عادلة بيهم الجزائري… أميرة الرائدات العربيات في القرن العشرين

ياسمينات سوريات (1)

بقلم: علياء ويس

عادلة بيهم الجزائري ناشطة نسائية سورية من مواليد عام 1900 ميلادي، لقبت بأميرة الرائدات العربيات في القرن العشرين، ولدت في بيروت، نشأت فيها وتلقت علومها في معهد “الدياكونيز” الألماني، درست علوم الدين على يد العلامة الشيخ “عبد الله البستاني” صاحب المعجم الشهير” البستان” وهذا ما منحها لغة عربية أصيلة، أمنت لها نشأة ساعدتها في المضي في طريق النضال على جبهات عدة.

التاريخ النضالي

تاريخ “عادلة بيهم” النضالي بدأ باكراً جداً، عندما اندفعت هذه الصبية ذات الستة عشر عاماً كمتطوعة لخدمة المنكوبين تقدم لهم الغذاء والدواء والكساء، وانخرطت في مجتمع أنهكه الانحطاط والاستبداد، عبر الجمعيات السرية لتنادي بالعروبة والاستقلال؛ كان منهجها في الحياة والتفكير في سنّ مبكرة، الشعور العربي القومي التحرري، وذلك استجابة تلقائية لعوامل تفاعلت في نفسها وانفعلت لها انفعال البيئة التي تكتنفها والمجتمع الذي تعيش فيه.

تفاعلت مع ما آل بالبلاد إثر الاستعمار العثماني فشرعت بتأدية بعض المهمات الدقيقة للجمعيات الهادفة الى الدفاع عن الوجود العربي واستقلاله وكتبت مقالات في صحيفتي «المفيد» و «الفتى العربي» بتوقيع «الفتاة العربية نزيلة الاستانة» تحث فيها الفتيات العربيات للعمل مع الرجال لصيانة كيانهن العربي. ‏

تأسيس جمعية «يقظة الفتاة العربية»

في عام 1915 أسست عادلة بيهم ورفيقاتها جمعية «يقظة الفتاة العربية» غايتها إيقاظ الوعي القومي العربي النسوي وتعليم الفتيات اللواتي حالت ظروفهن دون التعلم. ‏ثم اشتركت في تأسيس «جمعية الأمور الخيرية للفتيات العربيات» وكان لها ناديها ومدرستها وتطوع أعضاء الجمعية للتدريس فيها. ‏وترأست عام 1916 لجنة تشرف على دار الصناعة، لتشارك في تقديم وجبات مجانية لحوالي 1800 عاملة يعملن في صناعات عدة كالنسيج والغزل والأشغال اليدوية. استعملت اسمها المستعار بعد تأسيس جمعية يقظة الفتاة العربية بهدف نشر الوعي القومي بين صفوف النساء، وذلك بواسطة نشر العلم بين أفراد الطبقات متوسطة ومحدودة الدخل، سارعت مع قريناتها بين عامي 1918-1920 للتأكيد على المطالبة بالاستقلال ورفض الوصاية والانتداب.

تأسيس جمعية يقظة المرأة الشامية

أسست مع زميلاتها جمعية يقظة المرأة الشامية عام 1927 التي هدفت إلى تشجيع عمل النساء في الريف وإحياء وتنظيم الصناعات اليدوية التقليدية، أسهمت عام 1928 في تأسيس جمعية دوحة الأدب، في اجتماع حاشد في المجمع العلمي العربي، حيث وضعت أهداف هذه الجمعية اللبنة الأولى لإشراك المرأة في الحياة العامة، وبخاصة في النضال الوطني، وترجمت ذلك بإحداث مدرسة لتنشئة الفتيات تنشئة تعتمد على روح تقدمية للقومية العربية، لم يستسغ المستعمر الفرنسي الفكرة، فامتنع عن الترخيص لها، في عام 1931 افتتحت المدرسة أبوابها دون ترخيص. اجتمعت السيدة بيهم عام 1934 بالموسيقي السوري “عمر البطش” في حلب، ودعته لتدريب بعض طالبات “دوحة الأدب” رقص السماح، الأمر الذي كان له دوره في الحفاظ على هذا اللون التقليدي من الفن.

