عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (23)

86

ذكريات من تدمر واخواته.. باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء

——112——

أو الجودو والكارتيه… أو دبشنة لعبنا معا.
أنا متأكد جدا أن معظم الأهالي لا يصدقون ما يقوله لهم أولادهم ومع ذلك يتكبدون العناء وبعدالمسافة، كل هذا ليروا أولادهم دقائق معدودات. عندما تصل إلى السجين << نقلة >>.
من الأغراض يوقع على لائحة استلام تعدد كل ما أرسله أهله… رغم أن ما يعطى له يشكل أقل من 20 في المئة من مجمل الحاجيات، إذ تسرق هذه الأخيرة. ونحن لشدة الهلع والرعب، لانجرؤ على الكلام أو الاعتراض. وإذا سرق أكثر من ذلك نجلد ونضرب كي لا نفتح أفواهنا.
فهل يشكو الحمل عذابه للذئب والشكوى لغير الله مذلة؟!
عند عودة السجين من الزيارة يتحلق الجميع حوله وتنهال عليه الأسئلة من كل حدب وصوب تهنئة بالسلامة، وكأنه كان يحارب على جبهة الجولان مثلا أو في جنوب لبنان يجابه فيلقا من الصهاينة في معارك ضارية.
<< كيف كان الذهاب والإياب؟ هل ضربوك؟ ركلوك؟ من جاء لزيارتك؟ ما آخر المستجدات؟ شو قالوا…؟ >>. ويروح السجين يروي لمدة ساعات وساعات أخبار زيارة لم تتعد الدقائق الخمس عشرة في أحسن الأحوال، وتبدأ التحليلات السياسية و الإخبارية، مثلا: قال النائب الفلاني لأهل السجين كذا << إن شاء الله خير >>، أو قال الوزير أو رئيس مجلس الوزراء كذا (..).

——113——

فنبني أحلاما وأحلاما على كلام نواب وسياسيين كذابين لا يجيدون سوى التدجيل والعبث بآمال الناس وكسرات قلوبهم، فيبيعون أهلنا كلاما مقابل الأصوات الانتخابية.
اكتشفت بعدما خرجت من السجن أن كل ما قالوه عار من الصحة، تحليلنا في واد، والحقيقة في آخر، على بعد جبال وأنهر ووديان… فأشكر الله للمرة الألف بعد الألوف على خروجي حيا لأشهد للحق.
حقا، تجد في السجن مختلف الأنواع والأشكال الفكرية، منها الخير ومنها الشرير. فالبعض يخطط لبناء مستقبل شريف والبعض الآخر يختلق نظريات الازدهار بوسائل شتى… فهناك المفكر الذي يرسم معالم التغيير في سياسات بلده الداخلية والخارجية، والعسكري الذي يحلم بالمناصب العالية لا لشيء إلا ليوقف الفساد في المؤسسة العسكرية ويزيل المحسوبيات والتعديات التي لا يخجل بعض الضباط والعسكريين من المجاهرة بها.

ترى كذلك الطبيب الذي سجن لأنه لم يجد تسويق نفسه تجاريا، فلم يبقى له سوى القسم بشرف المهنة بعد أن سقط جريحا في المعركة… والمحامي الذي أخذ على عاتقه مسؤولية الدفاع عن الحق وصون الحريات فتصادم مع محامي السلطة حامي النظام والفساد، ومعه الصحافي ذو القلم الحر والعقل النير الذي رفض أن يبيع ضميره ويجير قلمه لمصلحة الفسق.
إنه السجن الذي يواجه التغيير بالقمع، والقلم بالممحاة.

