عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن

علي أبو دهن

ذكريات من تدمر واخواته، باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء

——122——

حط بنا الترحال في باحة صيدنايا، حيث أنزلونا قافلة بالجنازير. صرخ صوت: انزلوا، ولا…ه انتبهوا ما توقعوا… شيلوا الطميشة عن عيونكم هون فيكم تشوفوا الرقباء وتحكوا معهم؛ ( لا أخفي عليكم أبدا أننا كنا نرتجف من الخوف ملتصقين بعضنا ببعض كالأغنام لحظة تهاجمها الذئاب ).
ولكن صوت عسكري آخر بدد كل هذه المخاوف حين قال: لاتخافوا هون غير تدمر! ما راح نضربكم بيكفي العذاب اللي مريتوا فيه… موزعا الأوامر: على مهلك أنت بالأول على رفقاتك، أنت بالأخير وقاف: ابعدوا عن بعضكم ولك، شو بكن، يلا شباب. بدأ عرق الخوف يجف رويدا رويدا… وانتظمت دقات قلبي وبردت أعصابي مع بدء الصعود على درج واسع ونظيف لامع.

وصلنا إلى باحة شاسعة داخل السجن وبدأوا بفك الأغلال من أرجلنا، و أمرونا بأن نجلس القرفصاء أو على الأرض. هناك، سمح لنا الشرطي بنزع الطماشة التي تحجب عن أعيننا النور.
رأينا الشرطة العسكرية للمرة الأولى بعد طول انتظار، و كنا نتوق للتعرف إلى وجوه الرقباء في تدمر، الذين أذاقونا أم العذاب و الضرب، و الإهانة، الجسدية منها والنفسية. لم يتركوا لناحرمات إلا وانتهكوها، لم تسلم أمهاتنا ولا أخواتنا و لا بناتنا ولا زوجاتنا من الشتم والتعابير المسيئة اللاأخلاقية وهي إن دلت على شيء فإنما تدل عليهم. لعنتهم جميعا، هم وكل سلالاتهم، و بصقت بوجوههم في سري
لشدة ما رأينا من سوء على أيديهم وكذلك فعل كل من كان معي من معتقلين.

——123——

سلمنا أغراضنا للتفتيش و أخضعنا بدورنا لتفتيش دقيق جدا حيث خلعنا ثيابنا، حتى الداخلية منها، و أجبرنا على الركوع والقرفصاء ونحن عراة، إذ ربما كان أحدنا يهرب مادة الحشيشة أو الكوكايين، مع العلم أننا منقولون فقط من سجن إلى آخر، وتحت حراسة مشددة مكبلي الأيدي و الأرجل لمجرد الإهانة الشخصية وتكسير الرأس. كنا نسمع التعليقات المسيئة من الشرطة مثل: ليك (…) شو كبيرة، وقف ولاه وديرها صوبي خليني إتصبب عليها، والله أحلى من (…) مرتي الملعونة، محدثا زميله… ضحك… وهذا ليك (…) شو كبير مثل الحمار، آخر قال: لييييك ياحمار، أمك موحمة عليه أو (…) حمار، ولاه لازم تتزوج حمارة أو بغلة (…)ها ها ها، وهيداك حقير، وهيداك (…)، وهذا (…) وكل هذه الكلمات السيئة.
كانت هذه الكلمات العذبة تقع علينا أكثر و أقوى من السياط ولكن… ماباليد حيلة.
بعد انتهاء التفتيش قال الضابط المناوب: هنا، من يدخل السجن وجب علينا أن ندولبه، ونعمل له فلق.
ولكن، نظرا للظروف السيئة التي مررتم بها والعقوبة الطويلة غير المنتهية تكرم و قرر مدير السجن، محيي الدين محمد، أن يسامحكم ويعفيكم من الدخولية، أي عقوبة الجلد. ويقول لكم عليكم بالأدب واحترام قانون السجن والتقيد بالنظام العام، ويعدكم بألا يعاقب سوى المذنب. وعندما انتهى قال: ولو، هالمسامحة
مابتستاهل زقفة؟ شو أنتو بلا شرف بالحقيقة. صفقنا وانتهى الكلام.

