عبد الرحمن الشهبندر.. شهيد الوطن والتنوير

لم يتوقف الشهبندر يوماً عن العمل الوطني منذ بداياته، كان طوال حياته يميل إلى التسامح ونبذ التعصب والإعراض عن العنف والجنوح إلى السلم، مؤمناً بضرورة استقلال بلاده كاملة نحو حرية مطلقة دون خضوع لأي سلطة خارجية.

الأيام السورية؛ خالد علوش

في عام 1920، عندما قبل الملك فيصل إنذار الجنرال غورو بشأن الجيش والنقد الفرنسي وسكة الحديد، التقى الشهبندر بالملك فيصل في المؤتمر الوطني السوري الذي كان يضم مناضلي سوريا من هنانو إلى العظمة إلى الشهبندر، واشتدّ الجدال بينهما حول قبول الشروط الفرنسية، فقال فيصل: “أنا الملك وأنا من سلالة النبي”. فأجابه الشهبندر: “وأنا ابن هذا البلد، وأرفض كل وصاية، وأطالب بتشكيل حكومة قومية ثورية”.

تلك الحادثة الشهيرة نفضت الغبار عن مستقبل زاهر سيكون لسوريا، وكشفت اللثام عن وطنية البعض وعمالة البعض الآخر، لقد كانت اللحظة التي انتفضت فيها سوريا بأسرها، وبكل مكوناتها ضد فرنسا وعملائها.

الولادة والنشأة

وُلِد عبد الرحمن بن صالح الشهبندر عام 1882 في مدينة دمشق، حيث كانت لا تزال تحت الحكم العثماني، لأسرة دمشقية عريقة تعمل بالتجارة. نشأ الشهبندر يتيم الأب، فقد توفي والده وهو ابن ستة أعوام، فربته أمه، مركّزة على تعليمه بالدرجة الأولى، فتلقى علومه الابتدائية والإعدادية في دمشق، ليكمل دراسته الثانوية في القسم الاستعدادي التابع للجامعة الأمريكية ببيروت ويتخرج منها عام 1901.

في تلك الأثناء كان أن ألقى خطبة في الثانوية كانت حول الاجتهاد والتقليد الاجتماعي والديني. على إثر ذلك اقتيد عام 1902 إلى المحاكم بتهمة اشتراكه في الحركة الإصلاحية وتأليف رسالة عن الفقه والتصوّف ومقالة في جريدة المقطم المصرية كانت حول موضوع خلافة السلطان عبد الحميد، لكن صغر سنه أنقذه من الموت.

بعد تلك الحادثة عاد إلى لبنان ليكمل دراسة الطب في الجامعة الأمريكية، فبقي هناك حتى تخّرج سنة 1906. وألقى حينها خطبة حفلة التخرّج، فاختار موضوع التسامح الديني الذي قاد فيه حمل عشواء على التعصّب، وتم تعينه في السنة ذاتها أستاذاً وطبيباً لتلاميذ الجامعة بسبب لمعانه الثقافي والعلمي.

الانخراط في العمل السياسي

في عام 1908 عاد إلى دمشق واتصل بالشيخ عبد الحميد الزهراوي وبمجموعة من السوريين الوطنيين وببعض أحرار الأتراك، الذين سيشكلون فيما بعد الحركة العلمانية في تركيا، حيث ساهم معهم بالانقلاب على السلطان عبد الحميد، وانضم إلى الهيئة المركزية لحزب الاتحاد والترقي الذي تأسس بعد إعلان الدستور، لكن سياسة الحزب لم تعد مثلما نشأت عليه، وشعر بأنها سياسة تتجه نحو تتريك العناصر العربية لذلك جابهها بشدة، وأخذ يرفع راية المطالبة بحقوق العرب القومية.

بعد ذلك بعامين تعرّف إلى سارة العظم، ابنة تقي الدين وتزوجها عام 1910، زواجه ذاك دعم الشهبندر ليتقدّم إلى الواجهة السياسية لما عُرف عن عائلة العظم من نشاط تاريخي قديم في المجال السياسي والوطني، وهي ذات نفوذ عالي ومقام اجتماعي رفيع.

