عادات أهل الشام في الزواج بين الماضي والحاضر

كيف كان الزواج يتم في بلاد الشام؟!

أهم ما يقال في الزواج القديم التبكير، زواج الفتاة والفتى، فما إن يبلغ الذكر سن الـ 17 من عمره، والأنثى سن الـ 12 حتى يهب
أهلهما للبحث عن شريكة أو شريك، يقاسمها وتقاسمه الحياة والإنجاب، وهو ما تبدل هذه الأيام، فقد تأخرت سن الزواج كثيراً.

عندكم بنت للزواج؟

ويلجأ الأهل إلى إحدى الوسيلتين، الأولى بحث أم الفتى عن فتاة مناسبة، تعرفها من خلال زياراتها للمعارف والصديقات، والثانية من خلال خاطبة شاطرة،
ترشح لها فتاة بعد أخرى، لقاء مال غير محدد، يسمى «سمحية نفس»، وهناك زيجات عديدة قد تمت عن طريق الخاطبة أوائل القرن الماضي.
وفي بحث الأم أو الأخت عن فتاة مناسبة لابنها أو أخيها، قد تطرق الأم والأخت أبواب منازل لا على التعيين، فإذا فتح باب ما، كان السؤال: «
عندكم بنات للزواج؟» وقد تكون الفتاة في بيت أبيها تنتظر من تسأل هذا السؤال، وكم من مرات صار النصيب وتم الزواج بهذه الطريقة الطريفة.
المشاهدة والقبول والجاهة
وتتم مشاهدة الفتاة المرشحة التي توعز لها أمها أن تغلي القهوة للضيفات بعد توصية من مربياتها كبيرات السن بأن تكون شجاعة مؤدبة،
وأن تخضع لمجموعة من الأسئلة قد توجه إليها، من نوع: «كم عمرك حبيبتي؟» «هل تعرفين الطبخ؟» «هل لك صديقات، ومن هن؟».
فتجيب الفتاة، وقد تتلعثم، فتنسب أمها تلعثمها إلى خجلها، وربما تجرأت أم الفتى أو أخته، فأمسكت بالفتاة لترى إن كان أهلها يخدعن ا
لخاطبات، فيملأن جسد الفتاة بثياب إضافية، حتى تبدو أسمن مما هي، وقد تتجرأ إحدى الخاطبات، فتشد الفتاة لتتيقن من أنه شعرها، وليس «حوش»
أو بيروكة بلهجة زماننا هذا، فإذا نالت الفتاة القبول المبدئي، تكررت زيارة النسوة، ثم يصار إلى إرسال وفد رجال من حارة الخاطب، بزعامة شيخ الحارة
، أو وجيه من الوجهاء، وزيارة رجال من أعيان الحارة تسمى «الجاهة» ويتم بها قراءة الفاتحة، تمهيداً للقيام باستخارات تتم بطريقة دينية،
منها فتح القرآن الكريم لا على التعيين، فإذا جاءت الآية مناسبة اطمأن فاتحو الاستخارة، أما إذا جاءت الآية من نوع «عبس وتولى» فيتم الرفض طبعاً.
وهذا الإجراء يتبعه أهل الخاطب وأهل المخطوبة، وقد يسبق زيارة «الجاهة».
بعد ذلك يتم فصل المهر، وتحديداً «المعجّل والمؤجل» وهنا تتم المساومة، على ضوء الحالة المادية لذوي كل من الخاطب والخاطبة، ومن الناس
من كان يؤثر تثبيت قيمة «المعجل» بقرش فضة، أو بليرة ذهبية واحدة، في حين يتمسك بـ «مؤجل» كبير، ضماناً لابنته ألا تطلق بعد مدة
قليلة من زواجها، ومنهم من يطلب «لبس البدن» مع قبوله بمهر قليل، مجيدي واحد «عملة تركية» أو أكثر قليلاً، ويشترط مؤخراً كبيراً،
وفي عادة الفقراء الذين يريدون الخلاص من فم يأكل ألا يشترطوا أموراً تعجيزية، يهرب بسببها الخاطب وأهله، والواقع أن المهور
لم تكن في مستوى مهور هذه الأيام حيث الضائقة الاقتصادية وغلاء المهور سبب في إعراض الشبان عن الزواج.
إذا تم الاتفاق على المهر، تعقد اجتماعات عديدة بين أسرتي العريس والعروس للاتفاق على الإجراءات لتحقيق الزواج،
ومنها إخراج «الأذنامة» – «عقد الزواج بلغة مطلع القرن الماضي» وعلى الخاطب وأهله استصدارها.
ويبدأ الأهل بإعداد أنفسهم للاحتفالات التي تقام بمناسبة الزواج، فالرجال يشترون القنابيز والشراويل وأغطية
الرأس كالطرابيش التي كانت تلبس جديدة للمناسبة، والنساء ينزلن إلى «المدينة»- السوق التي تباع فيها الأقمشة،
لشراء أقمشة يذهبن بها إلى الخياطات لصنع أثواب خاصة بالمناسبة.

بعد ذلك تشهد العروس وصديقاتها ليلة تسمى «ليلة الحنة»، إذ يجلب العريس إلى بيت عروسه طاسة مزخرفة من النحاس،
تمتلىء بالحناء، فتقوم كبيرة السن من أهل العروس، بنقش كفي وقدمي العروس بالحناء، ويتم ذلك في عملية معقدة،

تربط بها الكفان والقدمان برباط بعد أن توضع عجينة الحناء فيها، مشفوعة بزغاريد الصديقات، وتنام العروس بهذه الأربطة،
وتنزع في الصباح، لتجد العروس أنها صارت محناة، وكان مقياس الجمال في مطلع القرن الماضي أن تحنى العروس.
وقد يسمح للعريس بعد ليلة الحناء بمشاهدة عروسه مع أمها وقريباتها اللواتي تفرض الخطبة الجديدة أن يكشفن عن وجوهههن أمامه،
وهذا يتوقف على ثقافة أهل العروس، الميسورين ووالدها بالذات، لكن الطبقات الفقيرة كانت تتمسك بألا يرى العريس عروسه إلا ليلة العرس والدخلة
، فقد يحدث ما يقلب المنقلة، كما قال لي معمر فقير.

