عذراً أطفالي فما عادت وعودي تُقنعكم

الأيام السورية: خالد العوض

تمرّ فوقي تتمايل بأجنحتها يمنة ويسرة تتباهى بحجمها ولونها الأسود الذي يدلّ بشكل من الأشكال على حقد من ذات اللون يعتري قلب قائدها ضد أبناء شعب أخطأوا حينما طالبوا بحريتهم، ونادوا بإسقاط رأس نظام الاستبداد في سوريا بعد أن عاشوا سنوات القهر والظلم في ظلّ حزب البعث الحاكم.

بتّ على يقين أنّها لن تقصفني لكن هديرها لا زال يشعرني بالخوف؛ فالإنسان بطبعه يخاف أن يطاله وعائلته أي مكروه كان، لكني على يقين أيضاً بأنّ الآلاف من أبناء موطني سيكونون في عتاد الشهداء أو الجرحى على أقل تقدير عندما ترمي حمولتها على منازلهم أو بعض الخيام المتناثرة هنا أو هناك، ربما الموعد يكون مع أطفال قرر أهلهم الخروج إلى المناطق الآمنة أو ربما يكون ذلك القبو الصغير الذي حفره ربّ الأسرة ينقلب من ملجأ إلى قبر تنتشله فيه أجسادهم في وقت لاحق بعد أن تتلعثم كلمات الطمأنينة من أب يحاول تهدئة روع أطفاله وزوجته.

أذكر أنني كنت أعيا للحصول على لقطة قريبة لغارات الطائرات الحربية الروسية أو السورية على حد سواء فالإجرام لا يتجزأ، لكنها كانت تخاف أن تطالها مدافع الثوار أو مضاداتهم الأرضية فكانت تغزونا من فوق السماء ومن بين الغيوم حتى لا يتثنى لنا رؤية الموت القادم إلينا.

أكاد أجزم أنني لست الوحيد الذي يدعو بهلاكها وهلاك طاقمها وقائدهم على الرغم من انتشار صور ذلك “الأحمق” على بعض جدران الدوائر الحكومية في مناطق سيطرته، وبت على إدراك تام بتلك النظرات التي نتبادلها دون أن ينطق أحد بحرف واحد حين رؤية الطائرات وهي تجوب السماء على علوّ منخفض، وتنتهي تلك اللحظة بابتسامة فيما بيننا دون كلام تدلّ على مدى عجزنا وقلة حيلتنا لما يجري.

حاولت مراراً وتكراراً أن أحتوي خوف طفلي وطفلتي اللذان يبلغان من العمر ستّة أعوام وأربعة أعوام لكني بكل المعايير فشلت، هدير الطائرات أصبح كابوساً لديهم على الرغم من صغر سنّهم، أحرجوني لمرات عدّة أمام أناس لا أكاد أعرفهم، فعند سماعهم لهديرها يبدأان بالبكاء ومطالبتي أن أنزلهم إلى “الملجأ” لم يقتنعوا ولا للحظة أنّ تلك الطائرة لن تقصفنا مجدداً، لم يلقيا بالاً لوعدي الكاذب لهم بأنّ تلك المقاتلات الحربية باتت صديقتنا، وأصروا على أنّ النزول لأحد الملاجئ هو أمانهما الوحيد.

لن ألوم أحد لا المعارضة ولا الإسلاميين أو “المتأسلمين” ولن ألوم القدر أيضاً فقد وصلت إلى قناعة بأنّ من أنجانا من حرب السنوات السبعة بقصفها ودمارها واقتتالها داخليا “بين الفصائل” وخارجياً “تكالب الدنيا على ثورتنا” لن يُضيّعنا ولن ينسانا وفي الوقت ذاته بتّ على يقين بأننا في ثورة صادقة لن تنتهي إلا بانتهاء جميع القتلة من جميع الأطراف والطوائف، وستبقى كلماتي هي سلاحي الذي فضلّته على الحرب والدماء حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.