عرس بالاستعارة

محطات من التغريبة الشامية (7)

انقطاع الكهرباء عن الغوطة الشرقية أعادنا إلى ما قبل اكتشاف الكهرباء أدوات التجميل الحديثة، فعدنا إلى كي الشعر، واستخدام الأدوات البدائية في أغلب مجالات الحياة.

الأيام السورية؛ نور الشامي

أشعر بشجن وحزن عميق، لا شيء هادئ، طائرات حربية تملأ كبد السماء، صواريخ وقاذفات هاون على الأرض، الصدور المثقلة تعبا وهما على وشك الامتلاء، أحبس أنفاسي عميقًا، إنّ قدرًا من الهشاشة والرهافة يدفعني خارج الحاضر، فأفكر بالأيام القادمة، وأسأل نفسي وماذا بعد؟ تتعكّر أمام ناظري الصور، ذلك أن الصور الآن فاقدة اللون، والرؤية الواضحة غائبة أيضا، وبعيدة عنّا تبدو رحمة الانتصار ونشوة الفرج بعد كل هذا الضيق والحصار، وأنى لنا بعد كل هذا أن ننسى؟!

بصعوبةٍ، بسهولةٍ، إلا أنها تستمر

رغم أفراحنا المزعومة إلا أننا كنا نذوب حنينا لأنفسنا القديمة التي تركناها على مفارق لجوء الغوطة، اشتقنا لحاراتنا ومنازلنا وأهالينا، كيف لي أن أقيم حفل زفاف ووطني حزين؟ وأبناء بلدي معتقلين؟ وأمهات ثكلى وأطفال يتامى، وضياع يعم الغوطة…لكن للزمن رأي مغاير، فرغم كل هذه المآسي إلا أن الحياة مستمرة، بصعوبةٍ، بسهولةٍ، بأي حال كانت… إلا أنها تستمر.

غدا يوم زفافي أدعو الله أن يكون يوماً هادئاً لا قصف فيه، فأنا كلي هلع أن يشتد القصف أثناء الحفل البسيط كما حدث مع عروستين أختين أتوا بهما عندما كنت أعمل في المشفى بسبب قصف طال منزلهما أثناء حفلة الخطوبة المشتركة، شابتين بكامل زينتهما وجمالهما تحول يوم خطوبتهما لتاريخ مأساوي بدَّل القدر فيه كراسي الخطوبة المزينة لأسِرَّة في غرفة الإسعاف، وعوضا من أن تزين يداهما بخواتم وأساور، طبعت الخرزات الطبية (القطب) على جسدهما ندوب سيبقى دليلا على قسوة الواقع في تلك الأيام، وكثيرا ما تكررت مثل هذه القصص المؤلمة…

استعارة فستان الزفاف

أحاول أن أُشغِل نفسي عن التفكير، أتفقد حاجياتي، التي جهزتها من أجل يومي الكبير بمساعدة جارتي التي بدورها أعارتني فستانها وجميع الملحقات من مجوهرات وحذاء وباقة زهور صناعية، حيث أننا أصبحنا غير مهتمين بشراء فستان زفاف مواكب لآخر صيحات الموضة، لأننا ببساطة لم نعد نهتم بذلك أولًا، ولأننا تحت حصار منع دخول مستلزمات الحياة من طعام وأدوية وكذلك الملابس، فبتنا نعتمد على الاستعارة من هؤلاء الذين تزوجوا فترة ما قبل الحصار، أنهي تفقدي على أنغام المطر الذي بدأ يهطل بغزارة.

غربة الفتيات الأولى

أتقلب كثيرا بمحاولة فاشلة للنوم، أقلقت مضجعي، إنها الليلة الأخيرة لي في هذا المنزل الدافئ، كيف لي أن أغادر البيت الذي نشأتُ فيه، وحمل همومي وشاركني أفراحي وجميع حالاتي، كيف لي أن أفارق تلك التي سهرت على راحتي، وذلك الذي كنت أرى الفخر بي في عينيه في كل محفل ومناسبة.

على يميني شقيقتي الوحيدة، كيف ستبيت غدا بدوني، هل سيفتقد أخوتي وجودي بينهم؟ كيف ستكون أيامي الأولى في بعدهم؟ نعم، هذه غربة الفتيات الأولى، رغم بساطتها وما تحمله من فرح واستقرار بين طياتها إلا أنها غربة.

