عتاب حريب.. ابنة الضوء والنور التي ترسم بروحها لا بريشتها

ترسم عتاب حريب لوحاتها بإحساسها المرهف بمجموعة ألوانها التي تضفي عليها جزء من روحها المحبة للحياة والفرح، فتندرج ألوانها بين الأحمر والأصفر إلى الأزرق، ترسم مدناً وبيوتاً متراصة تستوحيها مما يحيط بها، وكأنها ترسم بروحها لا بريشتها.

الأيام السورية؛ بتول حسن

عتاب حريب الفنانة التشكيلية، ابنة دير الزور، ابنة الضوء والنور، خريجة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق.

بطاقة تعريف

من مواليد مدينة دير الزور السورية عام 1954. تابعت دراساتها الجامعية في جامعة دمشق، وتخرجت في قسم الحفر والطباعة اليدوية في كلية الفنون الجميلة عام 1978.

حصلت على دبلوم التأهيل التربوي من كلية التربية عام 1979. وعملت مدرسة للفنون، في معهدي دار المعلمين وإعداد المدرسين وكلية التربية، ما بين أعوام 1980-2012.

حصلت على مجموعة من الجوائز وشهادات التقدير منها (الميدالية الذهبية بمهرجان المحروس في مدينة تونس عام 1993، وذهبية وزارة الثقافة الصينية عام 1993، كما تم تكريمها كفنانة عربية متميزة في الجزائر عام 2009).

ألوان تضج بالحياة والجمال والفرح

قدمت الفنانة أعمالاً فنية تميزت بالضوء، وألوان تضج بالحياة والجمال والفرح، فهي تجمع بأعمالها مجموعة المدارس الفنية، ترسم مرة بواقعية تعبيرية، ومرات بالانطباعية الرمزية، وتمضي إلى التجريد، لترسم لوحاتها بإحساسها المرهف بمجموعة ألوانها التي تضفي عليها جزء من روحها المحبة للحياة والفرح، فتندرج ألوانها بين الأحمر والأصفر إلى الأزرق، ترسم مدناً وبيوتاً متراصة تستوحيها مما يحيط بها وبطبيعة مدننا الجميلة من طرطوس ومعلولا، وكأنها ترسم بروحها لا بريشتها، وقد رسمت مدينة البندقية غارقة بالمياه، كما رسمت الساحل السوري بقعاً لونية.

يقول الناقد التشكيلي عبدالله أبو راشد في مقابلة أن “الفنانة عتاب حريب مغردة دائماً خارج السرب من حيث اختيار مضامين لوحاتها، والتقنيات التي تعمل بها، وأنها لا تنتمي إلى مدرسة فنية معينة، ولها أسلوبها الخاص بها، فهي أشبه بفراشة تشكيلية متنقلة ما بين الفن التشكيلي السوري والحداثة التشكيلية العالمية” ويقول عن لوحاتها أنها “مبنية على أساس التراكم الشكلي للملونات المرصوفة في حسبة تقنية قائمة على جمالية من الفوضى، وهو انعكاس طبيعي لما يجول بخاطرها من تداعيات، تنقلها على سطح لوحتها”.

تظهر الانطباعية في أعمالها، تقول عتاب حريب: “أرسم في دمشق، أعيش فيها، أتنفسها وهناك أيضاً في ذاكرتي البيئة الفراتية، حيث اتساع الأفق الصحراوي، ثياب الفلاحات في الجزيرة، ألوانها، وزركشاتها، أنا أرسم بالماء، فالماء لا لون له لكنه يحمل كل الألوان هذا التناقض الفلسفي منطق الحياة مرآة نرسيس”.

من أعمال الفنانة عتاب حريب(الصدى نت)

العلاقة مع المكان

تجاوزت عتاب في لوحاتها عباءة المكان الواحد، فهي وإن لم تعش في بلدتها الميادين، إلا أنها بقيت محتفظة في كل عمل بروح المكان الأول، إذ ترى هذا الارتباط ارتباطاً بالجينات فقط، تقول: “تعنيني سوريا كاملة، إلا أن المكان الذي تشرّبته هو معرة النعمان، المدن المنسية وحارم وعفرين وسهول حلب، كذلك طرطوس، الزوارق والسفن، كلها تطفو على سطح لوحاتي بعض ما تختزنه ذاكرة الطفولة القديمة.

تتابع حريب، “هناك مدنٌ سكن أهلي فيها ولم أرجع لها، هذه المدن برزت في لوحاتي، فقد قالت لي زائرة وهي تقف أمام إحدى لوحاتي: هذه ضيعتي “حارم”، والتي لم أزرها إلا حين كان عمري سنتين، لكن بالجينات يبدو أن هناك ألواناً أخذتُها من الفرات، الألوان الحارة الجريئة، حزنه العميق، شجنه الجميل”.

وهذا ما أكده الأستاذ هشام حداد في أول معرض للفنانة بالألوان المائية عن الطبيعة في غوطة دمشق وبلودان وعين الفيجة حين كتب أنني أرسم بردى بألوان فراتية.

