عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (4)

مضى على وجودي في السجن الإنفرادي أكثر من سبعة أشهر عندما بدأت ثيابي بالاهتراء.
ولشدة الضرب والتعذيب بالدولاب.

علي أبو دهن

ذكريات من تدمر واخواته
باب الهجرة الى الجحيم:
من بيروت الى السويداء

فإذا به يطلق سراح نظري، ويهم بالرحيل. فصحت:
ياسيد! الكلبجة ما فكيتها!
-بدها ترافقك للقبر إن شاء الله ي13. اخرس ولاتنطق بحرف! هذه هي الأوامر، فهمت؟ وإلا بتعرف شو بصير!
فكرت أنه سينزع الأصفاد عن العشاء:
– معك 10 دقائق لتأكل وتقضي حاجتك، وبعدها بترجع الكلبجة.
– ليش؟
– لأنك ابن…!
لم آكل عدت من الحمام من الزنزانة، وكانت يداي متيبستين خصوصا عند منطقة الكتف. فقررت
أن أختبر قدرتي على التحمل علني أفوز هذه المرة.
مرت الأيام بطيئة موجعة أجلس القرفصاء أو أقف أو أمشي قليلا متكئا على الحائط، أو لأقل على
رفيقي الدائم الذي سند وصاحب آلاف السجناء قبلي ولم يخن أو يترك أحدا. في اليوم السادس
غلبني الألم وتيبست كتفاي. لم تشف كتفي اليمنى بعد من ضربة عصا تلقيتها في بداية التحقيق في
فرع المسلخ. قرعت الباب برجلي ورأسي.
– مين بدق ولاه؟
– 13
– شو بااااك؟
– بدي المحقق…

– لحظة ولاه!
غاب الشرطي نحو خمس دقائق ثم عاد ومعه المناوب المساعد…
– شو في 13؟
– أريد مقابلة العقيد.
– إنه في إجازة، ومابيرجع قبل الأسبوع المقبل. مافينا نعمل شي قبل عودته! ماتدق الباب.
ماتزعجنا أحلى مانزعجك… رح تبقى على هالحالة حتى يرجع.
– كيف؟ عندي كلام بدي قوله!
– بس يرجع. بقيت على حالي أتلوى وأتألم. لم أعد آكل إلا القليل القليل أي بمعدل وجبة واحدة كل
يومين. كنت قد فقدت من وزني نحو الثلث أي مايقارب 30 كلغ. وكان معتقلا في الزنزانة المقابلة
شخص لبناني أرمني، وهو الآخر معلق بسقف زنزانته بأصفاده، ورجلاه لاتزالان تطآن الأرض:
– 13…؟
– مين؟
– أنا 17…
– نعم!
– حبي، كل، شد حالك لتصمد! قوي جسمك وإلا بتفرط، وبتصير تحكي شي شمال شي يمين. هني
بدن هيك… وأنا صار في هيك. أنا من برج حمود، بعرفك لبناني…

– من وين من برج حمود؟
– جنب مقر حزب الطاشناق. بتعرف حدا من هونيك؟
– بعرف كتير. بس مابتذكر اسم العائلة. أنا من الداكونة. ساكن جنب النافعة. جيراني كلهن أرمن
تقريبا مثل ساكو اللحام، أرتين النجار، أبو ساكو عندو محل في شارع أراكس…
وفجأة سعل أحد المساجين في زنزانته مشيرا إلى مجيء أحدهم، فسكتنا.
فكرت بما قاله ووجدته محقا. عندما جاءني الطعام أكلته، وكان مؤلفا من قطعة بطاطا ورغيف خبز.
بدأت أشعر بأنني أقوى… أقله نفسيا. مرت الأيام بطيئة، وأنا مكبل، لايخف ألمي إلا لثلاثين دقيقة
مقسطة على ثلاث مراحل في اليوم الواحد: عشر دقائق للفطور، ثم للغداء والعشاء. وأحيانا كان
يشفق علي أحد السجانين، أذكر اسمه سكر فيتركني حرا خلال نوبته كي أغسل له بذلته الرياضيةأو
بيجامته المهترئة، كنت افعل ذلك فقط كي يريح يدي من الأصفاد دقائق معدودات، إلى حين انتهائه
من إخراج باقي المساجين لقضاء الحاجة، فأنعم بيدين مطلقتين متألمتين.
في اليوم الثاني عشر أحسست بالشلل يمتد من كتفي إلى يدي اليمنى، فشرعت أصرخ وأبكي حتى
أتى الشرطي المناوب وطلب الطبيب، الذي بدوره عالجني بإبرة مهدئة… نمت ((محررا)) في
سجني حتى صباح اليوم التالي، التاريخ المفترض لعودة المحقق.

قبل موعد الغداء فتح الباب وعصب آمر الزنزانة عيني واقتادني إلى أعلى، حيث مكتب المحقق. جلس الأخير على الكرسي المقابل وسألني:
– هات شو بدك؟ شو عندك؟
أنا ماعندي شي.
– ليش طلبتني؟
– لم أعد أحتمل، تيبست يدي اليمنى،لم يعد بإمكاني تحريكها.
– بدك تعترف أو لا؟
– بأمرك سيدي. عطيني ورقة بيضا لأبصم…
كررت الاعتراف السابق نفسه لدى محقق فرع المسلخ. فقال المحقق متعاليا لاتستطيع الإنكار بتاتا
لأنك اعترفت م
ن دون إكراه أو ضرب أو تعذيب.
وهذا ماحصل.
فك القيد عن يدي وأعادني إلى ظلمة السجن الإفرادي. فبدأت ببعض التمارين لأعيد حركة الدم إلى
ذراعي وكتفي… ولازلت عاجزا حتى اليوم عن تحريكها بصورة جيدة.
بعد ذلك بشهرين تحدثت إلى الأرمني، ولسوء حظي، كان الشرطي يختلس السمع من دون أن
نشعر بوجوده… فنادى المناوب. قاما بجلدي وضربي وتعليقي في مدخل الزنزانات من يدي اليمنى
إلى أن انفصل معصمي عن زراعي…
أنزلوني ولم أنبس ببنت شفة.

مازالت يدي معطوبة إلى الآن. أما الأرمني فلم يعاقب لأنه كان يسمع من دون أن يتكلم، وفق
تبريرات الشرطي. لم أعد أعرف شيئا عن صديقي الأرمني، والله وحده يعلم ماحل به.
قضيت معظم الوقت في الزنزانة أمارس تمارين رياضية، لاسيما المشي. كيف؟
يبلغ طول الزنزانة، كما ذكرت، 190سنتيمترا. كنت أمشي يوميا 3 كيلو مترات: 1580 مرة
ذهابا وإيابا، حتى تلامس كتفي الحائط ثم أعود إلى الباب، على أن أقوم بعدها ب50 مرة بتمارين
السواعد ثم تمارين شد المعدة.
حاولت أيضا ممارسة اليوغا، رغم جهلي التام بهذه الرياضة الروحية، فأحاول التربع واضعا يدي
على ركبتي، وأركز على رأس أنفي محاولا رؤيته في الظلمة، وآخذنفسا عميقا وأكرر العملية.
أحيانا كنت أتمدد بما تيسر، وأرفع رجلي لأقف على رأسي. كان الأهم أن يمر الوقت… كيفما كان.

قصة الخيط والإبرة
مضى على وجودي في السجن الإنفرادي أكثر من سبعة أشهر عندما بدأت ثيابي بالاهتراء.
ولشدة الضرب والتعذيب بالدولاب.

يتبع..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.