من كتاب عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (19)

94

باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء
ذكريات من تدمر واخواته

——94——

تنغلق العين تتورم على الفور وفي اليوم التالي حين يطمئن السجين بأنه مصاب فيفلت من العقاب يسأله الرقيب: ليك شو بها عينك؟ فيجيبه أنه وقع في الحمام. يقول الرقيب: عل راسك شوي. يمتثل السجين للأوامر. ومن دون سابق إنذار يأتيه الكرباج التالي من الجهة اليمنى ليلتف على عينه اليسرى وبهذا تتورم العين الثانية. وتبقى مغلقة مدة 12 يوما… أقولها لأنها حصلت معي مرة واحدة لعيني الاثنتين، ومرات عدة لعين واحدة. بعدها تفتح العين المحمية من الله وهو القادر الشافي. أو لعبة الهرم وهي سريعة لكنها مؤذية. يطلب العسكري من السجين المعاقب أن ينام على بطنه ويفتح ذراعيه. ينبطح الثاني بشكل صليب فوق رفيقه والثالث يأخذ وضعية الأول والرابع وضعية الثاني وهكذا حتى العاشر. وبذلك يصبح الضغط فقط على الصدر والمعدة.

والأشد أذى طبعا هو الأول. ووفق الهرم تخف العقوبة… مرات عدة حدثت هذه العملية، أي الهرم، ونجا واحد فقط من دون كسر في ضلوعه. يبقى كسير الضلع خمسة أشهر ليشفى منه، هذا إذا نجا من ركلة عليه أو دولاب. أليس الله هو الشافي؟!
هذا جزء بسيط من عذاب التنفس أو التشميس إذا جاز المعنى. بالله لو كنت مكاني هل تريد تنفسا كهذا؟ هل كنت تحبه وتنتظره؟ أم كنت تلعن فصل الربيع والصيف كله؟! أترك الحكم لك.
لذلك كنا نكرهه ونخاف منه. تبدأ فترة التنفس على النحو الآتي.

——95—–

يصرخ الرقيب قبل فتح الباب: باحة، جهز حالك. تنفس.
الباحة تعني الغرف التسع. في هذه الباحة يقول مهجع 8 جهز ماء لرش الباحة. فورا يكون عشرة مساجين، كل واحد منهم بيده غالون ماء سعة 20 ليترا واقفا على أهبة الاستعداد مثل الإطفائيين.
يفتح الباب، ويأمر: الجميع برا. يركض كل واحد إلى غالونه ويقفون جنبا إلى جنب مطأطئي الرؤوس، عيونهم شبه مغلقة ويسمح لهم فقط برؤية الأرض وحذاء الرقيب. يأمرهم بالانطلاق فيبدأ رش الماء يمنة ويسرة، الأرض غير مستوية، وهي من الباطون. لكن، من كثرة الوحشية والضرب وعشرات آلاف المساجين، وقدم العمار، تفسخ الباطون واهترأ فأصبحت الباحة محفرة بعض الأماكن فيها حفرة كبيرة تعبأ بالماء وتخلط بالتراب فتصبح موحلة وفيها حصى كبيرة وصغيرة.

بعد رش الماء يأمرنا بالخروج. وكما ذكرت سابقا، نجلس على الأرض، تتسخ ثيابنا وتهترئ من الحفر. وإذا أراد أن يتسلى الرقيب يأمر أحد المساجين بشرب الماء الموحل من الحفرة أو يقلد الحمار كيف يتمرغ على الأرض، وكثيرا ماكان يسأل أو يطلب من أحدنا أن يقلد القرد أو الكلب أو الهرأو البغل، وإذا رفض يعاقب. وكنا في هذه الحال، ونحن نعرف بعضنا بعضا، نطلب من المقلد أن يأتي وهنا تكون لحظات سعيدة لحين انتهائه من التقليد، نضحك ولكن بصمت… مرة طلب من مجنون كان معنا أن يقلد غوار الطوشي، دريد لحام، قلده جيدا وقبل أن ينتهي قال المقلد بلسان غوار: ياحافظ، ( ويعني الرئيس حافظ الأسد )، ليش معتقل هالشباب استحي على شرفك وأخل سبيلهم مو حرام عليك؟

——96——

صارلن عشر سنين مو شايفين أهلن، يلا خييو انطق هالكلمة! فصرخ الرقيب بصوت مرتجف: الجميع وقوف، إلى الوراء در، إلى المهاجع. و بسرعة دخلنا… وربما كانت
من المرات القليلة التي ندخل فيها دون عقوبة أي دون كابلات على ظهورنا أو ركلات على مؤخراتنا؟ ( طبعا الرقيب خاف من العقوبة، لا يسمح له حتى بالكلام مع المساجين فكيف بذلك؟!).
وفاة الموقوف اللبناني حسن هوشر

