عبد الله خليفة في روايته الأقلف يسرد حالات الإنسان المهمّش في بحثه عن الحب

لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من السلاسة والراحة.

137

الكاتب: عبد الله خليفة.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ط١، ورقية، ٢٠٠٢م.

الأقلف، رواية كُتبت في عام ١٩٨٨م، ونشرت في عام ٢٠٠٢م.

تبدأ الرواية من وصف حياة الطفل الصغير يحيى، الذي يعيش في عشّة صغيرة في مزابل المدينة، تحتضنه الجدة، تلك المرأة العجوز الخرساء، التي وعى يحيى نفسه على الدنيا وهو يعيش في المزابل بصحبتها وحمايتها، ينبش وإياها في المزابل باحثا عن بقايا طعام وملابس وأشياء ينتفع بها، ليعيشا عليها، يتصارع مع الكلاب الشاردة والأطفال الآخرين أمثاله من لقطاء المدينة وفقرائها وأيتامها.

كان للآخرين دور في قدرته على تعلم النطق والتحدث، كان أقرب للخرس كما الجدة، بقي كل عمره ضنين الكلام، يعيش مشاعره موّارة في نفسه. استجد على حياة يحيى حضور شاب يكبره إلى المزابل ومعه عربة يجمع عليها بقايا الأنقاض وبعض ما يباع لإعادة تدويره.

تبادل الشاب مع يحيى الرصد المتبادل، سرعان ما اندفع الشاب اتجاه يحيى وعرفّه بنفسه، اسمه اسحاق، من أسرة ثرية وله عدد كبير من الأخوة والأخوات، كبر بينهم، ومع كبره ونضجه أصبحوا يعاملونه بطريقة تمييزية، لم يسمحوا له بإكمال تعليمه، وبدؤوا يوكلون إليه الأعمال القاسية والخدمية للعائلة، أحس بدونية بينهم لم يفهم سببها، وعندما واجههم بتلك المعاملة، أخبروه أنه ليس ابنهم، وهو مجرد لقيط وجدوه على باب الجامع. فُجع إسحاق بمعرفة حقيقة حاله، غادرهم غير آسف وبدأ يعمل في جمع الأنقاض من المزابل وبيعها ويعيش حياة شقاء وفقر.

أما يحيى فقد أخبره أنه لا يعرف عن نفسه إلا أنه ابن هذه المزابل وجدته الخرساء، وأنه لقيط رمته أمه هنا لتحمي نفسها من عار أو انتقام، أدرك يحيى أنه بلون عيونه الزرقاء وبشرته البيضاء، قد يكون ابنا لأحد هؤلاء الجند الانكليز الذين يحتلون البحرين ويعيثون فيها فسادا.

تصاحب يحيى وإسحاق وبدءا العمل على عربة إسحاق، يجمعان ما يتوفر لهما، ويذهبان به للسوق ويبيعانه بدراهم قليلة تفيد بطعام نظيف وإحساس بالإنسانية أكثر من النبش بالمزابل والعيش على فضلاتها.

الرواية مكتوبة بلغة السرد عن واقع تغوص فيه بذاتيات شخوصه، بعمق وشفافية، لكنها تمر على الجانب العام المجتمعي للبحرين المحتل من الإنكليز، بمقدار ما يمس ذلك الواقع هؤلاء الأشخاص.

استمر الأمر على حاله ذلك إلى أن جُرح يحيى ذات مرة أثناء النبش في المزابل، وأخذه اسحاق إلى المشفى الأمريكي في المدينة، المشفى الذي يعالج بالمجّان وتديرة إرسالية تبشيرية مسيحية، استقبلتهم الممرضة إيمي وهي أيضا راهبة. وقعت إيمي منذ اللحظة الأولى في غرام يحيى، واهتمت به كثيرا. أطالت فترة علاجه، حاولت أن تستميله وإسحاق للالتحاق بالمشفى يقومون ببعض الخدمات، وتهتم بهم تخضعهم للتعليم والتأثير الديني ليكونوا مسيحيين، كانت إيمي جزء من إرسالية دينية تتغطى مع غيرها بالعمل الصحي لتنصير هؤلاء “الوثنيين” على حد تعبيرها.

