عبد العزيز بوتفليقة من معارك الاستقلال إلى التشبث بالكرسي

استقال في نفس يوم مولده

الأيام السورية/ قسم الأخبار

شارك عبد العزيز بوتفليقة في رسم المشهد السياسي في الجزائر منذ عام 1955 حتى أوائل نسيان/ إبريل 2019، حيث قدّم استقالته من رئاسة الدولة الجزائرية بعد أن انتخب رئيساً لأربع دورات متتالية.

ناضل في صفوف المقاومة الجزائرية، وتولى مناصب قياديّة في الثورة قبل الاستقلال في الدولة وبعده، وقاد الدبلوماسية الجزائرية في فترة الحرب الباردة.

كان بوتفليقة من المناضلين في حرب 1954-1962 التي وضعت نهاية للحكم الاستعماري الفرنسي، وتمّ اختياره وزيراً للرياضة والشباب في أول حكومة عقب الاستقلال، وأحد الوجوه الرئيسية التي وقفت وراء حركة عدم الانحياز، ومنحت إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية صوتا على الساحة العالمية.

المولد والنشأة

بوتفليقة -المصدر: ويكيبيديا

ولد بوتفليقة في الثاني من مارس/آذار 1937 في وجدة بالمغرب، في أسرة تتحدر من تلمسان في شمال غرب الجزائر.

تلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس المملكة المغربية، وحصل فيها  على الشهادة الثانوية العامة، قبل أن يقرر الانخراط في صفوف جيش التحرير الجزائري، وينقطع عن الدراسة.

انضم حين كان عمره 19 عاما إلى جيش التحرير الوطني الذي كان يكافح الاستعمار الفرنسي.

عند استقلال الجزائر عام 1962، كان عمره حينها لا يتجاوز 25 عاما، تولى بوتفليقة منصب وزير الرياضة والسياحة في أول حكومة بعد الاستقلال في عهد الرئيس أحمد بن بلة، ثم وبعد وفاة وزير الخارجية محمد خميستي، سنة 1963 كُلف بحقيبة الخارجية وكان حينها أصغر وزير خارجية سنا في العالم.

المهام والمسؤوليات

في مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وبعد انخراطه في جيش التحرير الجزائري تولى الرجل مسؤوليات عسكرية وسياسية، حيث عُين في مرحلة الكفاح المسلح  مراقباً عاما للولاية الخامسة خلال سنتي 1957 و1958 وضابطاً في المنطقتين الرابعة والسابعة بالولاية الخامسة كذلك.

كما ألحق بهيئتي قيادة العمليات العسكرية وقيادة الأركان بالغرب، ثم بهيئة قيادة الأركان العامة، وذلك قبل أن يوفد سنة 1960 إلى حدود البلاد الجنوبية لقيادة “جبهة مالي”.

في سنة 1961، أوفده قائد أركان جيش التحرير الوطني آنذاك، هواري بومدين، في مهمة سرية إلى قلعة أولنوا، حيث كان يقبع قادة الثورة الخمسة التاريخيون المسجونون، لإقناع أحدهم بالانضمام إلى معسكر بومدين في صراعه ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة بقيادة يوسف بن خدة. قوبل المقترح بالرفض القاطع من طرف محمد بوضياف والقبول التام من طرف أحمد بن بلة.

وبعد استقلال الجزائر أصبح عضوا بأول مجلس تأسيسي وطني، كما انتخب سنة 1964 عضواً باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير، وعضواً بالمكتب السياسي، وأصبح أحد أبرز الوجوه السياسية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، فأسندت إليه وظائف تنفيذية عليا عديدة.

أصبح عضواً بمجلس قيادة الثورة (أعلى سلطة) وعُيّن وزيرا للشباب والسياحة سنة 1962، ثم وزيراً للخارجية سنة 1963 وظل بالمنصب حتى وفاة بومدين سنة 1978، وقد نشطت الدبلوماسية الجزائرية في تلك الفترة، وارتبط اسمها بالدفاع عن قضايا العالم الثالث والوقوف إلى جانب حركات التحرر.

مرحلة النجومية الدبلوماسية

ذاع صيت بوتفليقة في الدوائر الدبلوماسية خلال الفترة التي كانت فيها الجزائر طرفا فاعلا في دعم الحركات المطالبة بالاستقلال في العالم، وفي حركة عدم الانحياز.

وناصر بوصفه وزيراً للخارجية الدول التي ظهرت في أعقاب العصر الاستعماري، وتحدّى ما اعتبرها هيمنةً من جانب الولايات المتحدة، وساعد في جعل بلده مهداً للتوجهات المثالية في ستينيات القرن العشرين.

في هذه المرحلة استقبل بوتفليقة تشي جيفارا، وتلقى نلسون مانديلا في شبابه أول تدريب عسكري له في الجزائر.

ترأس باسم بلاده الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974. ومن خلال تلك الدورة صادقت الجمعية العامة القرار 3236 الذي يؤكد حقوق الشعب الفلسطيني بـ 89 صوتاً ورفض 8 وامتناع 37.

ومن خلال تلك الدورة دعا بوتفليقة بصفته رئيسا للجمعية العامة للأمم المتحدة ياسر عرفات لإلقاء خطاب أمام المنظمة الدولية في 1974 في خطوة تاريخية صوب الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية.