من أعمال الفنانة عتاب حريب( العرب)

فنانة تشبه لوحاتها

تشبه الفنانة لوحاتها تمامًا، وتلامس يوميات حياتها الشخصية الحافلة بالترحال والأسفار والتنقل، ما بين المدن والبلدان.

لوحاتها منفلتة من عقال الرتابة والنمطية وتعزف بيانها السردي على طريقتها الخاصة، ونجد لمضامين لوحاتها ذلك التنوع الشكلي والكثرة في توزيع العناصر والمفردات وتآلف الملونات في درجاتها اللونية ليونة وحركية.

تموج في متنها النصي ونسيجها التقني تقاسيم الاتجاهات الحداثية، ولا تلتزم المعايير المدرسية الأكاديمية في بوح نشيد إنشادها الوصفي. مُغردة -على الدوام- خارج سربها الشكلي المتمايز شكلًا ومضمونًا ورصف مكونات وتقنيات.

من أعمال الفنانة عتاب حريب (الفن والحرية)

التيه السوري في أعمال الفنانة

يلمس المُتلقي، في أعمالها مُتسعًا لحالة التيه السوري والتشتت والفقدان، والحنين والنجوى والمعاناة والذكريات المتشحة بأنسام الأمل، الموصولة بلحظات المعايشة اليومية لذاتها ومن حولها من أصدقاء وأبناء ورفقة وخلان.

نجدها وفية لأسلوبها التقني (الملونات المائية واللصق الورقي/ كولاج)، لكونهما ترجمات حسيّة عفوية مُعبّرة عن مواضيع الطبيعة الخلوية، وتجد فيها فسحةً ما للتلوين الموشى بمزق من بقايا صور ومخطوط كلمات جاهزة، باعتبارها رؤية تقنية متناسبة وفكرة مواضيعها التركيبية ومتماهية مع تفردها التعبيري.

ما تستلهمه ذاكرتها البصرية ومعايشتها لواقعها من ذكريات مُفرحة حينًا، وأحزان سوريا كللت حياتها بوافر الحزن والدموع حينًا آخر، تلك المرافقة ليوميات ترحالها القسري عن بلدها سوريا، والتنقل ما بين الدول. وجدت في قليل من التشخيص مجالًا ممكنًا للتعبير عما يجول في ذاكرتها البصرية، ومسيرة أحزانها.

من أعمال الفنانة عتاب حريب(موقع دمشق)

معارضها

أعمال الفنانة، مقتناة في العديد من المتاحف وفي مجموعات خاصة. أقامت نحو خمس وعشرين معرضًا فرديًا، داخل سوريا وخارجها. حيث أقامت العديد من المعارض في معظم الدول العربية وإنكلترا وأمريكا والصين، وأكثر من أربعين مشاركة في معارض جماعية منذ العام 1986، كما شاركت في جميع معارض وزارة الثقافة الداخلية والخارجية.

ومن أهم معارضها الفردية في سوريا، (المركز الثقافي العربي بدمشق 1986، المعهد العالي للموسيقى بدمشق 1992، صالة السيد بدمشق2000 و2002، غاليري عشتار بدمشق الأعوام 1993/ 1994/1995/ 1996/ 1997/ 1998، صالة شورى بدمشق 2005وآخر في عام 2007).

أما أهم معارضها الفردية الخارجية، (صالة المعارض في وزارة الثقافة في بكين – الصين العام 1993، غاليري العين في عمان، الأردن العام 1994، المركز العربي في ليفربول العام 2008).

من أعمال الفنانة عتاب حريب (صحيفة العرب)

أنشطة فنية وإنسانية

قامت بتصميم البروشور والأفيش للعديد من المسرحيات وبتصميم الديكور والأزياء للعديد من المسرحيات والأعمال التلفزيونية والأفلام السينمائية.

لديها نشاط متميز في مجال العمل الإنساني من خلال الفن، حيث تشرف على دورات الرسم لأطفال مرض السكري في سوريا، وتشرف على ورشة الرسم المائي في جمعية مرضى الناعور. كما أشرفت على تدريس الخزف للمكفوفين.

قامت بتحكيم مشاريع تخرج معهد الاسمود وجائزة ادونيا للأعمال التلفزيونية وورشات الرسم مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة عن حقوق الطفل والمنتدى الأول للمرأة والتربية.

قتل ابنها مازن المرعي على يد داعش في دير الزور فكان جرحاً دائماً يدمي قلبها وينزف باستمرار. تعيش الفنانة في أمريكا، وتقوم بدورات رسم للأطفال، وترسم لوحاتها بذلك الحب والشغف بالحياة والجمال، مع مسحة حزن طاغية على لوحاتها.

الفنانة عتاب حريب في ورشة للرسم (العرب)
مصدر (وصال العش، السكن الحر في الفن التشكيلي السوري، الفنانة عتاب حريب) (غريب ملا زلال، عتاب حريب الالتقاء بين زمن الضور وزمن التلقي) (نقابة الفنانين التشكيليين)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.