رفض يحيى وإسحاق ذلك، وتركاها مع الفرصة التي قدمتها لهم، طعام لذيذ ومأوى مناسب وعمل محترم وتعليم وتلقي مبادئ الدين المسيحي. يحيى احسّ اتجاه ايمي مشاعر خاصة لعله الحب، يحيى لا مشكلة عنده في موضوع الدين، فهو ابن المزابل وجدته الخرساء، لم يلقنه أحد يوما دينا معينا، علاقته مع الله والدين ضبابية، مسكون بهاجس المظلومية التي أوجدته لقيطا في مزابل المدينة، لكن اسحاق كان مدركا لحقيقة ما تريد منهما إيمي وبقية فريقها الطبي.

لكن الحاجة للمشفى استمرت، عاد يحيى وإسحاق يحملان على عربتهم الجدة التي مرضت واحتاجت للعلاج. وكان تأثر يحيى بإيمي هذه المرة أكثر، رضي أن يلتحق بالعمل بالمشفى وتعلم القراءة والكتابة والدين المسيحي، وجد ذاته باللغة التي امتلك ناصية حروفها، وبالإله المسيح المصلوب لأجل خلاص البشرية من الذنوب.

ابتعد إسحاق عن يحيى وهو يعاديه، اعتبره خائنا لدينه الإسلام ولشعبه في البحرين. تعلق يحيى وإيمي ببعضهم في حب قوي، لكنهما بقيا على مسافة جسدية عن بعضهم.

كانت ايمي ابنة لعائلة ثرية امريكية، عاشت طفولتها وبداية نضجها بسعادة بين أهلها، لكن والدها بدأ التحرش الجنسي بها، فما كان منها الا أن قررت الالتحاق بالكنيسة، ترهبنت وجاءت إلى البحرين مع فريق طبي تبشيري، كان الاتفاق معها على أن تلغي عواطفها الذاتية وحاجاتها الجسدية وتعطي نفسها للتبشير المسيحي. لكن يحيى أيقظ فيها مشاعر الحب، والحاجة للجنس مع الآخر رغم عقدتها من والدها، راقب مديرها رئيس البعثة تحولات إيمي وطلب منها أن تبتعد عن يحيى وأن تستمر مخلصة لدورها وتعهدها، صحيح أنها دفعت يحيى للتعليم، وأن يعلن انتماؤه للدين المسيحي، ويعمّد في الكنيسة التابعة للإرسالية، لقد أخبرها مسؤولها أن هذا كاف، لكن يحيى وإيمي وصلا بعلاقتهما إلى مرحلة اللا عودة واقتنعا ببعضهما وعاشا علاقة جسدية كاملة كزوجين.

أما إسحاق فقد حمّل نفسه مسؤولية معاقبة يحيى عن تنصره وخيانة أهله وناسه، واجهه في إحدى المرات وطلب منه العودة عن تنصره وأن يتوب إلى الله، لم يستجب يحيى للطلب، طعنه اسحاق في صدره وهرب، تم إسعاف يحيى وإنقاذه من الموت المحقق، مما ضاعف العلاقة والحاجة بين إيمي ويحيى.

طُردت ايمي من العمل، ذهبت إلى بيت يحيى الذي كان قد استأجره بعد عمله في المشفى، وعاشا سويا وسط أجواء عداء عامة. لم تكن الحالة في البحرين مقبولة على مستوى شعبها، لقد كان المستعمر الانكليزي وجنده مسيطرين على البلد ومقدراته، والشعب يعيش الفقر والفاقة. بدأ بعض الشباب بالعمل للثورة على هذا الوجود المستعمر، كان إسحاق على رأسهم، بدؤوا بأعمال عنف بحق الانكليز ومن والاهم، كان لليهود أبناء البلاد نصيب من التنكيل، قتل ونهب وإحراق بيوت، كان انتقاما أعمى.