——114——

ولكنهم أيضا مساجين الرأي الذي لا يرتهن ولا يباع، شاهدون للحق حتى الشهادة، وصرخة الإنسان للحرية والديموقراطية، والحق الإنساني بالاختلاف الراقي والحضاري. ولو أن الحضارة توقفت عند البعض على حدود السياط والجلد والتعذيب.
سجنوا لأنهم قاتلوا دفاعا عن شرف وطنهم، يوم جيرته السلطة إلى غيرهم ممن لا حق لهم فيه.
فغيبتهم << بشحطة قلم >>. ونحن المساجين الأحرار يدوربنا الفكر ويأخذنا إلى حيث لم يرمنا في عتمة السجون وبرودة الظلم، فنرسم المستقبل وحيدين، معلقين بين الحياة والموت.
ولا يملك الحقيقة إلا من شارف على مواجهة الله والوطن.
موت الرز بالعودة إلى سنة الموت الأحمر في ال1989، كنت لا أزال في الباحة السادسة في مهجع اسمه << جديد سادس >> عندما بدأ زميل لنا من آل الرز بفقدان الوزن في شكل مخيف، علما أن الرز معروف كونه شقيق أحد الزعماء الطرابلسيين. عندما اشتد عليه المرض بتنا نخرجه للتعداد مسنودا بين سجينين، محني الرأس. ولسوء حظه تحرك مرة خلال التفقد فأمره الرقيب بأن يرفع رأسه ويغمض عينيه. وعندما أجابه الرز بأنه مريض أجبره الرقيب على الخروج من الصف فسقط أرضا.
ياشرم… عم تمثل ولاه؟! شو مفكرني حمار؟!

——115——

رفسه على ظهره وانهال عليه بالكرباج.
صاح رئيس المهجع:
– سيدي هذا مريض فعلا …
– أين المسؤول الصحي؟
– أدخله إلى المهجع ولا تخرجه إلى الصف.
بقي زميلنا يبصق دما ليومين ثم فارق الحياة.
سمعنا الكثير الكثير من قصص الموت المروعة في تدمر. منها ما لا يصدق، لما يتركه من أثر في النفوس، و منها ما عايشناه وقد ألفنا الغيبوبة لقسوة الأيام.
ويخبر أحد الإخوان المسلمين أنه في ربيع ال1985 خرج السجناء للتفقد. وقف إلى جانب الراوي أحد المعتقلين في العقد الخامس من العمر، كان ضعيفا يرتجف من الخوف. أخذه الرقيب من يده ورفسه على رقبته فوقع أرضا. وعندما لم يعد يتمكن من الوقوف قفز الرقيب على صدره وهو يحتذي الجزمة العسكرية. فسمع تكسير عظام الصدر فخرج الهواء من فم السجين وبقي على الأرض دون حراك. عندما دخل الجميع المهجع بعد التعداد كان زميلنا قد فارق الحياة.
وكالعادة أتى مدير السجن:
– ماذا جرى له؟
– وقع في الحمام ومات.
– حدا ضربه؟

——116——

– لا سيدنا.
بعد يومين أتى الرقيب للتفتيش فوجد مع أحد المساجين مسمارا كان قد وجده في الخارج، فضربه ضربا مبرحا وقال له:
– اعتز بنفسك، ( أي أن يقف مرفوع الرأس )، فضربه ضربة جودو على زلعومه كسرت العنق وقضى السجين في الحال.
طبعا، كتب في التقرير أنه مات نتيجة وقوعه في الحمام. وكل الذين استشهدوا في تدمر نتيجة التعذيب، وقلة الدواء أو بمرض السل << وقعوا في الحمام >> بالمفهوم السوري.
سلوا مدير السجن الأعلى، غازي الجهني، أو نائبه، محمد نعمة،… علهما يقران بما ارتكبا.
القسم لولاية جديدة للرئيس حافظ الأسد في نهاية عام 1991، ومع قرب نهاية ولاية الرئيس حافظ الأسد، بايعه الحزب والشعب المزعوم والمرغم على ذلك. وتقدم إلى انتخابات أو ولاية جديدة. عرفنا ذلك من خطباء الجمعة في المساجد القريبة من سجن تدمر << اللعين >>. ومن هيصة الشرطة. فابتدع مدير سجن تدمر وسيلة جديدة كي يقوي ويحصن مركزه بأن أمر سجناء الرأي السياسي في سجن تدمر بأن يكتبوا تأييدا ومبايعة للرئيس الأسد بالدم… أو لنقل بدمنا الناشف المجفف. وفعلنا ذلك مرغمين.
أعطونا ورقا أبيض وبعض الدبابيس لتنفيذ المهمة الدموية، وشرح لنا شرطي بأن هذا العمل وتوقيع العريضة بالدم سيساعدنا على إخلاء سبيلنا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.