وعن وفاة حسن هوشر أخبركم ما يأتي:
كانت الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان المبارك، أي ليلة القدر، أي أن المسلمين المؤمنين منهم يطلبون من الله كل ماينقصهم والله سميع مجيب، ونحن طلبنا الطلب الوحيد وهو إخراجنا وتخليصنا من بين أيدي الشرطة السورية، و إبعاد الظلم والضرب والعقوبة اللا إنسانية الحاطة بالكرامة، وإعادتنا إلى بلادنا وعيالنا فقط. معظم المساجين في المهجع من المسلمين صائمون… بينهم صديقي حسن.
إفطارنا كان مؤلفا من شاي بارد من الصباح وملعقة من اللبنة ونصف فنجان من المرقة الحمراء وبرغل بارد، المهم بارك الله لنا بهذا الأكل وأصيب حسن بإسهال شديد. وبعد قرابة الساعتين تبع الإسهال إعياء مريع. عند الثانية صباحا اشتد المرض على حسن، فقرع المسؤول الصحي الباب مطالبا بحضور طبيب مختص. بعد محاولة إسعافه وفق خبرته القليلة وهو سجين متطوع بالصليب الأحمر اللبناني.

——97——

لم يعرف كيف يعالج الموقف. ونحن نيام نخشى التحرك مخافة التعليم.
قرع المسؤول الصحي ثانية فأتى الرقيب:
– شو في ولاه مني…؟
– عندي حالة قيء و إسهال شديد وبدنا طبيب.
– كول خ… ولاه! لأي… يموت! بس بتدق الباب لمن يموت. وذهب.
بعد برهة دق الباب مرة ثانية فأتى الرقيب بنفسه:
– ليك من…إنت رقمك 1 ورئيس المهجع 2، الشرم… المريض رقمه 3، الصبح بفرجيكم.
للمرة الأولى في تاريخ تدمر تشجع سجين فقرع الباب ثالثة. كانت الساعة الرابعة تقريبا.
– شو في مناي…؟
فأجبته:
– نريد كيس مصل لأن المريض فقد كل الماء بجسمه وبدأت عيناه تضيقان.
– رقمك 4! لمن يموت بتدقوا الباب.
الخوف الهلع شلا تفكيرنا، منا من قال ارفعوا رجليه إلى أعلى لينزل الدم إلى رأسه، ومنا من قال افركو رجليه ورأسه، ورفيقنا حسن يتلوى غائبا في دنيا أخرى، مر علينا الزمن ببطء. روحه بين أيدينا لانستطيع مساعدتها، ولا يوجد لدينا إبرة لننقل له الدم.

——98——

صلينا له جميعا باكين عليه وعلينا، فإن لم يتدخل القدر ويوقف هذه المسخرة فهو السابق ونحن اللاحقون. قرعت الباب مثنى وثلاث، وكان الجواب من الشرطي الحقير نفسه.<< ليمت حفظ أير…>>.
لم تطل الحال برفيقنا حسن ففارق الحياة… وكانت الساعة تشير إلى3:45 دقيقة صباحا.
قرعنا الباب فأتى رقيب آخر.
– شو فيه ولاه؟
– المريض مات.
– حفظ أي…! عقبال الجميع! ناموا الصبح منشوف. أما حسن المسكين، رحمه الله، فصلينا على جثمانه ليلا وغسلناه على الطريقة الشرعية.
كانت المرة الأولى التي أشاهد بها كيف يغسل الشهيد وكيف يصلى عليه. وسمعت رفاقي يقولون إنه دخل الجنة، لأنه شهد على روحه وكانت ليلة القدر.
فقط المرحوم رفيقنا حسن نام بهدوء تام. لم يشعر أو يتقلب أو يخف التعليم، ونحن نغسله ونلبسه ثيابه ونكفنه…الجميع قال من تحت غطائه خائفا من المصير نفسه،
منا من فرح لرفيقنا حسن لأنه خرج وتحرر من السجن بالغصب عنهم، ومنا من قال أهله ينتظرون عودته ليفرحوا بزواجه بابنة عمه كما روى لنا، ومن قال اللعنة عليهم وعلى المسؤولين الكلاب الذين يسمحون لعساكر من دون رحمة ومسؤولية، بالتحكم بمصيرنا وحياتنا وقدرنا… لهم الحق إما بموتنا أو بحياتنا! هم القدر! ومن قال متل (ط) اللي بدو يصير يصير…

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.