حاول يحيى أن يصل لصديقه القديم حتى يوضح له أنه وإيمي لم يعودا مع الإرسالية وطردوا من المشفى. لم يتمكن من ذلك. كان رد المستعمر الانكليزي قاسيا فقد بدء في ضرب الأحياء وحرقها ردا على ثورة الناس.

الحياة المعاشة في أي مجتمع في أي وقت طالما هي ملوثة بالمظلومية واللاعدالة ووجود المستعمر والحاكم الظالم المستبد ستبقى دائما حياة لا انسانية. وتبقى الثورة على المستعمر والفقر واللامساواة والاستبداد قانون يحرك البشر في كل زمان ومكان.

كان يحيى يحتمي في بيته مع إيمي التي حملت وأنجبت له طفلة اسمها عائشة. هجمات الانكليز وإحراقهم البيوت وصل لبيته، احترقت زوجته إيمي وأنقذت الطفلة، أحسّ يحيى بالكارثة التي أحاقت به، أحس أنه مسكون بالظلم منذ مجيئه إلى الدنيا لقيطا. وإن زوجته أيمي وابنته عائشة هما النور الوحيد في حياته، لكنه خسره. احتضن طفلته بعد احتراق زوجته، لكن قائد الجند الإنكليزي اختطف الطفلة وطلب منه أن يأخذهم إلى حيث يعيش صديقه القديم إسحاق، الذي أصبح زعيما للمتمردين الثوار. كان يحيى جاهلا بمكان إسحاق، ولم يقبل أن يخون صديقه ومطالبه المحقة، أخذهم في متاهات المدينة ولم يوصلهم إلى شيء، أطلق الانكليز عليه النار، ادموه ثم شنقوه.

هنا تنتهي الرواية

في تحليلها نقول:

ـ بداية، لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من السلاسة والراحة.

. الرواية مكتوبة بلغة السرد عن واقع تغوص فيه بذاتيات شخوصه، بعمق وشفافية، لكنها تمر على الجانب العام المجتمعي للبحرين المحتل من الإنكليز، بمقدار ما يمس ذلك الواقع هؤلاء الأشخاص، راسمة أقدارهم بكل دقة وحرفية. المجتمع البحريني الفارق بالفقر والأمية والفاقة، مجتمع قائم بذاته في المزابل، قاع قاع المجتمع، حياة البشر الكثر الذين يعيشون على النبش في الفضلات، وجزء آخر من المجتمع يتمثل بيهود البحرين على علاقة مع المستعمر والإرساليات التبشيرية ممتلئ بالمال والالتحاق بالإنكليزي والغرب ومصالحهم، حضور الإنكليز الطاغي بصفتهم حكام القلعة، عسكر وقتل واعتقال وبطش.

شعب بدأ رحلة النضال لتحقيق الحرية عبر عمليات عنف طالت الإنكليز وأذنابهم من اليهود وغيرهم. وسط كل هذا تنشأ حالات إنسانية من حب الأضداد، يحيى اللقيط الفقير وإيمي ابنة التبشير، لا يخفى استحالة هذا الحب، رغم كون إيمي هربت من تحرش والدها إلى الرهبنة والتبشير والتمريض، وأن يحيى وكونه ابنا للمزابل ولا وطن له. مع ذلك حاسبه المستعمر بكونه صديقا لزعيم الثوار. نعم لا يستطيع أي أحد أن يخرج أو يهرب من شروطه الحياتية العامة والخاصة. لذلك حُرقت إيمي مع الحي الثائر من قبل المستعمر وأعدم يحيى صديق الثوار.

أخيرا نقول إن الحياة المعاشة في أي مجتمع في أي وقت طالما هي ملوثة بالمظلومية واللاعدالة ووجود المستعمر والحاكم الظالم المستبد ستبقى دائما حياة لا انسانية. وتبقى الثورة على المستعمر والفقر واللامساواة والاستبداد قانون يحرك البشر في كل زمان ومكان.

هذا ما قاله الواقع العربي بعد عقود من زمن كتابة الرواية. حيث حصلت الثورة لتحقيق الحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل لكل الناس في بلدان عربية كثيرة.


عبد الله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية، هذا أول عمل نقرأه له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.