الاتحاد النسائي السوري 1920 (موقع إيسيريا)

تأسيس الاتحاد النسائي العربي السوري

تداعت عام 1933 ثلاث جمعيات لإطلاق نواة الاتحاد النسائي العربي السوري؛ وانتخبت السيدة “عادلة بيهم” رئيسة له، ليكون الثاني في المنطقة بعد الاتحاد النسائي المصري 1923بقيادة “هدى شعراوي”.

كذلك استطاعت السيدة بيهم من الانتقال بالاتحاد النسائي نقلة نوعية من خلال المشاركة في إضراب 1936 وذلك احتجاجاً على شروط المعاهدة المبرمة بين الحكومتين السورية والفرنسية. لتأتي الخطوة الأهم وهي مشاركة الاتحاد النسائي السوري عام 1937 في التنمية عن طريق إطلاق مشروع إنعاش القرى ومكافحة الأمية في مركز جديدة عرطوز غربي دمشق؛ وبعد مضي عامين حققت السيدة بيهم نقلة أخرى حين لبت دعوة السيدة هدى شعراوي بحضور ثلاثين عضوا للمشاركة بالمؤتمر النسائي الفلسطيني الذي عقد في القاهرة عام 1938، وذلك لدراسة الخطر الصهيوني على القضية العربية والوطن العربي. مما أسهم في تجمع القوى النسائية في العمل العام. وكانت تلك المرة الأولى التي يتم فيها طرح ومناقشة قضايا المرأة العربية في مؤتمر بهذه المشاركة؛ حيث أعلن عن تأسيس أول اتحاد نسائي عربي عام؛ وكانت السيدة بيهم الجزائري من الموقعين على وثائق تأسيسه.

وكللت جهودها بالنجاح عام 1944عند انضمام عدة جمعيات مهمة إلى الاتحاد النسائي، وعليه ضم الاتحاد كل من الجمعيات التالية: النادي النسائي الأدبي؛ نقطة الحليب؛ يقظة المرأة الشامية؛ خريجات دور المعلمين؛ دوحة الأدب؛ الندوة الثقافية النسائية؛ الإسعاف العام النسائي؛ المبرة النسائية؛ الجمعية الثقافية الاجتماعية، وهو الانضمام الطوعي الأوسع في تاريخ الحركة النسائية في سورية، ونظراً لجهود السيدة عادلة بيهم الجزائري تم انتخابها لرئاسة الاتحاد وظلت في هذا المنصب حتى عام 1967.

لعب الاتحاد النسائي دوراً مهماً عام 1945 في تأمين الغذاء لرجال الشرطة والدرك خلال قصف القوات الفرنسية لمبنى البرلمان، حيث أمن تجهيز مشفاً ميدانياً لإسعاف مصابي القذف في مدرسة جودت الهاشمي بدمشق؛ الأمر الذي أسهم في في تخيف عبء القصف الذي طال الأحياء السكنية وخلف عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.
دفع الشعور القومي بعد الاستقلال الحركة النسائية في سورية إلى التضامن مع الحركات التحررية بالمظاهرات والتنديد وجمع التبرعات النقدية والعينية، لتظهر قضايا المرأة بشكل أوضح على جدول أعمال الحكومة، وذلك بعد أن قام الاتحاد النسائي العام بتنظيم مظاهرات عدة يطالبن فيها بإعادة النظر بقانون الأحوال الشخصية؛ بهدف تلافي بعض التمييز ضد المرأة بكسر الاحتكار الذكوري للوظائف في السلطتين القضائية والتنفيذية، مع المطالبة بمساواة المرأة مع الرجل في الراتب التقاعدي بعد الوفاة.

استنفر الاتحاد النسائي برئاسة السيدة بيهم الجزائري عام 1948 قواه لدعم جيش الإنقاذ، فقدم لباساً كاملاً لثلاثة آلاف متطوع، وأمن الغذاء والكساء للنازحين الفلسطينيين الذين وصلوا دمشق.

