عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (2)

مضيت خمسة أيام من دون مأكل أو مشرب _ وكان جسمي ذلك بكثير قد ضربه الهزال، ولم أعد أقوى على الوقوف.

علي أبو دهن

علي أبو الدهن ..ذكريات من تدمر وأخواته
باب الهجرة الى الجحيم..من بيروت إلى السويداء

سمعته يقول أرقاما ويفتح الأبواب قائلا: كل واحد بس ناديه برقمه بيضهر من دون غلط يا ساقطين، يا أحلى عرصات.علمت حينها أنني لست وحيداً بل لي رفاق ورفاق. لم آكل، حتى إنني أضعت مكانها في عتة الغرفة أو في عتمة حياتي. فتح بابي ونادى 6 أجبت مثل الباقين من السجناء: حاضر. قال: يلا إلى الحمام راسك بالأرض ممنوع تحكي؛ معك دقيقتين بتخلص وبترجع لغرفتك.

مفهوم ولا لأ؟ نعم.
لم أدر كم مر علي من الوقت ولكن رغم ألمي غفوت.
فتح الباب وقال الشرطي: 6 يلا إيديك خلف ظهرك، كبلني ووضع عصابة على عيني واقتادني إلى المكان نفسه الذي تركته محمولا، من ساعات قليلة، عاد الصوت نفسه صائحا: شو رح تحكي؟
– أجبت بالنفي.
– أجاب بالعذاب والضرب.
عذبوني بالكرسي في اليوم التالي أيضاً، وجلدوا ظهري وكتفي بكابل كهربائي بأربعة أطراف، ويسمى كابلا رباعيا. وكما المرة الأولى عدت إلى غرفتي ربما محمولا أو مجرجرا في الحقيقة، لا أدري. لم أع كيف!
منعوا عني النوم، إذ كنت كلما غفوت، ضرب الحرس باب الزنزانة بأرجلكم ثم يرمون علي ماء… عبثا أحضروا لي الطعام… حاولت إدخال لقمة في فمي ملم أفلح وكيف يمكن معذبا أن يأكل؟

استمر التعذيب في شكل يومي، لم أرتح إلا عندما يتعب المحقق… بعد إسبوع أكثر أو أقل، ( لكثرة التعذيب وقلة النوم والاكل نسي عدد الأيام التي أمضيتها إلى الأن )، قال متعاليا: أنا بعرف كيف بخليك تحكي، جيب الكهربا ياحرس… وجاء دور الكهرباء… فارتجفت… قبل البدء بالتعذيب.

ياويل… وضعوني في كرسي حديد وألصقوا بها طاولة. لم أشعر حينها بأي قلق… فكوا القيد الذي كبل يدي وراء ظهري، ثم أمروني بوضعهما على الطاولة، وربطوا كل يد على حدة.

كنت معصوب العينين، لكنني أحسست بأنهم يلصقون قطعة ما على جفني وفي أذني وخاصرتي، وتحت إبطي وعلى إحدى أصابعي، ثم أمروني بأخذ نفس عميق. هزت صاعقة كياني، فصرخت كمن يعاين الموت… أعادوا تعذيبي بالكهرباء مرات عدة، وكانوا بين الصعقة والأخرى يسألون: شو؟ قابلته ولا لا؟
-لا…!
لم أعرف عما يتحدثون، وإلى مقابلة يشيرون. أمر المحقق الشرطي بتغييرالشحنات الكهربائية، فوضع الشريط اللاصق على عضوي التناسلي… وصعقني مرة ثانية، وأغمى علي. لم أدر كيف عدت إلى الزنزانة، (كالعادة)، ولم أذكر ما إذا كنت ذهبت إليها بمفردي أو بمساعدة أحد… هكذا، مرت أيام لم أعرف أولها من آخرها، وأنا محروم من لذة النوم. آكل القليل القليل، جرح بلعومي من كثرة الصراخ وقلة الشرب، تركوني لفترة من دون تحقيق، ظننت أنني قد ربحت المعركة ضدهم، وربما قد يخلى سبيلي وأعود إلى بلدي الحبيب لبنان… خاب ظني وهاهم يرسلون بعدها بطلبي إلى مكتب المحقق. وماهي إلا ثوانحتى صاح بي:
ياحمار ليش حابب تتعذب وتعذب أهلك؟ وصلتنا رسالة بأنك قبلته، وإذا بدك منفرجيك…!