وفي الدورة ذاتها؛ اتخذت الجمعية العامة قراراً علقت فيه عضوية جنوب إفريقيا في منظمة الأمم المتحدة بسبب انتهاجها نظام الفصل العنصري.

ظلّ بوتفليقة وزيراً للخارجية إلى سنة 1979 بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، الذي كانت تربطه به علاقة قوية منذ فترة الثورة التحريرية.

مرحلة الانكسار

بعد وفاة الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي كان يعتبر المرشد والداعم لبوتفليقة، بدأت نجومية الرجل بالانحسار، فسُحبت منه حقيبة الخارجية، وعين وزيرا للدولة دون حقيبة. في سنة 1981، ثم طُرد من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، فغادر الجزائر.

وفي 8 أغسطس/آب 1983، أصدر مجلس المحاسبة حكما يدين بوتفليقة باختلاس أموال عمومية تتجاوز قيمتها ستين مليون دينار جزائري آنذاك. ووردت الاتهامات بالتفصيل في قرار مجلس المحاسبة الذي نشر في جريدة المجاهد الرسمية يوم 9 أغسطس/آب 1983.

أمضى بوتفليقة ست سنوات خارج الجزائر، عمل من خلالها في الإمارات العربية المتحدة مستشارا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

العودة

عاد بوتفليقة إلى الجزائر سنة 1987 بضمانات من الرئيس الشاذلي بن جديد بعدم ملاحقته. وكان من الموقعين على “وثيقة الـ18” التي تلت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، وشارك في مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني 1989 فانتخب عضوا في لجنتها المركزية.

مع استفحال الأزمة الجزائرية بداية التسعينات ودخول الجزائر فيما بات يعرف بـ”العشرية السوداء”، استقال الرئيس الشاذلي بن جديد، وعوضت رئاسة الجمهورية بهيئة مؤقتة سميت “المجلس الأعلى للدولة” ترأسها محمد بوضياف. في نفس السنة، اقترح على بوتفليقة سنة 1992 منصب وزير مستشار لدى المجلس الأعلى للدولة، ثم منصب مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة، لكنه رفض العرضين، كما رفض عرضا آخر سنة 1994 بتولي منصب رئيس الدولة.

الرئاسة

في ديسمبر/كانون الأول سنة 1998 أعلن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية بصفته مرشحا مستقلا، ونافسه ستة مرشحين انسحبوا قبل يوم من موعد إجراء الاقتراع، فانتخب في 15 إبريل/نيسان 1999 رئيسا للجزائر بنسبة 70% حسب الأرقام الرسمية.

بعد انتخابه تفاوض على هدنة لإنهاء القتال، وانتزع السلطة من المؤسسة الحاكمة التي تكتنفها السرية وترتكز على الجيش.

وكانت الجزائر حينها في أوج الحرب الأهلية التي اندلعت في 1992 ضد الإسلاميين. وخلّفت تلك الحرب، بحسب حصيلة رسمية، نحو 200 ألف قتيل. وعمل الرئيس الجديد حينها على إعادة السلم في بلاده.

في سبتمبر/أيلول 1999، صوت الجزائريون بكثافة في استفتاء على قانون عفو عن المسلحين الإسلاميين الذين لم يقترفوا جرائم قتل أو اغتصاب، وقبلوا بتسليم أسلحتهم. وأعقب ذلك استسلام آلاف الإسلاميين. في 2005، أجري استفتاء جديد يعفو عن ممارسات قوات الأمن في أثناء الحرب الأهلية.

اعتبر بوتفليقة لفترة طويلة صانع السلام، ومهندس المصالحة الوطنية لدوره في إنهاء الحرب الأهلية في بلاده، وتحوّل إلى رئيس فائق النفوذ.

وفي سنة 2004 ترشح للرئاسة مرة ثانية مدعوما بتحالف سياسي، وفاز بنسبة 85% من الأصوات، وبعد أن عدّل الدستور ترشح لولاية رئاسية ثالثة سنة 2009 في انتخابات رأت أطراف سياسية عديدة أنها محسومة سلفا لصالحه، فانتخب بأغلبية 90.25 %.

وأعيد انتخابه لولاية رئاسية رابعة سنة 2014 بأكثر من 80% من الأصوات في انتخابات قاطعتها المعارضة، وأدلى فيها هو بصوته على كرسي متحرك.

الاستقالة

وكان قد أعلن الترشح لولاية رئاسية خامسة في الانتخابات التي كانت مقررة في 18 إبريل/نيسان 2019، إلا أنه عاد وتراجع تحت ضغط الشارع الذي انطلق في 22 فبراير/شباط، وقرر إرجاء الانتخابات إلى أجل غير محدد، في انتظار تنفيذ إصلاحات، الأمر الذي اعتبره الجزائريون تمديدا لولايته الرابعة، فواصلوا التظاهر ضده.

وقرر أخيراً في 2 نيسان/ إبريل الاستقالة وعدم إكمال ولايته الرابعة التي تنتهي يوم 28 من ذات الشهر.

وتنتهي بذلك مرحلة أطول فترة رئاسية لرئيس واحد في تاريخ الجزائر الحديث.

مصدر ويكيبيديا وكالات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.