شارك الاتحاد النسائي السوري برئاسة السيدة بيهم الجزائري عام 1949 في المؤتمر النسائي العربي العام، وفي المؤتمر النسائي الدولي الذي عقد للمرة الأولى في بيروت، كذلك انتدبت من الاتحاد لتمثيل سورية في لجنة حقوق المرأة التابعة للأمم المتحدة، كذلك أسهمت في دعم منح المرأة السورية حق الانتخاب، ليشارك الاتحاد في دعم هذه الخطوة عبر حملة واسعة النطاق في أحياء دمشق لتشجيع النساء على المشاركة في التصويت. وما إن صدر مرسوم حق التصويت في انتخاب عام للجمعية التأسيسية ـ وهو حق يشترط نيل المرأة للشهادة الابتدائية وما فوق ـ حتى انطلقت على رأس الجمعيات النسائية التي شكلتها أو شاركت في تأسيسها تطوف في أحياء دمشق لحث النساء على ممارسة حقهن في الاقتراع.

ترأست السيدة بيهم الجزائري عام 1956 وفد الاتحاد النسائي السوري في حلقة دراسية أقامتها لجنة حقوق المرأة التابعة للأمم المتحدة في موسكو؛ انتخبت عام 1960 رئيسة للجنة التحضيرية للمؤتمر النسائي الأسيوي ـ الأفريقي الذي انعقد عام 1961.

عادلة بيهم مع الرئيس جمال عبد الناصر (ويكيبيديا)

رفيقات الدرب

من رفيقات درب عادلة بيهم الجزائري ابنتها السيدة “أمل جزائري هواش” التي رافقتها في نشاطاتها ومسيرتها وكانت مساعدتها في المجالات كافة ، والمناضلة “نازك العابد” التي حاربت ضد الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي، إلى جانب عدد كبير من السيدات المناضلات المتنورات اللواتي وضعن أولى لبنات تحرر المرأة السورية، من أمثال “بديعة أورفلي، جيهان الموصلي، نهلة وصفي الجابي، ريمة كرد علي العظمة، فلك دياب، سعاد حلبي، نعمة دياب، قمر قزعون شورى، جيهان دياب، والأديبة ألفة عمر باشا الإدلبي”.

الزواج والعائلة

تزوجت من (مختار عبد القادر الجزائري) قبيل بلوغها السابعة عشرة واستقرت في دمشق.. وعاشت في بيت أصيل وفي بيئة نقية صافية وفي عائلة مشبعة بالشعور العربي القومي التحرري… نضالها وجهودها تركزت في دمشق العريقة حملت مشعل أو مصباح الزعيم عبد القادر الجزائري وأنارت بأفكاره وإقدامه درب وطنها ثلاثي الأبعاد: لبنان وسورية والجزائر. ‏

أنجبت ولدين “أمل وزين العابدين”؛ إلا أن الارتباط لم يمنعها من المشاركة في مقاومة الاستعمار الفرنسي فخرجت في المظاهرات المناهضة للاستعمار عام 1925، ودعمت من خلال الجمعيات السرية حركة المقاومة بكل الأشكال المتاحة، مما دفعها إلى تشكيل لجنة خاصة بمساعدة أسر الثوار.

الوفاة

في عام 1975 غيّب الموت أميرة الرائدات العربيات الناشطات في مجال حقوق المرأة والمضال الوطني، وتخليداً لذكراها أطلق اسمها (عادلة بيهم الجزائري) على ثانوية للبنات في منطقة المرابط في حي المهاجرين بدمشق.

عادلة بيهم إحدى أهم أقطاب النهضة النسائية العربية المناضلة وصفت: بأنها مثال السيدة المناضلة ذات الالتزام الوطني والقومي الواضح.. إنها الشخصية المحبة المحبوبة المعطاء بتواضع، المتألقة بثقة، الحريصة على خدمة مجتمعها ووطنها دون حساب. سبقت عصرها في التحرر والانفتاح، حيث سعت إلى مجتمع يتطلع نحو الأفضل، ويسعى للحاق بالركب العالمي بعد سنوات طويلة من القهر والتخلف والفقر والاستعمار.

مصدر موقع المعرفة جيرون
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.