أقابل من…فرجيني .
رح فرجيك نجوم الظهريامني..ك
دوامة جنون لم أفهم منها شيئا…
استمر التعذيب شهرين كاملين، فقدت فيهما أكثر من 20 كلغ من وزني وفقدت التركيز والقوة، ودخل اليأس قلبي ليحل مكان الأمل. ولكثرة ماذكر المحقق وقال ووعدني بأني إذا تجاوبت معه واعترفت بأنني أتعامل مع جيش لبنان الجنوبي، فإنه سيخلي سبيلي ويكرمني ويعاملني معاملة حسنة ويبعد بذلك الضرب والأذى عني…
لسوء الحظ صدقته فاضطررت إلى الاعتراف مكرها بذنب لم ارتكبه. لقد وقعت اسمي على ورقة بيضاء، قلت له: اكتب مايحلو لك. لم أعد قادراعلى التحمل أبدا. تركني المحقق لبضعة أيام من دون أن يسأل عني وحتى الحرس لم يؤذوني. لذلك،استعدت بعضا من قدرتي وقوتي مادفعني إلى طلب المحقق وإنكار ماكنت قد اعترفت به مكرها.

قال لي: ولاه، شو مفكر نحن وياك عم نلعب برتية طاولة… بدي وما بدي. اعترافاتك وصلت يعني لعند العميد… صحيح إنك موو هين يا عرصة
أنا اعترفت بشيء لم أفعله وكان تحت تأثير الضرب والتعذيب.
ولاه، نحن عذبناك؟! موو عيب عليك تكذب يا سيد علي؟! قالها بسخرية وضحك.
لم أدر لماذا أثارت ضحكته غضبي وأعطتني شحنة من القوة والتحدي ما دفعني للقول ثانية له: لولا
التعذيب لما اعترفت لك بذلك، يعني أن اعترافي أخذ مني بالقوة وهو باطل وفق القانون.
لذلك، إنني أنكر كل الاعترافات وسأنكرها أمام حضرة القاضي .
يا عرصة، إذا لحقت وشفت قاضي حينها أنكر… وصاح بغيظ للحرس ولاه نيك أمو، اسلخ جلده، ورجعه لزنزانته وكما يقول المثل عندنا: {{ ما توصي حريص}} نلت من العقوبة القوية ما لم أكن أتوقعه.

لم أكن أدرك أن الهجيمة يمكن أن تستملك الإنسان لهذه الدرجة،فتطرد منه كل شعور بالمحبة، أو التعاطف مع البشر. وقد عزز اعتقادي الساذج هذا ما سمعته مرة عن بعض المعتقلين في إرلندا الذين كادوا يموتون إثر إضرابهم عن الطعام، أو أن ينالو مطلبهم، لكنهم في نهاية المطاف نالوا حقوقهم .
احترمت آراءهم، وقدرت شجاعتهم. فقررت تحصيل حقي بالسبل الديموقراطية نفسها.