عبد الرحمن الشهبندر ووالدته (المعرفة)

تأثيرات مرحلة أوربا

في عام 1912 سافر إلى أوروبا لمزيد من العلم وتعلّم السياسة، وعاد مع بداية الحرب العالمية، فانتظم في سلك الجندية وسافر إلى البلقان للمشاركة في الحرب، لكن بعد عام واحد عيّن طبيباً خاصاً لأحمد جمال باشا القائد التركي في بلاد الشام، وحين اشتدّت سياسة التتريك غادر سوريا متجهاً إلى العراق ثم الهند ليستقر في القاهرة عام 1916 فعينته السلطات الإنكليزية طبيباً للأسرى، وفي السنة ذاتها أسهم في تنظيم الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين في الحجاز، وترأس تحرير جريدة الكوكب في القاهرة، لكنه ما لبث أن تركها بعد تكشفها له عن تبعيتها للإنكليز. في تلك الفترة أيضاً ساهم بتأسيس حزب الاتحاد السوري مع بعض الأحرار، وقد بقي الحزب في القاهرة حتى معركة ميسلون.

العلاقة مع الإنكليز

لم يكن الشهبندر واثقاً من الإنكليز كثيراً لكنه مع ذلك عمل جاهداً ليأخذ تصريحاً من البريطانيين، أن الدول التي تنال استقلالها من العثمانيين بقيادة الجيش لعربي تحت راية الشريف حسين تبقى مستقلة ولا تخضع لأي سلطة خارجية، ورغم خطورة التصريح على المصالح البريطانية لكن لم يكن لديها من خيار سوى إعطاءه. كان الشهبندر يفهم الواقع السياسي ويتعامل ضمن آلياته، ولهذا كان أحد الرجال المستهدفين من الغرب لخبرته ووطنيته.

عبد الرحمن الشهبندر (ويكيبيديا)

العمل بعد انتهاء الحكم العثماني

بعد استقلال سوريا عن الحكم العثماني عام 1919 عاد إلى سوريا فكان من أوائل من عينتهم الجامعة السورية أستاذاً في كلية الطب وكلية الحقوق، وحين دخل الملك فيصل دمشق عام 1920 ونودي به ملكاً عليها، عين الشهبندر وزيراً للخارجية، فحشد الفرنسيون جيشاً في ميسلون، وهاجموا دمشق، فاستشهد يوسف العظمة وقبض على بقية الوزراء، وحكم عليهم بالسجن المؤبد في جزيرة أرواد، لكن الشهبندر هرب من سوريا إلى مصر وأقام فيها عاماً، ليعود بعدها ويبدأ بتنظيم البلاد سياسياً واجتماعياً، لكن الفرنسيين ألقوا القبض عليه وتم الحكم عليه بعشرين عاماً، لكنهم أطلقوا سراحه في أواخر عام 1923، وبعد خروجه سافر إلى أوروبا وأمريكا للدفاع عن قضية بلاده، فكان اول زعيم سوري يرفع قضية سوريا إلى الحافل الدولية.

تأسيس حزب الشعب

عاد إلى سوريا عام 1924 وأسس حزب الشعب وتولى رئاسته وأخذ يعمل من جديد في تنظيم العمل السياسي ويدعو إلى الوحدة العربية ويطالب بإلغاء الانتداب، وإقامة جمهورية سورية في نطاق الاتحاد مع جميع البلدان العربية المستقلة، فاتصل مع الزعيم إبراهيم هنانو قاد ثورة الشمال ومع محمد العيّاش زعيم الثورة في المنطقة الشرقية، كما تواصل مع فوزي القاوقجي في حماه، رغم اختلافه معه، حيث كان القاوقجي في بداياته يعمل لصالح الفرنسيين، لكن بعد اعتقال وجهاء حماه، تغيّرت رؤى القاوقجي وهو ما دعا الشهبندر للتحالف معه ودعمه في ثورته.

عبد الرحمن الشهبندر في لقاء جماعيري (التاريخ السوري)

العلاقة مع الثورة السورية الكبرى والإقامة بمصر

حين نشبت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش عام 1925، نظم مع المجاهدين كل إمكانية للدعم السياسي والعسكري في الجنوب، وهو ما أغضب الفرنسيين ودعاهم لملاحقته وكادوا يقبضون عليه، لولا أنه هرب إلى جبل العرب ومنه إلى شرقي الأردن ثم القاهرة.

