصل عالجامعة! المهم وصلنا عالساحة، كانوا الطلاب جوات الحرم الجامعي قريبين من مبنى الحزب. طبعاً كانوا مسكرين البواب بحيث ما نقدر ندخل، وأي حدا عم يباغتهن ويدخل كانوا الأمن عم يلحقوه ويسبوه ومرة كان في ضرب. المهم ضلينا شي ربع ساعة ولسا سيارة المراقبين جوا والمظاهرة جوا، وما بقا يعرفوا يطلعوا. المهم، هنن وصلوا عند كلية الطب تقريباً، الطلاب ركضوا فرد مرة لجوات الكلية، وما بقا يقدر لا أمن ولا غيرو يوقفهن. ال مهم، الأعداد كانت مررررررررعبة! أنا ما صدقت شو كنت عم شوف! عم نردد كل الشعارات اللي كنا نرددها بالعادة، بس هالمرة كان إلها زخم أقوى. مرقت سيارة المراقبين من قدامي تماماً، وكانوا الشباب متكفلين فيها من ناحية الكتابات، وما تاركين فيها ولا شبر بلا كتابة! وفوق السيارة كان في شي 5 أو 6 شباب! طبعاً وقت مرقت السيارة من قدامي كانوا الشباب من ورانا عم يكسروا اللوحة الفسيفسائية تبعيت المقبور، هي اللوحة اللي أنا كنت كلما أدخل عالجامعة طلع فيها وقول إيمت رح يجي اليوم ونطبها لهاللوحة! أكيد رح يجي هاليوم، بس كيف وإيمت، ما بعرف! شفتن ماسكين حجرة وكسروها، وبخوا عليها كمان!

مشينا شوي لقدام، هون بقا كان في شباب أبضايات حملوا علم الاستقلال، وطلعوا عالصواري يعلقوه. أول شب علق العلم، وبعد ما نزل رجع فلت العلم من الصاري، فصاروا الطلاب كلهن يصيحولو: “عيدا! عيدا! عيدا!” طبعاً الشب ما كذب خبر، شلح من إجريه، وطلع، وصل لفوق، وما بقا يقدر يتماسك أكتر، وصارت إجريه ترجف، وبيّن أنو رح يوقع، هون بقا الطلاب صرخولو: “يالله يا بطل، ويالله يا بطل!” هالشي طبعاً عطاه دفع معنوي فظيع، وضل متماسك وعلق العلم ونزل!

وبعدا طلعنا لبرات الجامعة! هون بقا حطنا الجمّال! سيارة المراقبين وقفت تقريباً بين درج مشفى الجامعة ومدخل كلية الطب، والطلاب من وراها ومن قداما، وعالطرفين، وانقطع طريق الدائري الشمالي الجاية عالجامعة، انتظر الباص شوي، وبعدين شاف أنو ما في أمل، فلف بأرضو ورجع لورا!

صرخنا بكل الشعارات، وهتفنا لكل المدن! وللشهيد، والجيش الحر، وأبطال الجامعة. كنت عم طلع لورا ولقدام، وماني مصدق! أنا ما كنت أحلم بربع اللي صار، وصار! وهون أتأكدت أنو النزلة عساحة سعد الله الجابري مو مطولة. يمكن بدها شوية وقت، بس مانا مستحيلة، لأنو ساحة الجامعة ما كان حدا يتخيل أنو يصير فيها متل اللي صار اليوم.

الشباب كتبوا على الأرض بالشارع، عالزفت، على اللوحات الإعلانية، بكل محل. وطلعوا عالشجر وعلى إشارات المرور وعلقوا علم الاستقلال. طبعاً تخلل هالموضوع شغلة كتير ظريفة، وهي أنو شقوا ما تبقى من صور المرشحين، وكتبوا عليهن واستخدموهن كلافتات!
طبعاً على قد ما طولت المظاهرة، واللي اتحولت لكرنفال فيما بعد، صاروا كتير عالم ينضموا إلها، بيناتن ناس كبار، وحجيات قد ستي، وفي موقف كوميدي صار قدامي، شفت ولد صغير عم يهتف، يمكن هو بصف التاسع تقريباً، شفت أبوه أجا من وراه وقلو: “يالله خلص ابني!” يعني الأب خلى ابنو يفش قهرو.

