عامان من الملاحقة والجحيم -رامي العاشق

دخلتُ إلى الأردن عبر الحدود غير الشرعية ككل اللاجئين السوريين، إلا أنني لم أكن أعلم أن الفلسطينيّ السوريّ ممنوع من الدخول، وإذا استثنيتُ حفلةَ الترحيبِ التي أقامتها الاستخبارات العسكرية الأردنية في محافظة المفرق بمناسبة دخولي لأنَّ الهمّ العام أكبر من أن أتحدّث عن تفاصيل صغيرة، سأتحدّث باختصار عمّا بعد التحقيق الذي استمرّ لثمانِ ساعات:

تم وضعي في ما يسمّى مخيم سايبر سيتي (Cyber City) وهو بناء بستة طوابق كل واحد منهم يضمّ 20 غرفة، وكلّ غرفة فيها 4 لاجئين على الأقل، وسأستبدل مصطلح لاجئين بـ “محتجَزين” لأنّه التعبير الأدق.
تحتجز الحكومة الأردنية الفلسطينيين القادمين من سوريا بأنواعهم المختلفة – فلسطيني سوري، فلسطيني غزّاوي، وفلسطيني أردني- وتقيم عليهم أقسى أنواع الاحتجاز القسري دون أية تهمة، فقط لأنهم فلسطينيون، يحيط بالبناء مصانع للآسيويّين وحقول قمح واسعة، ويمنع على المحتجزين هناك الابتعاد عن البناء أكثر من 30 مترًا، ويسمح لهم الخروج من الحجز بمرافقة حراسة أمنية إلى المستشفيات، ويسمح بزيارتهم بإذن من المتصرف “المحافظ”.

لم أستطع تحمّل هذا السجن لأكثر من أربعة شهور عانيتُ فيها من الحجز التعسّفي والتفتيش المتكرر لغرفتي، ومحاولات الابتزاز التي تقوم بها أجهزة المخابرات للحصول على معلومات أكثر، والجَرَب، والإفلاس، خاصّة بعد أن قمتُ والمحتجزين معي بكتابة بيان صحفي نعلن فيه مقاطعتنا للمفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين التي لم تعترف بنا كلاجئين لأننا في منطقة الأونروا التي بدورها تأخرت بالقيام بواجباتها إلى ما بعد هربي من هناك.
رابط البيان: http://ar.ammannet.net/news/164361
استعملتُ وقتها اسم أبو محمّد لأن المخابرات هدّدتني بتسليمي للنظام السوري إن نشرت أية معلومات، أو خرجت بأي تصريح صحفي، أو قمت بتوزيع منشورات، أو قمت بكتابة أي معلومة عبر فيسبوك!

10152727_627459144000367_1883718508_n[1]

 

10173298_627459140667034_1482318460_n[1]

بعد أربعة شهور من الاحتجاز، استطعت بخطّة محكمة أن أهرُبَ من سايبر سيتي، لأصبحَ بعدها مطلوبًا للجهات الأمنية الأردنية بتهم أعرفها وأخرى لا أعرفها.
عامان وأنا أعيشُ متخفّيًا في عمّان أبحث عن وسيلة لتسوية وضعي دون إعادة إلى الحجز، ودون تسليم للنظام، ولم أستطع، طيلة العامين وأنا صامتٌ لا أتحدّث على الملأ عن قصّتي كيلا أخرّب على نفسي أولًا ما أحاول فعله، وكيلا ألفت الأنظار أكثر وأصبح مراقبًا عبر الانترنت ومطلوبًا يؤتى به بأسرع وقت، إلّا أن محاولاتي جميعها باءت بالفشل!
المبرّرات الرسمية لاحتجازنا في سايبر سيتي كانت متناقضة ومتضاربة، تارةً “منعًا لتهجير جديد” وأخرى “قرار سيادي سياسي أردني” ومرّة “لأن آباء وأجداد الفلسطينيين الأردنيين في سايبر سيتي تورّطوا في حرب 1970” ولم تعتبر الحكومة الأردنية الفلسطينيين القادمين من سوريا لاجئين بل متسلّلين عبر الحدود، وقرار الحجز مخالف لكل المواثيق الدولية وخاصّة التي وقّعت عليها الحكومة الأردنية كبروتوكول الدار البيضاء الذي وقعت عليه الأردن عام 1965 كعضو في جامعة الدول العربية، والذي ينص على أن تعامل الدول الموقعة اللاجئين الفلسطينيين من حملة وثائق اللجوء معاملة مواطنيها فيما يتعلق بالإقامة وتأشيرات الدخول.

ولم تكترث الحكومة الأردنية بأيّ من النداءات التي وجّهتها المنظمات والهيئات الدولية مطالبة إياها بإيقاف احتجاز سكّان سايبر سيتي، ومنع إعادة اللاجئين إلى البلاد التي هربوا منها، ووصفت منظمة حقوق الإنسان العالمية هيومان رايتس ووتش سايبر سيتي بـ “منشأة الحجز” وهذا الرابط: http://www.hrw.org/ar/news/2013/03/21-0

وإلى اليوم، لم يتغيّر شيء، لايزال المحتجزون محتجزين منذ عامين، ولم يتدخّل أحد بشأنهم، والسلطة الفلسطينية لم تفعل أي شيء لأجلهم، عامان وليس هناك تهمة واضحة توجهها لنا الحكومة الأردنية سوى أننا فلسطينيون!
والأهم في الموضوع، أن لا مكان هناك في هذا العالم يستقبلنا، لا مصر ولا تركيا ولا لبنان، ولا أوروبا، عالقون هنا إلى ما شاء القرار السياديّ والسياسيّ!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.