عاشقة على أمل اللقيا رغم قسوته

لا أملك أن أحرم فؤادي من عشق تملّكني عمراً، لم أنساه لحظة، لم يغب طيفه عن عيني ولو لثانية، أنفاسي تناجيه وقلبي متيّم به، فكيف لا أغفر لمن تناجيه الروح والهة؟.

1٬304
الأيام السورية؛ علياء الأمل

نسمع من قصص الغرام العجب منه ما يحلو لنا وبعضه ما يثير دهشتنا واستغرابنا؛ سميرة التي أحبّت ابن خالها، وتفتّحت عيناها على وسامته منذ صغر سنّها، ازدادت تعلّقاً به لأنّ خالها دائم القول أمام أهل القرية: “سميرة لأمجد”، عادات موجودة في مجتمعنا السوري.

استمرت خطبتهما تسعة أعوام ثم انفصلا، أخلصت الوداد له طويلاً، هل تقبل العودة إليه بعد خمسة وعشرين عاماً؟

كبرت سميرة وأصبحت صبية جميلة بحلّتها الشقراء، وعينيها الواسعتين، وحازت على الثانوية العامة لتدخل جامعة حلب قسم علم نفس، أمّا ابن خالها الذي أحبّته بعمق، تفوّق في دراسته وبدأ دراسة الهندسة المدنية.

عجز والده عن تأمين مستلزمات دراسة ابنه لشدة فقره، وكان يستدين من أخته والدة سميرة لتأمين المصاريف الباهظة، وفي أثناء دراسته الجامعية، تقدّم الخال لخطبة سميرة لابنه الذي يكبرها بأربع سنوات، الأمر الذي لاقى استحساناً لدى جميع الأطراف، وخاصة قلبها المحب لابن خالها حبّاً جمّاً.

استمرت خطبة أمجد لسميرة تسعة أعوام؛ منذ حيازتها للشهادة الثانوية، حتّى عودته مهندساً مختصاً من فرنسا، فقد تخلّت العمة عن إرثها لابن أخيها لإتمام دراسته بعد وفاة والده.

تسع سنوات من الحب عن بعد، يراسل ابنة عمته ببعض الكلمات الرسمية، وكانت تشتكي لوالدتها جفاء قلبه وقلة مراسلتها أحياناً وكأن الغربة لوثت مشاعره، لكن والدتها تبرر لابن أخيها انشغاله في الدراسة. استمرّت سميرة في رسم صورة مثالية في مخيلتها لابن خالها الذي انتظرت عودته بفارغ الصبر لإتمام مراسم الزواج.

انتهى أمجد من تخصصه، وعاد إلى مدينته إدلب يحمل شهادةً في الهندسة، ساعدته عمته في افتتاح مكتب خاص وبدأ بممارسة مهنته، إلى أن تحسّن مستواه المادي، وحصل ما لا يُتوقّع حصوله…أول خطوة في ردّ المعروف لعمته كانت فسخة الخطوبة من الشابة الجميلة التي انتظرته طويلاً، والأمر الآخر خطبته لمهندسة تعرّف عليها في إدلب.

لم تحتمل عمته ما حصل مع ابنتها فأصيبت بأزمة قلبية وماتت، أما ابنتها المدرّسة فقد صُدمت نفسياً، فانطوت على نفسها، رافضة الزواج مطلقاً، وكانت تصرخ في وجه أخيها الكبير عندما يتقدّم لخطبتها أحد ما بملء فيها : ” ما بدي أتجوز وما بدي اسمع هاد الحكي مرة تانية الرجال كلهم نفس الشي”

تزوّج أمجد من المهندسة ميساء ورزق منها بأربعة أولاد، صبيان وابنتان، واستمرّ في ممارسة حياته وعمله في إدلب دون التردّد إلى قريته؛ فأغلب أهل القرية ينظرون إليه على أنه شخص انتهازي ووصولي ولم يكن رجلاً في مواقفه.

أما الجميلة سميرة؛ تركت كل علاقاتها الاجتماعية، تجلّدت صبراً، وكرّست كلّ أوقاتها لتلميذاتها في أثناء دوام المدرسة وبعده، فهي المرشدة النفسية الراقية التي تساند الطالبات في تجاوز ما يتعرضن له من ضغوطات نفسية. وهنا المفارقة التي تعيشها… بين سعيها لإسعاد غيرها كما اعتادت، وبين هاجس صدمتها القديمة بحبيبها التي تتقلب في ثنايا البيت الشعري وظلم ذوي القربى أشد… تلوك تلك الكلمات يوميا في قرارة نفسها وتعطي أملا لطالباتها.

بدأ الحراك الثوري في سوريا في آذار 2011م، خاف المهندس أمجد على نفسه فهرب إلى تركيا، وطلب من زوجته إنهاء جميع الأمور المادية من بيعٍ للبيت والسيارة لتلحق به، لكن الزوجة رفضت وذهبت مع أولادها إلى حلب لإتمام تعليمهم.

الكأس الذي سقى منه ابنة عمته تجرّعها بمرارة من بُعْدٍ لأولاده ورفض الزوجة اللحاق به والوقوف معه في محنته.

وكردة فعل تزوّج من امرأة فرنسية ورزق منها بصبيين أيضاً، وبعد ثلاث سنوات من زواجهما، تركته وسافرت إلى بلدها مصطحبة معها أولاده أيضاً.

ضاق ذرعاً، وعاد إلى قريته بعد تحرير مدينة إدلب، افتتح مكتباً من جديد وبدأ يعمل، أراد التودد لأهل قريته رويدا رويداً، وكانت له مواقف مشرّفة في دعم أهل قريته، ومساندة الثوار بتقديم المال، وكأنه شعر بعقاب الله له على كسر قلب ابنة عمته، فعمل على إعادة الروابط وجسر العلاقة مع ابن عمته.

تقدّم لخطبة ابنة عمّته من جديد، ورفضته ثلاث مرات إلى أن تدخّل أخوها وأعلمها بصدق نيته، وأنه يتمنّى أن تصغي إليه وتمنحه فرصةً ليعوضها عن أحزانها، ضعفت أمام قلبها المتيم به، ضعفت لأنها رفضت كل من تقدم لخطبتها عشقاً وإخلاصاً، ضعفت عندما تحدّث إليها وبكى متوسلاً: إنه لن يتراجع عن حب قديم دغدغ قلبه سابقاً، وأنه تاه زمناً ليعود لعشقه وحبّه الأول، وهو يقول لها أنّ عشقها لم يفارقه أبداً وأنشد لها قول أبو تمام:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبداً لأول منزل

وأخذ يتحدث لها عن معاناته في غربته، وأنه تأثر بفكرهم، وسعى نحو المصلحة وأخطأ زمناً متمنياً أن تمنحه فرصة ليصلح ما أفسده زمناً طويلاً، وإنّه دائم التألم لفراقها وهمس ذات مرة بأذنها يقول:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد      وينكر الفم طعم الماء من سقم

تفاجأ أهل القرية منذ عامين بنبأ زفاف سميرة وأمجد أي بعد 25 عاماً من فسخ خطوبتهما، وعند سؤالها في منزلها أمام أقاربها أجابت عن تساؤلهم… عن حيرتهم لموقفها ذاك: باختصار هو الوفاء والحب الصادق.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.