زيارة في منتصف الليل

قاربت الساعة الحادية عشرة، رائحة المطر تحرك بي الشجن أكثر وأكثر، يزداد المطر غزارة ويزداد معه برد الشتاء القارص، وهدوء تام يعم بتلك الموسيقا الربانية العذبة، يقطعها صوت خطوات خفيفة على درج البناء ومن المؤكد أنه صاعد إلينا لأننا الوحيدين المقيمين فيه، تراه أي واحد من أخوتي؟ انتظرت أمام غرفتي لأفتح الباب بهدوء كي لا يستيقظ والداي، طرقات خفيفة خجولة، سألت بصوت منخفض مين؟

جاوبني: “أنا موفق افتحي دقيقة”.

أنه خطيبي… اعتراني الخوف والقلق ما الذي أتى به في هذا الوقت تساءلت في نفسي، ثم فتحت الباب بهدوء

وسألته: “أهلين شوفي خوفتني؟”

أجابني: “ما في شي، خلي مفتاح البيت معك ـ يقصد منزلنا الجديد ـ خايف بكرة أنسى حطو بجاكيتي ونضل بالشارع” وتبسم بخفة

أنا: “يلا روح قبل ما يفيق حدا”

موفق: “ما بدك تعزميني على قهوة برد كتير تشتشت تحت المطر” مكررا تلك الابتسامة المستفزة.

أنا: ” أكيد لأ بس إذا بتحب بفيق بابا ونشرب قهوة كلنا سوى”

موفق: “لا لا… خليه مرتاح، بلا ما يطير النوم من عيونو، سلمي عليهم”

آخر فنجان قهوة صباحية مع عائلتي

استودعته الله وغادر ضاحكا، إنها ساعات طويلة لا ينقطع صوت المطر في ظل غياب تام لأي أصوات للقصف، هذه ليلة من أندر الليالي التي تمر بها الغوطة الشرقية، حيث كنا نتمنى استمرار الشتاء بغيومه و صقيعه وصعوبة تأمين كل شيء إلا أننا كنا نرتاح قليلا من الطائرات الحربية التي يتعذر عليها القيام بطلعاتها الجوية في مثل هذا الطقس العاصف، تفكير مستمر وفجأة أغفو …لأستيقظ على صوت أختي لشرب آخر فنجان قهوة صباحية مع عائلتي.

جهزنا أنفسنا وذهبنا إلى صالون الحلاقة باكرا ـ بطلب من صاحبة الصالون ـ فإن انقطاع الكهرباء عن الغوطة الشرقية أعادنا إلى ما قبل اكتشاف الكهرباء أدوات التجميل الحديثة، فعدنا إلى كي الشعر، واستخدام الأدوات البدائية في أغلب مجالات الحياة.

لحظة الوداع

مضت الساعات مسرعة وعدت للبيت لأرى جمهوراً من النساء في استقبالي، جدتي لم تفارقنا منذ أن هرب أخي، زميلاتي اللاتي كنَّ يعملن معي في المشفى، وكل الجيران الذين لن تسمح ظروفهن بحضور الحفل الصغير المقام في بلدتي التي كبرت فيها، أتوا ليروني في منزل النزوح.

وحانت لحظة الوداع، إنها من أشد المواقف صعوبة حين تودع الفتاة أخوتها، سلمت عليهم وعيناي تفيضان بالدموع غير مهتمة بزينتي، أخذت معهم صوراً تذكارية بالهاتف الجوال؛ فحتى المصورين أقفلوا محلاتهم، فإما غادروا الغوطة أو تحولوا لمصورين مراسلين ينقلوا بشاعة ما تخلفه آلة القتل الأسدية.

أنهيت تجهيز نفسي وارتديت العباءة البيضاء التي كانت تقليدا سائدا في مجتمعنا عند خروج العروس من منزلها. ثم خرجت منتقلة إلى بلدة عائلتي التي تبعد عن مكان إقامتنا زُهاء ربع ساعة بالسيارة حيث ستقام الحفلة هناك، نزلت فصعقت بما رأيته، لم تنتظرني سيارة عروس مزينة ككل العرائس، إنما سيارة الإسعاف التي كان خطيبي مسعفا فيها، ووالدي واقفا يبكي واشتد بكائه برؤيتي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.