كمان في مشهد لفتلي نظري، إني شفت رجال عمرو بالتلاتينات يمكن، حامل ربطة الخبز على إيدو ونازل هتاف، هالشخص هادا اللي واضح أنو عم يركض طول النهار ليأمن لقمة الخبز لعيلتو، إذا صحتلو الفرصة المناسبة لحتى يشارك بالمظاهرات ما رح يقصر، هادا الشخص كان مستني هيك فرصة متل اليوم لحتى ينفس عن اللي جواتو.

المشاركين بالكرنفال – المظاهرة كانوا من كل ألوان الشعب السوري. عرب وكراد، إسلام ومسيحية، بنات محجبات وسبور ومانطو ومن كل شي، ومن كل المدن. من أحلى الشعارات اللي رددتها كانت “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، “ما عنا طائفية، إسلام ومسيحية”.
بعد شوي الشباب قالوا بدهن يعملوا ركعة شكر، طلعت برفيقي وسألتو: “إي ونحنا (المسيحية) شو منعمل هلأ؟ منصلب إيدنا على وجنا مثلاً؟” هون كانت واقفة جنبي بنت محجبة، طلعت فيها، ضحكت، وسألتا نفس السؤال: “إي ونحنا شو منعمل هلأ مثلاً؟”، قالتلي: “انتوا هلأ ركعوا، ونحنا منصلب إيدنا على وجهنا” وعملت حركة رسم الصليب عالوجه، طبعاً هية ما بتعرف كيف، وطلعت بعيونها، وما ممكن أنسى هديك اللمعة اللي شفتها فيهن. وكملنا الهتافات.

اليوم كان عرس بكل معنى الكلمة، واشتهيت لو في شي طيارة هليكوبتر تصور من فوق هالأعداد الهائلة. وكلمة حق تقال، إني ما سمعت ولا كلمة وسخة من الشباب، ولا حدا تصرف أي تصرف غلط، حتى أنو بوقت المظاهرة طلعت مسيرة مليارية مؤيدة مؤلفة من شي 20 شخص، ما حدا التكش فيهن ولا عبرهن، مع أنو لو بدنا كنا مننفخ عليهن بيطيروا، علماً أنو وقت كنا برا صاروا يشلفوا حجار علينا. هي بس مشان المؤيدين يعرفوا شو أخلاقن.

والكل كان قلبن على بعض، كان في ناس راحت اشترت مي ورجعت وشربت كل الموجودين، لأنو بالفعل طقت حناجرنا من كتير الهتاف.
كنا وقت عم نشوف رفقاتنا بالصدفة ناخد بعض مباوسة، وكل واحد يضم التاني ويغمرو، أنا شفت شخص من درعا اتعرفت عليه اليوم بالصدفة، هو رفيق رفيقي، شفتو قبل المظاهرة، ووقت شفتو بالمظاهرة ضمينا بعض وفرحنا، وكأنو سقط النظام فعلاً! وطبعاً كانوا كل الناس عم ياخدوا صور تذكارية مع بعضن، لأنو الكل كان حاسس أنو اليوم فعلاً تاريخي!

بقدر قول إني كنت كتير فرحان، المظاهرة كانت سلمية وراقية لأبعد الحدود، جرعة النشاط اللي اخدتها من هالمظاهرة ما رح انساها طول عمري، وهادا يوم تاريخي بالنسبة إلي، وخاصة أنو بوكرا كمان اسمو “أبطال جامعة حلب
أنا من جامعة حلب، وأفتخر جداً بذلك.

ملاحظة: أنا بالعادة بكتب بالفصحى، بس من شدة انفعالي وتلاحق الأفكار والصور بذهني ما قدرت أنمق الحكي وأكتب بالفصحى، فسامحوني.

الياس الحلبي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.