بعد ليلة الحنة، يتفق أهل العروس مع صاحب حمام في الحي على استئجار حمامه ساعات بعد ظهر أحد الأيام «من بابه إلى محرابه» كما يقولون
، لتستحم العروس مع قريباتها وصديقاتها، «إذ لم تكن حمامات المنازل قد عرفت»، يقوم بمثل هذا الاتفاق الميسورون، أما الفقراء
فتذهب نساؤهم إلى الحمام دون استئجاره كله، لكن في الحالتين، يقوم العريس بإرسال سفرة جيدة مملوءة بالمآكل التي تؤكل في الحمام،
وفي الحمام تعنى المليّفة، والمكيّسة والبلّانة بواجبهن في تحميم العروس، وإلباسها ثياباً جديدة، اشتريت من ضمن «لبس البدن»
الذي اتفق عليه، وتخرج النسوة المرافقات للعروس من الحمام، ويصاحبهن رجال من الأسرة، خوفاً عليهن حتى باب البيت.

في التلبيسة يجتمع أصحاب العريس في بيت أحدهم أو بيت قريب له، لتتم حلاقة شعره وذقنه، وإلباسه الشروال والميتان والطربوش الجديدة «إذ لم يكن شائعاً في مطلع القرن الماضي ارتداء البزات الغربية إلا قليلاً» وقد يأتي الأصحاب إلى التلبيسة بعراضة، وقد يتم اللعب بالسيف والترس أمام باب البيت، ويهتف الأصحاب هتافات طريفة، من نوع «شن كليلة شن كليلة.. الله يعينه على هالليلة»، ولا يخلو الأمر من مزاح الأصحاب بشكه بالدبابيس، عندما يلبس قنبازه أو ثيابه المخصصة لهذا اليوم الهام في حياته.

أما العرس، فكانت له ظروفه الخاصة، كان الميسورون يبذخون في إقامة الأعراس، ويبدأ البذخ بوسيلة النقل التي تحمل العروس إلى بيت الزوجية، وكانت الحناطير التي تجرها الخيول وسيلة الركوب الوحيدة والفخمة، وكانت سلسلة من الحناطير المملوكة المستأجرة تحمل العروس وقريباتها إلى بيت الأسرة الجديدة التي ستنتسب إليها، فإذا وصلت العروس إلى البيت الجديد، نزلت بثوب العرس الأبيض وبالطرحة المزينة الموجودة على رأسها، لتتلقى عند باب البيت أول حركة تبشرها بأنها تدخل عالماً جديداً، ويتجلى ذلك في دلق كمية من الملبّس على رأسها، ليسارع الصغار إلى لمّ حبات الملبس، وتدخل العروس لتجلس على «الأسكي» المزين بالورود «وهو مستأجر من سوق البزورية لمثل هذه المناسبة» في حين تطلق النساء الزغاريد وكانت تسمى بالعامية «الزلاغيط».
ومن هذه الزغاريد التي تبرع بها النسوة، وما زلن إلى اليوم، زغرودتان ذكرهما معمر أمامي فسجلتهما.
الزغرودة الأولى، وكانت تقال عند دخول العريس إلى محشر النساء هذا، وما يسببه من حرج وخجل وحياء له:

أوها زقزق العصفور لانفلق
أوها بين الدوالي والورق
أوها يا محلا فوتة العريس
أوها وشو مكلل بالعرق
لولولوليش
وكانت الزغرودة الثانية من نصيب أهل العروس، وهي لوصف جمالها، تهتف بها إحدى المرددات:
أوها يا صحن رز بحليب
أوها وكل ما برد بيطيب
أوها ونحنا الأهلية
أوها وما في حدا غريب
وتجيب الصبايا بـ «لولولوليش».

كانت الفرحة تعم، وجميع النسوة ينظرن إلى العريس وخجله وحركاته، وما سيتصرف به في جلوسه لأول مرة أمام عروسه على الأسكي، وكان بين النساء من يغطين رؤوسهن ووجوههن، لأن العريس غريب، ويجب ألا يراهن متبرجات.
الكثير من التقاليد أصبحت الآن منسية, ومقتصرة على بعض العائلات المحافظة من فئات اجتماعية بسيطة, وإذا كان العريس من عائلة غنية تعلن الحفلات في أحد الفنادق الكبيرة أو في صالة أفراح.

يقول مصطفى/ الشاب المقبل على الزواج: “أريد أن أفرح أبي وأمي وأعيد لهم ذكريات الماضي، وتقاليده القديمة، عبر إقامة فرح على النظام القديم، فمهما حاول الإنسان أن يغير تقاليده يظل “العود يحن على قشره”.

بالمقابل يرى أنس أن هذه التقاليد قديمة خالية من أجواء الفرح والسعادة، فهو يحب أن يكون عرسه مختلطاً في صالة يحضرها الجانبين، مضيفاً: “في عرسي سأحضر مغني أو مغنية, ولا بد من قالب حلوى، ذي سبع طوابق، الذي أصبح اليوم من أساسيات العرس، ولا معنى للعرس دونه.
ستار تايمز _

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.