عندما وصل لمصر تناهت إليه أخبار القرارات الفرنسية عام 1927، حيث تم إصدار حكم غيابي بالإعدام عليه، فاضطرّ للبقاء مع عائلته لمدة عشر سنوات هناك يتابع نضاله ضد الفرنسيين وبالأخص عمله في اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني، بالإضافة لكتاباته الصحفية التي كانت تتناقل في مصر وسوريا، وتزيد من حدة الغضب الشعبي السوري اتجاه الفرنسين.

عدم بقائه صامتاً كان يثير حنق فرنسا عليه دون القدرة على الوصول إليه، وهو ما استدعاها بعد عشر سنوات أن تُصدر مرسوماً يُلغي حكم الإعدام عليه في عام 1937، فعاد إلى دمشق بحفاوة شعبية نادرة، وكان في كل يوم يقوم الناس بزيارته ويلقي فيهم خطباً تزيد من حماسة الشعب ضد الفرنسيين، كما عارض معاهدة 1936 وهو الأمر الذي زاد حدة الانقسام بين السورين، بين مؤيد لحكومة هاشم الأتاسي والكتلة الوطنية المؤيدة للمعاهدة وبين الشهبندر وأنصاره التي كان يعدد مساوئ المعاهدة وعيوبها ويدعو لضرورة الاستقلال الكامل والسيادة المطلقة.

اغتياله

لم تستطع فرنسا يوماً إسكات الشهبندر رغم كل ما فعلته، ولم يصبح لديها من خيار سوى التخلص منه نهائياً، وهو ما دعاهم لتدبير عملية اغتياله بواسطة بعض المتشددين الدينيين في عام 1940، عندما دخل عليه ثلاثة أشخاص مسلحين وأطلقوا النار عليه في عيادته بحي الشعلان بدمشق، حيث تمّ إلصاق التهمة بثلاثة من زعماء الكتلة الوطنية وهم سعد الله الجابري وجميل مردم بك ولطفي الحفار، فهربوا خارج البلاد بعد صدور مذكرات توقيف بحقهم.

لم يطل أمر اغتياله حتى ألقي القبض على قاتلي الشهبندر بعد فترة وتم الاعتراف أن سبب الاغتيال هو سبب ديني لأن الشهبندر تعرّض للدين في أحد خطبه ودعا للتنوير والتقدّم، ودُفن في قبر جوار صلاح الدين الأيوبي قُرب الجامع الأموي. وإلى الآن ما زالت قضية الشهبندر وعملية اغتياله مُغلقة في الأرشيف الوطني الفرنسي.

عبد الرحمن الشهبندر في السجن(المعرفة)

مؤلفات

كتب الشهبندر الكثير من المقالات في مجلتي المقتطف والهلال، وقد جُمعت في كتاب القضايا العربية الكبرى، كما صدرت مذكراته بعد وفاته، وكتب عنه محمد كرد علي فصلاً مطولاً في مذكراته أيضاً، هذا وقد ترجم الشهبندر كتاب “في السياسة الدولية” لديزل بورنس عام 1925 عن اللغة الإنكليزية.

لم يتوقف الشهبندر يوماً عن العمل الوطني منذ بداياته، فعمل بكل ما استطاع في الطب والسياسة والصحافة والتدريس والترجمة لرفع من مستوى سوريا ساعياً لتنال استقلالها وتنويرها وحضارتها. لقد كان عربي النزعة، معادياً للأتراك، ولسياسة اتفاق العرب معهم، مناوئاً للاستعمار الأجنبي في الوطن العربي عامة وسورية خاصة، كما كان طوال حياته يميل إلى التسامح ونبذ التعصب والإعراض عن العنف والجنوح إلى السلم، ومواقفه من الثورات السورية هو لإيمانه بضرورة استقلال بلاده كاملة نحو حرية مطلقة دون خضوع لأي سلطة خارجية.

سيبقى عبد الرحمن الشهبندر نموذجاً وطنياً في تاريخ الذاكرة السورية، إنه شهيد الوطن والتنوير.

مصدر الجزيرة المعرفة
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.