أمضيت خمسة أيام من دون مأكل أو مشرب _ وكان جسمي ذلك بكثير قد ضربه الهزال، ولم أعد أقوى على الوقوف.
واظبت، إذا، على رمي وجبة الفطور في المرحاض لدى خروجي من الزنزانة، ثم فعلت الأمر نفسه مع وجبة الغداء، وعندما يحين وقت العشاء، كنت أقول للحرس إن لدي بعض الفتات من الوجبتين السابقتين.
يذكر أنهم في {{ فرع المنطقة }} كانوا يبدلون الحرس كل ست ساعات، الخامسة فجرا، والحادية عشر قبل الظهر، وهكذا دواليك. لذا، كان كل حارس تحين مناوبته يجهل ما قدمه من سبقه من وجبات، ما أرتاح لي الاستمرار في إضرابي ستة أيام من دون معرفة أحد.
كنت أردد أسماء بناتي وشقائي وشقيقاتي، وأضرع إلى الله كي يغفر لي ذنوبي ويريحني من عذابي، مبديا رغبتي في الموت. قلت محدثا نفسي عن والدتي: سامحيني لكل غلطة إرتكبتها بحقك، لكل هفوة، لكل جواب غير مهذب صدر مني. يا أمي أنا قررت أن أضرب عن الطعام حتى الموت، لو أمكنني لركعت أطلب منك الرحمة، والغفران لأنني أستحقها. ورغبتي في الرحيل عن هذه الدنيا
ليست إلا هربامن ظلم لايحتمل.آه،لو تدرين كم أتألم،لو ترين في أي حال أنا…للعنت المخابرات والمحققين الكلاب الذين لايرحمون ولايعترفون بالله…سامحيني ياأمي،سامحيني،
سامحيني…وتخدرت ولم أعد أحس بشيء.

في اليوم السادس ضربت باب الزنزانة برجلي، فرد الشرطي: شوبدك 6 (1)؟
ورقة وقلما كي أكتب رسالة إلى مدير السجن.
أنا مضرب عن الطعام،وسابقى مضربا حتى الموت، لا أريد أحدا،لا أولادي ولا زوجتي ولا أشقائي وشقيقاتي، أريد الموت، غاب الشرطي لحظات،عاد بعدها يرافقه طبيب السجن والمساعد المسؤول.
ليش عملت هيك يا 6؟ يا أبن الشرم…!جبتلي بهدلة كبيرة من العقيد… ياحقير… بدي خليهن يني…!
كنت لا أزال مرميا على الأرض،فحاول الشرطي ان يرفسني.عندما تيقن أن لم يعد بإمكاني الوفوف لشدة الارتعاش، أدخل كرسيا إلى الزنزانة وأجلسني. شرع الطبيب يفحصني، ففتح فمي وأخرج لساني المتشقق، ثم عاين شفتي وحلقي المطبق،حيث يخرج الكلام ويجرح مكانه…فقال الطبيب:
شوف يا6،اسمع مني.أنا مو عسكري.أناعندي رسالة إنسانية يجب أن أقدمها…رح اطلب يجيبولك
حليب،وبيض مسلوق لمدة عشرة أيام،فتأخذ كل يوم ثلاث قناني حليب وثلاث بيضات،وبوعدك إنو بطلب من العقيد يساعدك،بس وعدني انك بتوقف الإضراب.

(1) سميت {{6}} تيمنا برقم الزنزانة التي سجنت فيها طوال فترة التحقيق في فرع المنطقة.

لا، أنا بدي ثلاجة أو أربعة أيام وبموت. ماأضربت حتى بطل… تدخل الشرطي المناوب:
الله إذا عرف العقيد ولاه بيقتلك!شو مفكرحالك أحسن من غيرك؟ متل طي… إنت ولبنان! ولاه اسمع مني الرسالة بعدهامعي ماأرسلتها للعقيد! تراجع فوت على غرفتك، بوعدك بحسنلك ظروفك، بسمحلك تتمشى بالممر كل يوم 10دقايق. بشرفي بوعدك. وهذا الوعد يعني الكثير للموقوف، يعني أن يشرب سجائر مع القهوة أوالشاي الساخن، أن يبقى خارج زنزانته لمدة غير قصيرة؛(وهذا ماكان يحدث للمساجين المخبرين عن رفاقهم). رفضت.
فقال الطبيب:
خسرت يا6.شوف شو رح يصير معك،إذا فيك تتحمل بتكون بطل!ولك أنا صرلي سنة هون طبب أمثالك، كلمة لله، تراجع عن الإضراب فقط لمصلحتك.
لقد اتكلت على الله وهو المعين والمخلص، سيكون إلى جانبي حتى النهاية. قال الضابط: معك كل الحق، ولكن الله لايدخل هناوإلا لما وجدتني أمامك. هنا فقط للإستخبارات.ولاه، رح تشوف نجوم الضهر.

يتبع..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.