عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن

بدأت أتذكر الماضي وكأنه لحظات رغم صعوبته وقساوته. كنت هنا منذ 12سنة وثلاثة أشهرأو 147 شهرا أو 4474 يوما وليلة، لقد صدق المرافق.

علي أبو دهن
ذكريات من تدمر واخواته، باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء
——141—–
يجمعوننا، يطعموننا، وبعدها يعصبون عيوننا وينقلوننا، ترى إلى أين؟ لا أحد يعرف، هكذا صار معي منذ 13 سنة، من فرع السويداء إلى فرع المنطقة ( المسلخ )، إلى فرع فلسطين، إلى فرع التحقيق، إلى جهنم سجن تدمر. ومن الأخيرة إلى سجن صيدنايا. والفرق أننا متفائلون! اكتفيت.
بدأت أشعر بالغثيان، وعدت بالذاكرة إلى اليوم الذي أطعموني فيه الصراصير. أسرعت إلى الحمام ولم أدركه. تقيأت، فوسخت ثياب بعض زملائي الجدد. لم أعرف لماذا بدأت حرارتي بالارتفاع. قرعوا الباب، طلبوا الطبيب أخرجوني إلى غرفة ثانية وبعد فحصي أعطاني إبرة ضد التقيؤ. وبنبره لئيمة قال لي المناوب المساعد:
– << ولاه، ما عاد فيك تهدي يومين؟ شوف عيلتك وبعدين الله لا يردك! إنتوا أفرج عنكم وبعد ساعتين ننقلكم إلى فرع فلسطين لتتسلموا أغراضكم وتحلوا عن (…)، وتفلوا من دون رجعة إن شاء الله إلى لبنان >>.
بسحر ساحر، أحسست بحرارتي تنخفض، وتنشطت مثل طرزان، ومن دون أن أدرك كيف أو لماذا، عانقت المساعد المناوب وقبلته، وما إن وصلت إلى الغرفة حتى زففت الخبر السار إلى رفاقي، فعلا التصفيق والصراخ: << جايين يا أرز الجبل جايين، يالبنان دخل ترابك، والدلعونا…>> والبعض شبك يديه للدبكة اللبنانية، فإذا بصوت من الخارج ينهرنا.
اسكتوا ولاه… وعمت الفوضى المطلقة المكان.
——142——
بعد ساعات قليلة، أعادت الشرطة تعداد أسمائنا. كانت الثامنة صباحا عندما أصعدونا إلى الشاحنة، وقد كبلونا مثنى، ومن دون أن يعصبوا أعيننا. انطلقت الرحلة ببطء كما شعرنا ولكن من أنتظر دهرا وشرب بحرا لا يغص بساقية، كما يقول المثل. قال لنا المرافق العسكري بعد الإلحاح وقبض الحلوينة 1000 ليرة سورية، إننا ذاهبون إلى فرع التحقيق العسكري.
بدأت أتذكر الماضي وكأنه لحظات رغم صعوبته وقساوته. كنت هنا منذ 12سنة وثلاثة أشهرأو 147 شهرا أو 4474 يوما وليلة، لقد صدق المرافق.
نقلتنا المحطة الأولى للرحلة إلى فرع التحقيق العسكري، فالغرفة الخامسة التي أرسلتني إلى جحيم تدمر ولعنته، ما زالت هي هي. تذكرت كل شيء، ونقلتني رائحة الجدران إلى سنوات العذاب الطويلة التي انتهت كما بدأت، من دون أن أفهم أو أعرف كيف أو لماذا؟!
بعيد وصولنا فكوا القيود و أنزلونا إلى إحدى الغرف، حيث طلبنا بعض الطعام والشاي، وكان لنا ما أردنا، طبعا بشروط:
– << اطلبوا شو مابدكن، معكن فلوس… في، ما معكن كلوا خ…>>.
كانت الغرفة نتنة الحرامات متسخة جدا، الرطوبة عالية، وكان عددنا كبيرا لغرفة واحدة ( 27 شخصا ). التنفس صعب لا تهوئة ولا من يحزنون، زد على ذلك البرد القارس، إننا في كانون الأول، طالبنا بزودة حرامات. كان الجواب مافييييي.
خبرتنا مع السجانين كبيرة، دفعنا 200 ليرة سورية فورا أتانا الرقيب ومعه 27 حراما.
——142——
أقل وسخا من السابقة، قال أحدنا: شو رأيكم ندفعلو2000 ليرة قولكن بيجبلنا شرمو…؟!