——124——

اقتادونا إلى الطبقة المعروفة ب << الباب الأسود >>، حيث وزع لكل أسير أربع بطانيات فعازل ومخدة.
ولعل أول ما لحظناه نظافة المهجع: بلاط يلمع، حمام، ومطبخ صغير بلا حنفيات… إنها جنة السجون بالمقارنة مع تدمر… فتنعمنا للمرة الأولى منذ زمن بنوم هنيء من دون الطماشات، وصحونا على مزاجنا من دون إكراه من أحد.
أما الأكل فأتانا وفق الكميات المقررة أي 480 غراما من الفطور للشخص الواحد ومن كل الأصناف كاللبنة والمربى، والبيض، والجبنة و الزبدة… بمعدل صنف واحد يوميا. وبدأت مرحلة جديدة من حياتنا.
في اليوم الثالث من وصولنا إلى صيدنايا طلبنا جريدة فجاؤونا بصحيفة << البعث >>. لم نفهم شيئا من السياسة الخارجية: جمهورية كازاخستان ورئيسها؟ دولة أرمينيا؟ ألمانيا دولة شرقية أو غربية… ليش فاليسا؟ الرئيس اللبناني الهراوي في دمشق؟ الرئيس الحريري رئيسا لمجلس الوزراء اللبناني؟ و آلاف الأخبار الغريبة عنا كليا… فصعقت إذ علمت أن الاتحاد السوفياتي تفكك فيما ألمانيا اتحدت… واغتيل تشاوتشيسكو وزوجته.
ثم اغتيل الرئيس اللبناني رينيه معوض بعد انتخابه بأيام. الرئيس العراقي صدام حسين يغزو الكويت؟
أميركا ودول التحالف تحرر الكويت… سورية تشارك بالحرب جنبا إلى جنب مع قوى الشر والإمبريالية، كما كان الرئيس الأسد يطلق عليها، ضد العراق أي ضد بلد عربي وجار عزيز.

——125——

وتأخذ الثمن بأن قدمت بيروت قربانا لها. وعشرات الأخبار الجديدة… وقلت بصوت عال:
⦁ ولوه شو صار بها الغيبة خربت الدنيا؟!
فأجابني أحدهم ساخرا:
⦁ استغيبوك وعملوا هيك، لازم تحتج!
الباب الأسود
تصفحت الجرائد والمجلات القديمة وعلمت أن الكثير من المتغيرات العالمية والمحلية قد حدثت. وهزني ما حدث في لبنان من حرب الإلغاء بين الحكيم سمير جعجع والجنرال ميشال عون، ومقتل آلاف اللبنانيين مجددا وتدمير مئات المنازل وتشريد الآلاف من منازلهم، هذا ما عدا إحراق السيارات وزيادة الفقير فقرا… كله باسم الإلغاء.

وعودة الاستخبارات السورية إلى بيروت الشرقية مع جيشها وحواجزها. ذهبت في غيبوبة قليلة أسترجع تاريخا لم يمض عليه زمن كثير عندما اشتعلت الحرب اللبنانية ضد الوجود السوري في المنطقة الشرقية وكان لي الشرف الكبير بالاشتراك بها والقتال تحت قيادة الباش مارون خوري، والقائد بشير الجميل والرئيس كميل شمعون ونجله داني، وأبو أرز.
كان هؤلاء القادة يحاربون جنبا إلى جنب من دون منة أو تركيز على العدد، لذلك، نجحوا وحرروا المنطقة الشرقية من فلول الجيش السوري وارتاحت المنطقة منهم… وها هو الجنرال عون والحكيم يتقاتلان قتال الإخوة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.