عائد من جهنّم

عندما عدت الى حاصبيا؛ انتظرني الأهل. وكنت أتحرق للقاء لن يتم بيني وبين والدتي الحبيبة التي رحلت بحرقة الأم التي سلبوها ولدها

1٬700

بقلم: علي أبو دهن
ذكريات من تدمر واخواته

باب الهجرة الى الجحيم:
من بيروت الى السويداء

——161——

قلت لها: الحمد لله الآن أنا بألف خير كيف لو رأيتني من عشر سنين آآآآآآآآآآآآه كنت وقعت وما قمت… الباب يدق. يلا ماما. كان صوت بنتي هيام ووسام. وصلوا مع أولادهم من حاصبيا.
وبسرعة لبست وعاودنا البكاء من جديد. هيام هي البنت الكبيرة وبعدها وسام وهبة وندى  ونانسي وحبيب قلبي وليد المسافر إلى أستراليا… تعرفت على أحفادي كانوا أربعة.
شو بتاكل؟ شو رأيك بعروس لبنة مع زيتون وخبز صاج؟ وافقت و أكلت أنا وأولادي و أحفادي وشربنا الشاي ورحنا للنوم، الكل يريد أن ينام بقربي تمددت بالنصف وهن يغمرنني. ناموا جميعا إلا أنا وزوجتي التي كانت من فوق البنات تملس رأسي وكانت ليلتي الأولى في البيت…
بعد خروجي من السجن، ذهبت إلى المستشفى لأتفقد حالتي الصحية، ولقيت في مستشفى عين زين معاملة جيدة، بل ممتازة، بخاصة بعدما علم الأطباء أنني كنت في سورية، لم أكن لأحسد على وضعي الصحي، إذ بقي في أذني أثر مروع للضرب، وما حمل جسدي وما تحملت أطرافي
التي تبين أن قسما منها أصيب بعطل ككتفي ورسغي.
مكثت في المستشفى ثلاثة أيام كانت طويلة جدا ومزعجة بشكل كبير لمن لم يتعود بعد الضجة والصوت القوي وعجقة الناس والتساؤلات عن العذاب والتعذيب والضرب، وكل فرد يريد أن يكون الحديث موجها إليه لا إلى غيره. أتى أشخاص من طرابلس إلى مستشفى عين وزين
لا لزيارتي،
——162——
بل ليسألوا عن ابن لهم مخطوف في سورية وحذا حذوهم آخرون، ما اضطر إدارة المستشفى إلى أن تضع شخصا على الباب يمنع الدخول. فكان للأطباء الكرام حصة بالسؤال والاستفسار عن كل صغيرة وكبيرة حصلت لي في سورية.
وبالمقابل امتلأت الغرفة بالزهور والحلويات المهداة من أناس لا أعرفهم. فشكرا لهم وعذرا لهم على ما صدر مني.
بعد الفحوصات العامة وسلة من الدواء قررت إدارة المستشفى تركي حرا.
عدت إلى حاصبيا حيث انتظرني الأهل. وكنت أتحرق للقاء لن يتم بيني وبين والدتي الحبيبة التي رحلت بحرقة الأم التي سلبوها ولدها. ماتت واسمي على شفتيها الطاهرتين. وكم تمنيت لو يسعني تقبيل قدميها لألتمس السماح على غيابي القسري الذي حطم فؤادها. أمي الحبيبة،
التي ذهبت عن دنيانا قبل خمسة أشهر من عودتي إليها، خمسة أشهر لا غير.
وصلت حاصبيا ولم يكن في نيتي دخول المنزل قبل زيارة إلى خلوات البياضة. وعندما عدت قبلت حجارة البيت علني أحس بحرارة والدتي. طلبت السماح وتوسلت، ويقيني أنني لن أعرف راحة في الحرية بعد رحيل أمي. فتشت عنها في زوايا البيت، حقا فعلت! وغمرتني الذكريات
الطيبة للزوايا الدافئة حيث كانت تحضننا وتطعمنا.
لم أعرف على من أسلم ولا كيف أتوجه.
——163——
وقد سمعت أحدهم يقول: ليك يا حرام كيف ضايع مش عارف يروح شمالا ولا يمين. فكان أول انطباع عني بعد ثلاثة عشر عاما من السجن، أنني مجنون.
تضايقت من عجقة الناس وزحمتهم، وقد زاد معاناتي قلة النوم وتعب الأعصاب. فحضتني زوجتي على العودة إلى بيروت وحدي علني أجد بعض الراحة والسكينة، ففعلت.
وصل شقيقي من السفر بعد إطلاقي بأسبوع. قبلت يده، وهو الأخ الأكبر، عربون محبة وتقدير لما بذل من جهود للحفاظ على عائلتي. فأخبرني عن عذاباته وما تكبد من عناء ليصل إلي، تلاشت معها شيئا فشيئا آلام الملامة والحزن لتلامس التعاطف، فقد عرفت ما له من معارف
وصلات حميدة داخل سورية، ومع ذلك لم يزرني يوما. فهمت بعدها أنه طرق باب الجميع من وزير الدفاع اللبناني السيد محسن دلول الذي حمله رسالة إلى آمر السجن في تدمر، إلى مصطفى طلاس فعبد الحليم خدام، ورؤساء المخابرات في سورية. أما رئيس فرع التحقيق كمال يوسف
فلم يجد اسمي في لوائح المسلخ، وكيف يفعل إذا كنا كلنا مدرجين على شكل أرقام؟!
ولائحة النفي والتهرب تطول، فيما قصرت من عمري ومر أهلي ممهدة الطريق أمام فصول لا تنتهي من الخيبة والقهر.

ومرة قابل عقيدا في فرع فلسطين ويدعى منير الأبرص. وقبل أن يراه رمى به جندي في أحد المكاتب ومنعه من الحراك مدعيا أنها الأوامر. وبعد ثلاث ساعات من التوقيف جاء العقيد متأسفالتصرف الجندي، ثم فسر لأخي أنه لن يتمكن من زيارتي.
——164——
وأخبرني كيف أوقفته هو وشقيقتي المخابرات السورية على حاجز كفرمشكي وهي ضيعة لبنانية كان يقع ضمنها الحاجز الأول للاستخبارات بعد الحاجز الإسرائيلي. وساقوهما إلى عنجر فدولبوه وهددوا بالمس بشرف أختي بعد أن أوسعوهما ضربا. رموا بهما في زنزانة في عنجر.
ولم يفرج عنهما إلا بعد تدخلات سياسية ومرجع ديني كبير.
مرة أخرى، لعنة الله عليهم…
——————————– “النهاية” ———————-

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.