ضحك من دون تعليق. بعدها بقليل أتونا بالأكل. ملأنا بطوننا بما لم نأكله من دهر. سندويشات، سجق، نقانق، شعيبيات، بقلاوة. ونمنا ليلة كما يقال << من دون هز >>.
في مساء اليوم الثاني لوصولنا، في 11 كانون الأول تحديدا، فتح المناوب الباب قائلا:
– << اللي بيطلع اسمو، فورا بيقول اسم امه، تاريخ ولادته ومكانها وبسرعة، عنا شغل غيركن،مفهوم؟ ويجيب أغراضو ويجي: محمد نزار، علي أبو دهن…>>.
لم أسمع بعدها شيئا. كنت الثاني بالأسماء… فقد رأيت ضابطا لبنانيا برتبة نقيب. ابتسمت له فعبس بوجهي ورمقني بازدراء. قال آمرا:
– << حط إيدك ورا ضهرك!>>.
– << مافيي، كتفي مكسور>>.
– << ورا ضهرك وبلا من…>>.
– << قلتلك كتفي مكسور>>، قلتها بنبرة. فما كان منه إلا أن أمسك ذراعي بالقوة، قاومته وتوجهت بكلامي إلى العقيد السوري الذي كان إلى جانبه:
– << سيدي، كتفي بيوجعني، مافيي إتكلبج لورا، شو عليه من قدام؟>>.
——143——-
– << هيدا ابن بلدك، تفاهم معو، ماخصني، أنا سلمتو ياكن >>.
– << إيدك ورا ضهرك أحسنلك >>.
فخضعت وشتمت في قلبي هذا العسكري اللبناني الذي يعاملني بالسوء بعد كل مامررت به، وانتابني القرف. جعلوا على عيني قماشة سميكة من جديد، فأظلمت الدنيا بوجهي أكثر واقتادني جندي من يدي إلى البوسطة: << ارفع إجرك على الدرجة، وطي راسك، امش على مهلك، انتبه، اقعد >>. جلس بقربي. وكان إلى جانب كل سجين شرطي لبناني يراقبه. لم تستغرق حمولة 54 سجينا وقتا طويلا. منعنا من التكلم أو الهمس بانتظار الأمر للمسير.
بعد أن اكتملت حمولتنا، حيث كنا موزعين على ثلاثة << فانات >> قال الضابط المسؤول:
– 3 إنت جاهز؟
– نعم، سيدنا.
– 2 جاهز؟
– نعم، سيدنا جاهزين.
انتبهوا منيح مابدي أي غلطة، فهمتو؟
– نمر، نمر… نعم. انطلق ع مهلك وخليك معي.
– حاضر.
وانطلقنا من الشام…
كانت العصابات على أعيننا تحجب الرؤية تماما. ولكن الذاكرة عادت بي إلى سنوات خلت، وعرفت الشام جيدا. فبدأت أقدر الطريق.
——144——
هنا ينتهي طريق عام مزة، و أخذت الدرب صعودا، ثم توجهت إلى الشرطي الذي كان إلى جانبي فقلت له بصوت عال:
– إيدي اليمين بتوجعني، فكها.
– لحظة…
أتى شرطي آخر وتحسس الأصفاد.
– رخوة، مش شديدة!
– كتفي مكسور، ما فيني إتحمل.
– يلا تحملت كتير، بعد ساعة بتوصل.
– ولوه، فكها إذا بتريد.
وصاح أحد رفاقي:
– إيدو مكسورة، فكولوا الكلبشة.
– يلا رح اتصل بالضابط، على الحدود بتنحل إن شاء الله.
أخفضت رأسي حتى لامس المقعد الأمامي، حيث العصابة التي غطت عيني، ورفعتها بحيث بدأت أرى قليلا. استرقت النظر، فقدرت أن نكون اقتربنا من المصنع، وبدأ قلبي ينبض بسرعة.
سمعنا أبواق السيارات مع اقتراب البوسطة من الخط العسكري على الحدود! ورأيت المطر!
الأهالي! والسيارات بالعشرات تنتظرنا! أضواء تومض! وبدأنا نصرخ:
– وقفوا! بدنا نشوف أهلنا! فكوا الكلبشات! بسرعة! شو نحنا يهود؟!
– ما فيكن تمنعونا من شوفة أهالينا! نحن مش يهود ولا مجرمين ولا حرامية.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.